مصير حلب الدراماتيكي

سجل الحصار الأخير الذي فرضته المعارضة السورية على المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة في حلب، ما أدى إلى تقارير عن مجاعة في هذه المناطق، تراجعاً جديداً في نصيب ثاني أكبر مدينة سورية.

ففيما ظلت حلب في العام ونصف العام الأولين من الثورة على هامش  الحراك الشعبي  فإن دخول المعارضة إلى المدينة في صيف العام 2012 غيّر الأمور بشكل جذري. فقد أدى القتال في المدينة إلى توقف الإنتاج الصناعي، وإلى تدمير البنية التحتية والأبنية وإلى نقص في منتجات عديدة، من ضمنها الغذاء والأدوية. هذه الأحداث شكلت خطوة جديدة في هذا المسار التراجعي البطيء والمتدرج، الذي على ما يبدو لا رجعة فيه لمدينة ظلت لقرون الأكبر والأكثر قوة وثروة في سوريا.

تراجع حلب بدأ في العام 1920 عندما أدى ترسيم  حدود سورية إلى قطع صلاتها مع المناطق التابعة لتركية، ثم عينت دمشق كعاصمة للدولة السورية الناشئة حديثاً. تبع ذلك تأميمات نهاية الخمسينات وبداية الستينات التي جرّدت البورجوازية السورية المتمركزة أساساً في حلب من أراضيها و ممتلكاتها، ما أجبرها على الفرار برأسمالها المتبقي إلى لبنان واوروبا وأميركا الشمالية.

في بداية السبعينات إختل التوازن بدرجة أكبر لمصلحة دمشق مع إزدياد مركزية الدولة السورية المفروضة من قبل الرئيس حافظ الأسد. هكذا أدى قرب رجال الأعمال المتمركزين في دمشق من مركز السلطة في  إثرائهم بشكل هائل، على حساب منافسيهم الحلبيين.

فقط، بعد ثلاثة عقود، عندما وصل بشار الأسد إلى السلطة وشرع في إنتهاج سياسة التحرير الإقتصادي والتجاري، بدأت المدينة بإستعادة ثروتها المفقودة. وعلى الرغم من أن دمشق أيضاً إستفادت من هذا الإنفتاح – على سبيل المثال المراكز الرئيسية لكل المصارف وشركات التأمين التي تم تأسيسها منذ العام 2003 قائمة في العاصمة – قامت حلب بالبناء على اللبرلة الإقتصادية وعلى تحسن الروابط مع الجار التركي في تعزيز التجارة والسياحة والإستثمار. غداة عقود من التهميش، رأت حلب مشاريع الأعمال فيها تنتعش من جديد وتسعى وراء الإستقرار والهدوء – لا مع إنتفاضة ترادف اللاإستقرار والإضطراب.

غير ان إمتداد الإنتفاضة إلى المدينة الصيف الماضي لم يؤدِ إلى تخريب تعافي المدينة البطيء فحسب. وإنما كشف الإنقسام الكبير بين المدينة وبين ريفها، المؤلف من مئات القرى التي تقع في قعر المؤشر الإقتصادي – الإجتماعي السوري. وقد اظهرت قوى المعارضة التي دخلت المدينة إهتماماً طفيفاً بالإرث الثقافي والتاريخي للمدينة كونها اعتبرت أنها إستغلتهم لزمن  طويل. في الغضون، كثر في المدينة وبدلاً من ان يعتبروا هؤلاء محرّرين نظروا إليهم كغزاة.

 يخدم مصير حلب كمثال جيّد على التحديات العديدة التي تنتظر السوريين. فتاريخها ومعاناتها في الأشهر الـ12 الأخيرة يجب ان يشجعا النقاش حول النموذج الإقتصادي السوري المستقبلي، وحول دور الدولة، كما حول الصلات بين العاصمة والمحافظات، فضلا عن التوازن بين الإنتاج والتجارة.

بالنسبة الى حلب، سواء خسرت مجدداً من أي تغيّر مستقبلي كما حصل إبان غالبية التحولات الدراماتيكية في القرن الماضي، أو نجحت في التكيف مع الاوضاع الناشئة، فان ذلك كله سيعتمد على قدرة نخبها على الأخذ بالإعتبار خطوط الصدع  العديدة التي تخترق المدينة والتي إنكشفت الآن.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s