أين رجال الأعمال السوريين؟

قيل الكثير منذ بداية الإنتفاضة السورية عن مجتمع رجال الأعمال في سوريا وعلاقته بالنظام ومقدرته على التأثير على مجريات الأمور في البلاد.

ويبدو واضحاً بعد مرور عامين أن الحديث عن مجتمع رجال أعمال سوري موحد في مطالبه للسلطات السورية، ويمكنه التصرف كمفاوض جمعي هو أمر محال. و رجال الأعمال يجدون صعوبة في التصرف كطرف واحد، بسبب تباين طبيعة أعمالهم التجارية وإرتباطاتهم مع الحكومة. ولكن، على عكس ما يعتقده الكثير، فلم يكن كل رجال الأعمال السوريين  صامتين، على سبيل المثال، في وجه قمع النظام.

ففي بعض المدن الرئيسية، كان بعض رجال الأعمال من بين الداعمين الرئيسيين للإنتفاضة، كما كان الحال في مدينتي حماة وحمص، عندما شاركت غرفة التجارة والصناعة في كل من المدينتين في الإضرابات التي نظمتها المعارضة.

وفي مدينة دير الزور، كانت غرفة التجارة والصناعة أقوى صوتاً وأعلى إحتجاجاً، حيث أصدرت بياناً في شهر تموز (يوليو) 2011، إنتقدت فيه ممارسات الأجهزة الأمنية التي، كما يقول البيان، إنما تهدف إلى “تعميق الازمة وعرقلة كل المبادرات الجادة لوضع الحلول، كما انها تفقد الثقة في أي قول بالإصلاح”.

وتختم غرفة التجارة والصناعة بيانها بعبارة “عاشت سورية حرة… والخلود للشھداء”.

أما في مدينتي دمشق وحلب، وهما المدينتان الأكبر والأقوى إقتصادياً، فقد كان موقف رجال الأعمال عموماً موزعاً ما بين الصمت أو تقديم الدعم للنظام. وعلى سبيل المثال، فإن رئيس إتحاد غرف الصناعة، فارس شهابي، ومقره مدينة حلب، وهو يدير في الوقت نفسه أكبر مؤسسة سورية لصناعة الأدوية “ألفا”، كان من بين أكبر الداعمين للنظام.

ومع ذلك، فإن هذا التباين بين موقفي المركزين الأكبر في سوريا من جهة، وهما اللذان إستفادا أكثر من غيرهما من سياسة اللبرلة التي إتبعها النظام في العقد الأخير، وبين المدن الصغرى هو أحد العوامل فقط التي تقسم مجتمع رجال الأعمال في سوريا.

واقع الحال أن الصورة أكثر تعقيد، وثمة عوامل أكثر تشابكاً تحدد طبيعة هذا الإنقسام. فسلوك رجال الأعمال تأثر أيضاً بعوامل أخرى متعددة، من مثل قربهم من مراكز صنع القرار والمنافع التي جنوها من علاقتهم بالنظام أو مستوى الخسائر التي من المتوقع أن يتعرضوا لها فيما لو فصلوا إرتباطهم بالنظام. ومن هنا نرى أن العديد من المستثمرين الأفراد في دمشق وحلب قدموا الدعم للمعارضة بينما – على العكس – دعم آخرون في حمص وحماة النظام.

أحد العوامل الأخرى التي حددت موقف رجال الأعمال هو ما إذا كان لديهم أموال وممتلكات في الخارج. فأولئك الذين كان لديهم أعمال وأموال في الخارج أو الذين لديهم أعمال وممتلكات محدودة في سوريا كانوا أكثر مرونة ومقدرة على الإبتعاد عن السلطة.

أما آخرون فكان ما يحدد موقفهم مبنياً على عوامل أخرى قسَّمت إلى حد كبير المجتمع السوري، من مثل الإنتماء الطائفي أو الإثني أو المناطقي أو العائلي.

وبإختصار، يبدو مجتمع رجال الأعمال السوري اليوم مفتتاً إلى حد بعيد، ولكنه في هذه الحال لا يجافي باقي فئات المجتمع السوري التي لا تقل تفتتاً وانقساماً. وما يبدو مهماً على المدى الطويل هو إدراك أن هذا المجتمع قد تغير تغيراً كبيراً. فالعديد من رجال الأعمال قد غادروا البلاد إلى الأبد ومن دون أمل في العودة، بينما خسر آخرون معظم ثرواتهم إن لم يكن كلها، في المقابل، ظهرت طبقة جديدة من رجال الأعمال بفضل إقتصاد الحرب الذي تطور في سوريا على كلا ضفتي الصراع. ولن يحمل مجتمع رجال الأعمال في سوريا ما بعد الحرب سوى بعض سمات المجتمع الذي كان موجوداً قبل الحرب.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s