سوريا: نهاية حقبة اقتصادية

 شهدت مدينة دمشق في نهاية تشرين الأول الماضي إغلاق المطعم الأخير من سلسلة مطاعم “كي إف سي” KFC في سوريا.

وإذا كان افتتاح هذه المطاعم في العام 2006 يرمز إلى بداية مرحلة جديدة في سوريا، فإن إغلاقها يرمز بجلاء إلى نهاية هذه المرحلة.

لدى افتتاحها، غدت السلسلة الأميركية الوحيدة لمطاعم الوجبات السريعة في البلاد، قبل أن يتبعها افتتاح سلاسل أخرى مثل “كوستا كوفيه” Costa Coffee و”لا بريوش دوري” La Brioche Doree  و”سيغافريدو” Segafredo.

والحال أن افتتاح مطاعم “كي إف سي” KFC كان واحداً من الأمور العديدة التي ترمز إلى تحرر الاقتصاد والتجارة في سوريا في العقد الذي سبق الثورة ومثالاً على نماذج جديدة للاستثمار والاستهلاك انتشرت في تلك الفترة.

ساعد تحرير الاقتصاد على نشوء قطاعات جديدة للعمل، كالبنوك وشركات التأمين والسياحة. وقد شهد تحرير التجارة، الذي أتاح استيراد كل أنواع المنتجات الاستهلاكية التي كانت محظورة إلى حينه، كالملابس وأدوات التجميل، إنشاء متاجر كبيرة للتسوق ومراكز لتجارة التجزئة بشكل عام.

ومع ازدياد نسبة الثراء في المدن، ظهرت أعمال جديدة توفر أجوراً أعلى وتجتذب أختصاصيين من ذوي المهارات الرفيعة، ما وسّع حجم الطبقة الوسطى العليا وزاد ثراءها. وقد سعت هذه الفئة الجديدة من المستهلكين إلى تقليد الطرائق الغربية في الاستهلاك، بالطريقة ذاتها التي انتشرت فيها هذه النماذج في أنحاء منطقة الشرق الأوسط. عملياً، تعبّر المناطق التي تتوزع فيها فروع مطاعم “كي إف سي” KFC في دمشق عن نموذج زبائنها: فهي تقع في أبو رمانة وساحة الميسات والقصاع ومتجر داماسكينو، أي أنها كلها توجد في المناطق الغنية من العاصمة السورية.

على أن لإفتتاح “كي إف سي” KFC جانبا رمزيا يتعلق بنموذج الاستثمارات التي دخلت إلى سوريا. حيث كان حجم الاستثمار الأجنبي الكبير في العقود السابقة يأتي من دول الخليج ويركز في معظمه على قطاعي العقارات والخدمات. في حالة KFC، الشركة هي امتياز من شركة أمريكانا، وهي شركة مقرها الكويت وتابعة لمجموعة الخرافي. وتشمل بقية الامتيازات التي تملكها مجموعة أمريكانا في الشرق الأوسط: بيتزا هات Pizza Hut، باسكين روبينز Baskin Robbins، هارديز Hardee’s وكوستا كافيه Costa Coffee.

وحسب التقارير الصحافية، فإن السبب الذي دعا رسمياً إلى إغلاق الشركة هو اقتصادي بحت. إذ تواجه KFC صعوبات في شراء الدجاج من السوق المحلية، بعد أن أدى تدمير مزارع الدجاج إلى خفض الإنتاج المحلي، فيما غدت تكاليف الدجاج المستورد مرتفعة جداً بسبب تراجع سعر صرف العملة السورية. كل ذلك جعل الوجبات التي يتم تقديمها إلى الزبائن في المطاعم غالية جداً وبدأت السلسلة تشهد خسارة في الزبائن والنقود.

إغلاق KFC يشير إلى حد ما إلى إفقار الطبقة الوسطى العليا في سوريا وإلى حقيقة أن شريحة واسعة منها غادرت البلاد حيث عمل العديد من هؤلاء السوريين على إعادة بناء حياتهم في بلدان المنطقة وحول العالم. مدن مثل بيروت ودبي هي حالياً مليئة بالسوريين الذين كانوا سابقاً يعملون في البنوك وشركات السياحة أو العقارات، وهم الآن يبحثون عن عمل. وأغلب الظن أن العديد من هؤلاء لن يعودوا ثانية إلى الوطن.

صحيح أن على السياسات الاقتصادية المستقبلية في سوريا أن تركز توجهاتها نحو قطاعات تم إهمالها في العقد الماضي، كالزراعة والصناعة، لكن في الوقت ذاته ينبغي للمرء أن يدرك دائماً،  بغض النظر عن وجود رموز مثل سلاسل مطاعم الوجبات السريعة العالمية، أن عملية إعادة بناء سوريا لن تتم بنجاح دون عودة أبناء الطبقة الوسطى العليا والأختصاصيين ذوي الخبرات الرفيعة إليها.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s