لا أزمة في سوريا.. بل كارثة

بعد ثلاث سنوات من بدء الاحتجاجات في سوريا، وسنتين من تحولها نحو العنف، يعاني الاقتصاد السوري من ظروف قاسية للغاية.

مع ذلك، لا يزال العديد من المحللين يعتقدون بأن الاقتصاد السوري لم يصل بعد إلى حالة الانهيار. وهم يستندون في تقييمهم على أن الخدمات الحكومية كالماء والكهرباء والتعليم والخدمات الصحية لا تزال متوافرة في دمشق ومعظم المناطق التي تخضع لسيطرة النظام، حتى وإن لم تكن بحالتها الطبيعية. في الوقت ذاته، لا تزال السلع الاستهلاكية كالخبز والفواكه والخضار والبنزين والمازوت، متوفرة للمواطنين. كما يعتمدون في تحليلهم على أن العملة السورية لم تخسر “سوى” ثلثي قيمة صرفها أمام الدولار، في حين كان من المتوقع أن تشهد انحداراً أكبر.

من المهم محاولة فهم الأسباب الكامنة وراء هذه الحالة الطبيعية نسبياً التي تعيشها بعض المناطق السورية.

أولاً، تراجع الطلب على السلع والخدمات تراجعاً حاداً، ما جعل من الاسهل على الحكومة توفيرها، وهذا يعود في الحقيقة إلى أن السوريين أصبحوا أكثر فقراً وبالتالي تراجعت نفقاتهم، كما أن حوالي خمس السكان هربوا من البلاد. إلى جانب التراجع الملحوظ الذي يشهده نشاط قطاع الاعمال مما يقلص الطلب على الكهرباء، مثلاً.

ثانياً، تستفيد سوريا من غناها النسبي بالموارد الطبيعية وتنوع اقتصادها. فالإنتاج الزراعي الجيد الذي شهدته البلاد في السنوات الثلاث الأخيرة، على سبيل المثال، ساعد على تزويد المدن بالطعام وتوفير عوائد ثابتة للمزارعين في المناطق الريفية.

ثالثاً، بدأت الحكومة بالتخطيط باكراً للفترة الأكثر صعوبة. ففي خريف عام 2011، رفعت الرسوم الجمركية في محاولة لإنقاذ العملات الأجنبية، وخفضت جميع مصروفاتها تخفيضاً حاداً.

رابعاً، ساعد تراجع قيمة العملة المحلية على رفع قيمة احتياطيات الدولار في الليرة السورية، حيث أنفق البنك المركزي مبالغ طائلة للحفاظ على قيمة العملة المحلية، الأمر الذي أوحى بأن الأوضاع طبيعية. كما تم استخدام الاحتياطيات لتمويل الواردات وتغطية النفقات المحلية الأخرى.

وأخيراً، تلقت الحكومة مساعدات مالية من إيران بما في ذلك خط ائتمان بقيمة 3.6 مليار دولار لشراء منتجات النفط وخط ائتمان آخر بقيمة مليار دولار لتمويل الواردات الأخرى.

مع ذلك، ما يتوجب توضيحه هو أن هذا الوضع شبه الطبيعي لا تشهده سوى المناطق التي تخضع لسيطرة النظام.

أما في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، والتي تغطي نسبة 30 إلى 40 بالمئة من المساحة الكلية للبلاد، فالوضع أسوأ بما لا يقاس، إذ لا تتوافر فيها أي من الخدمات الحكومية كالكهرباء مثلاً، ومعظم السلع مفقودة، ونشاطات الفعاليات الاقتصادية الرسمية متوقفة بشكل كلي تقريباً، والأطفال بلا مدارس، وهم غالباً من دون لقاحات، مع انتشار الفقر والجوع.

تقدم بيانات صدرت مؤخراً عن الإسكوا، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة ومقرها في بيروت، صورة مفصّلة عن حالة الاقتصاد السوري اليوم. ففي السنوات الثلاث الأخيرة تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى النصف، وارتفعت نسبة البطالة إلى 60 بالمئة. كما أن مليوناً ونصف مليون بيت مهدم بشكل جزئي أو كلي و29% من السكان لم يعد بإمكانهم الحصول على مياه صالحة للشرب.

لا فرق، سواء أسمينا هذه الحالة انهياراً أم لا، فهذا لا يغير من حقيقة أن السوريين يعيشون اليوم أوضاعاً اقتصادية واجتماعية كارثية.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s