زراعة القطن كتحدِّ مستقبلي

أوردت المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان، أن حجم القطن الذي اشترته الحكومة السورية من مزارعي القطن العام الماضي لم يتجاوز عُشْر مستواه في العام 2012.

وتقول المؤسسة إن مبيعاتها في نهاية كانون الأول، الذي يوافق نهاية موسم الشراء، بلغت 39.500 طن فقط مقابل 500.000 طن باعتها في العام 2012، أي بتراجع قدره 92 في المئة.

عملياً، المستوى الفعلي للمحصول أصبح أعلى مقارنة مع السنوات الفائتة، حيث يقدّره بعض الخبراء بحوالي 200.000 طن. مع ذلك فالحكومة التي قامت في السنوات السابقة بشراء كل المحاصيل تقريباً من المزارعين لأنها تدفع لهم أسعاراً أعلى بكثير من أسعار السوق، لم تكن قادرة العام 2013 على شراء الكميات المخزنة في محافظتي الحسكة والرقة، اللتين تعتبران المركزين الرئيسيين لزراعة القطن، وهما الآن خارج سيطرة النظام.

لا يعرف بوضوح ما الذي سيحدث مع كمية القطن الباقية والتي تبلغ 160.000 طن، لكن من الممكن أن يبيعها المزارعون عبر الحدود إلى تركيا أو إلى أي من القوى المعارضة التي تسيطر على المنطقة التي يتواجدون فيها.

وكانت الحكومة قد ضاعفت سعر شراء القطن من مزارعيها حيث ارتفع من 51 ليرة للكيلوغرام الواحد في العام 2012، إلى 100 ليرة في السنة الماضية، كي تشجعهم على زراعة أراضيهم من جهة، وكي تعوض عن الزيادة العامة لتكاليف الانتاج من جهة أخرى. مع ذلك، لم تكن هذه الزيادة كافية. فالتدهور الذي تشهده بيئة الأعمال والحالة الأمنية في سوريا، لاسيما في شمال شرق البلاد، منعت المزارعين من زراعة أراضيهم، وجعلت عملية توريد البذور والأسمدة وغيرها من المنتجات بالغة التعقيد، كما زادت من تكاليف الإنتاج.

طيلة عقود، كانت الحكومة السورية تعتبر القطن محصولاً استراتيجياً. فهو ليس مجالاً لتشغيل آلاف من المزارعين فحسب، بل إنه يستخدم أيضاً في صناعة الغزل والنسيج المحلية التي توظف مئات الآلاف من الأشخاص، وتسهم في توفير مبالغ كبيرة من النقد الأجنبي.

لكن تبقى لزراعة القطن عيوب أساسية، فهي تستهلك الكثير من الماء. وعندما ضرب الجفاف سوريا في العقد الماضي، مجبراً المئات من الأشخاص على الفرار من المنطقة الشمالية الشرقية، تم إلقاء جزء من اللائمة على القطن لاستهلاكه الكثير من الموارد المائية المحدودة أصلاً، فلم يترك ما يكفي من المياه للاستخدامات الأخرى.

يعكس قطاع القطن التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري ويبدو أنه سيستمر في مواجهتها، كما يعكس أهمية الإدارة الرشيدة للموارد المائية المحدودة في البلاد.

أحد أبرز الأسئلة التي ستجد أي حكومة مقبلة نفسها مضطرة للإجابة عنه هو التالي: هل ينبغي على الحكومة تشجيع زراعة القطن لما له من فوائد اقتصادية مباشرة بالإضافة إلى العدد الكبير من فرص العمل التي يؤمنها، أم ينبغي عليها الحد من هذه الزراعة من أجل توفير الماء للاستخدامات الأخرى؟

هاتان الحاجتان المتناقضتان لهما أهمية خاصة عندما ينظر المرء إلى أن الجفاف الذي سببه سوء إدارة الموارد المائية، فضلاً عن البطالة، كانتا من بين العوامل الاقتصادية الرئيسية التي لعبت دوراً في ارتفاع مستوى السخط الجماهيري الذي قاد إلى قيام الاحتجاجات.

اتخاذ القرارات الصعبة المتعلقة بصناعة القطن سوف يكون طريقة جيدة لصانعي القرار كي يتعلموا كيف يتيقّنوا من نجاح سياساتهم الاقتصادية: عبر توزيع واقعي وعادل وفعال لا للموارد المائية وحسب، بل لكل ثروات البلاد.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s