إقتصاد حلب: عقود لإستعادة العافية

يحتاج إقتصاد حلب إلى عقود كي يستعيد عافيته.
صحيح أن حلب كانت من المدن التي شاركت متأخرة في الإحتجاج ضد النظام، لكن يمكن القول إنها اليوم واحدة من أكثر المناطق المتضررة بويلات الحرب.

غالباً ما كان يُطلق على حلب، في ما مضى، عاصمة سوريا الإقتصادية، لكنها عملياً فقدت هذا الموقع منذ فترة طويلة، خصوصاً بعد وصول حافظ الأسد إلى سدة الرئاسة، وما تبع ذلك من حالة مركزية قوية للدولة السورية وإلى إنشاء العديد من الشركات الكبرى في القطاع العام، والتي تقع في العاصمة السورية حصراً.

مع ذلك، من الصعب إجراء مقارنة دقيقة بينها وبين دمشق، المنافس التاريخي لمدينة حلب، لأن الإحصاءات السورية تقدّم بيانات عامة عن المحافظات مجتمعة، ناهيك عن أن التقسيمات الإدارية تعتبر دمشق وريفها محافظتين منفصلتين، فيما حلب وريفها محافظة واحدة.

حتى إنطلاق الإحتجاجات، كانت حلب لا تزال مركزاً صناعياً كبيراً لا يقل أهمية ربما عن دمشق، ومركزاً رئيسياً لتوزيع المنتجات الزراعية القادمة من الجزيرة ومن الغاب ومن ريفي إدلب وحلب. كما استفاد المستثمرون في حلب من الإنفتاح الذي شهده سوق التجارة مع تركيا ومن الموقع الجغرافي لمدينتهم ليلعبوا دوراً هاماً في استيراد وتوزيع البضائع التركية في الأسواق السورية. وبرغم كل ذلك، ظل حضور الدولة في اقتصاد المدينة محدوداً.

لكن بعد إمتداد الصراع إلى حلب في صيف العام 2012، بدأت المدينة تعاني جداً. فخلال أسابيع قليلة انقسمت إلى قسمين، وتم تدمير آلاف المصانع أو نهبها كما تم عزل المدينة عن ريفها، الأمر الذي قطع خطوط التجارة بين المدينة ومحيطها. وهكذا، في غضون أسابيع خسرت المدينة القطاعين الرئيسيين اللذين كانت تعتمد عليهما في اقتصادها، وهما قطاع الصناعة وقطاع تجارة المنتجات الزراعية. كما شهد ذلك الصيف الهجرة الأوسع التي شملت رجال الأعمال وأفراد الطبقة الوسطى.

ومنذئذ، لا تزال حال المدينة في تدهور مستمر وهي لا تزال منقسمة وتعاني من ويلات الحرب.

في الجزء الواقع تحت سيطرة المعارضة، وبرغم القصف المكثف الذي يشنه النظام بالبراميل المتفجرة لتدميره وإفراغه من السكان، يحاول المجلس المحلي تنظيم وإدارة حياة السكان عبر تأمين المواد الغذائية والخدمات الأساسية، لكن الفعاليات الإقتصادية لا تزال في حدودها الدنيا، ولا توجد أي شركات تمارس أي نوع من النشاط الهام. في هذا الجزء من المدينة الاعتماد يكون على مساعدات المغتربين والمساعدات التي يقدمها المجتمع الدولي، بالإضافة إلى بعض الأنشطة التجارية البسيطة التي تتم مع بعض الأجزاء الشمالية من البلاد. ثمة العديد من المنتجات تصل إلى المدينة من تركيا، كما أن بعض الموظفين المدنيين ما زالوا يتقاضون رواتبهم من الدولة.

أمّا في الجزء الذي يسيطر عليه النظام، فالدولة حاضرة ومعظم الخدمات التي تقدمها ما زالت متوافرة، رغم أن السكان يشكون من حالة التهميش التي يعانون منها مقارنة مع مناطق أخرى من البلاد. ويعتبر هذا الجزء من المدينة تاريخياً أكثر ثراء من الجزء الذي تسيطر عليه المعارضة، لذلك فهو يعيش ظروفاً أفضل بقليل. مع ذلك، يتعرض السكان هنا أيضاً إلى قصف عشوائي تشنه المجموعات التابعة للمعارضة.

وتشكل الأنشطة الإجرامية التي ظهرت في المدينة، إثر اندلاع الحرب عنصراً هاماً من عناصر اقتصاد حلب اليوم. فهذه المدينة ومحيطها تعد من أكثر المناطق التي عانت من حالات الخطف والنهب والتهريب، وبرغم أن الوضع قد تحسن قليلاً في الأشهر الأخيرة، إلا أن اقتصاد الحرب ما زال حاضراً بقوة فيها.

أضف إلى ما سبق، فإن الأمر المثير للقلق هو مستوى التدمير الهائل الذي طال المدينة، ما يجعل إعادة إعمارها بعد نهاية الحرب، أمراً في غاية الصعوبة. وبناء عليه يمكن القول إن اقتصاد حلب يحتاج إلى عقود طويلة كي يستعيد مستواه الذي كان عليه قبل الحرب.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s