حماه: عبء التاريخ وعقدة الجغرافيا

غالباً ما يعتبر الهجوم العسكري الذي شنه النظام السوري في صيف العام 2011 على مدينة حماه نقطة البداية لتحول الإنتفاضة السورية إلى حرب، لكنها في الوقت نفسه قد تكون هي من أنقذت المدينة من الدمار الهائل الذي لحق بالكثير من البلدات والمدن السورية الأخرى.

من خلال استعراضه المبكر لقوته في حماه وإظهار استعداده لإستخدام كل الوسائل في سبيل البقاء في السلطة، ولّد النظام السوري حالة رد فعل أتت على شكل حماية ذاتية من قبل سكان حماه، الذين لم يتعافوا بعد من الدمار الذي تعرضت له مدينتهم العام 1982. لذلك توقفت المظاهرات منذ صيف 2011، وظلت أنشطة الجيش الحر مقتصرة على مناطق ريف المحافظة.

معروف تقليدياً عن حماه انقسامها السياسي والسوسيولوجي الحاد بين المدينة التي كانت مركزاً رئيسياً لمعارضي حكم حزب “البعث”، ومناطقها الريفية المحيطة ـ وعملياً  كانت ثورة فلاحي حماه الثائرين على أكبر إقطاعيي المدينة من العوامل التي قادت إلى تكوّن حزب “البعث”.
ويمكن أن تظهر عقابيل هذا الانقسام في موقف وسياسات الحكومات السورية المختلفة التي لم تكن لها إلا القليل من الاستثمارات في المدينة، في حين ساعدت هذه الحكومات على تطوير البنية التحتية الزراعية للمحافظة، خصوصاً في منطقة الغاب.

مع ذلك، لا يزال إقتصاد مدينة حماه يعتمد إلى حد كبير على علاقاتها مع المناطق الريفية المحيطة بها. وتشكل المدينة مركزاً لتجارة المنتجات الزراعية وتستضيف العديد من مصانع الأغذية الزراعية. فشركة الأهلية لصناعة الزيوت النباتية، وهي شركة الأغذية السورية الوحيدة المدرجة في سوق دمشق للأوراق المالية، تقع في حماه.
كما تُعد حماه أيضاً مركزاً للسياحة، بل إنها جزء من المحور الرئيسي للعبور والنقل من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الساحل، وذلك بسبب موقعها الجغرافي. وشركة الأهلية للنقل، شركة النقل الوحيدة المدرجة في سوق دمشق للأوراق المالية، تقع أيضاً في حماة.

من حيث الزخم الاقتصادي، تعتبر حماه خامس أكبر مدينة في البلاد. وفقاً لوزارة الاقتصاد، فإن عدد الشركات الإجمالي المسجلة في المحافظة في نهاية أيلول 2013 بلغ 33574، بذلك تكون خامس أكبر مدينة بعد دمشق وحلب وحمص واللاذقية.

بسبب حالة الهدوء التي سادت المدينة منذ صيف 2011، استضافت أعداداً كبيرة من اللاجئين الذين تدفقوا إليها من مناطق أخرى من سوريا، الأمر الذي ساعد على زيادة الطلب على المنتجات والخدمات التي تقدمها الشركات الموجودة في المحافظة. بشكل عام، وكحال المناطق الأخرى في سوريا التي لم تتعرض للدمار، كان حجم معاناة حماة على الصعيد الاقتصادي أقل من بقية المدن.

الحكومة بدورها حاولت إظهار اهتمامها بالسكان عبر توفير السلع والخدمات الأساسية، إضافة إلى الإعلان في أيار الماضي عن تأسيس جامعة حماه وهي جامعة جديدة تابعة للقطاع العام لتكون الجامعة الخامسة في سوريا.

لكن على الرغم من حالة الهدوء السائدة في المدينة، إلا أن المستثمرين لم يسارعوا لإستثمار أموالهم في حماه. وواقع الأمر أن ثمة عاملين اثنين لا يبشران بالخير في ما يتعلق بدوام حال الاستقرار في المحافظة. الأول أن المناطق المحيطة بها تشهد تزايداً في أنشطة الجيش السوري الحر، الأمر الذي يعقد العلاقات الاقتصادية والتجارية داخل المحافظة ويشكل عامل تخوف بالنسبة للمستثمرين المحتملين. ومن جهة أخرى فالمدينة لا تزال رهينة تاريخها وجغرافيتها، فالقضايا الكامنة خلف الانقسام بين المدينة وريفها لم تُحل بعد، في حين لم يتم محو ذاكرة سكان المدينة.

وبعبارة واحدة يمكن القول بأن من المحتمل أن حماه تذهب نحو الانفجار ثانية.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s