حمص… نسيج اجتماعي محطم

محافظة حمص كانت بين المناطق الأكثر تأثراً بحكم البعث الذي استمر خمسين عاما، وبالسنوات الثلاث من الثورة السورية.

بسبب موقعها في وسط البلاد تقريباً، في منتصف الطريق بين دمشق وحلب، فكر الفرنسيون في جعلها عاصمة للدولة السورية الناشئة. من الواضح أن الفرنسيين أخذوا هذا الخيار كوسيلةٍ لتحقيق التوازن بين المدينتين الأكثر قوة والأكثر غنىً بين المدن السورية.

حين وصل حزب البعث إلى السلطة. واجهت البلاد تغيراتٍ عديدة، واستفادت المدينة بشكل خاص من استثمار حكومي مميز. فقد أُسست مصفاة نفط كبرى، أنشئت جامعة سميت باسم حزب البعث، بالإضافة إلى العديد من المنشآت الصناعية الكبيرة، كمعمل الأسمدة ومعمل الفوسفات.

كان لهذه التغيرات تأثيرٌ سلبي بالتأكيد وقد خلقت فئة خاسرة، خاصة ملّاك الأراضي وبرجوازيو المدينة الذين شهدوا هذه التغيرات الجذرية في مدينتهم. فضلاً عن تغير ديمغرافي هام أيضاً، إذ أن سكان الأرياف المجاورة للمدينة هاجروا إليها.

حين تسلم بشار الأسد السلطة وبدأ بتحرير الاقتصاد، عُيّن إياد غزال، الرجل الطموح الذي كان مقرباً من الرئيس السوري، محافظاً لحمص. جلب إياد غزال معه أفكارَ الجيل الجديد من الحكام السوريين، أي المزيد من الاستثمارات في قطاع العقارات وفي السياحة، والمزيد من السلطة والتأثير على نخبة رجال الأعمال الجديدة المرتبطة ببشار الأسد. كانت سلطة وتأثير السيد غزال كبيرة لدرجة أن مجلة “الأعمال العربية” (وهي مجلة تُطبع في الخليج) وضعته على قائمة أقوى مائة شخصية عربية في عام 2010. لكن سياساته كانت مثار جدل لدرجة أنه اثار احتجاجات بين رجال الأعمال في المدينة قبل الثورة السورية، في وقت كانت فيه الاحتجاجات في سورية ضرباً من الخيال.

يعكس التحول العنيف في الثورة بشكل مبكر في المدينة شدةَ التناقضات التي كانت موجودة فيها. ولم يكن غريباً أن يطرد الرئيسُ السوري السيد غزال في بداية شهر نيسان من عام 2011، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على بداية الانتفاضة.

حمص هي واحدة من المدن السورية التي شهدت أكبر قدر من الدمار العضوي. لكنها شهدت أيضاً دماراً في نسيجها الاجتماعي وفي شبكتها التجارية والاقتصادية. شهدت المدينة تطوير “صناعة الخطف” بالإضافة إلى النهب، خاصة لمناطق المعارضة، كما تم إنشاء “سوق السنّة” في حمص، حيث تُباع البضائع المسروقة من مناطق المعارضة.

اليوم تواجه حمص مصاعب هائلة لتستعيد عافيتها الاقتصادية، رغم أن أجزاء كبيرة منها لم تعد تشهد المزيد من المعارك. لم تتضرر المصفاة، لكنها تعمل أقل من قدرتها الفعلية بسبب النقص في النفط الخام. تمت صيانة بعض المصانع، لكن معظمها يعمل أقل من طاقته الانتاجية، إما بسبب تضاؤل الطلب أو بسبب الافتقار إلى الأمن، وهي الحالة السائدة في المناطق المحيطة بالمدينة.

أيضاً، أعلنت الحكومة خططاً طموحة لإعادة إعمار المدينة، لكنها لا تملك المال، فعملياً، لا تجري أية عملية جدية لإعادة الإعمار. والعائق الأكبر الآخر أمام إعادة أعمار المدينة هو هجرة رجال الأعمال والطبقة المتوسطة. هؤلاء يحتاجون لأكثر من إنهاء المعارك لكي يفكروا في العودة إلى مدينتهم. سيحتاجون إلى ترميم نسيجها الاجتماعي، ولا يبدو أن هذا سيحدث في القريب العاجل.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s