درعا والسويداء… تناقضات الجارتين

تنقسم منطقة حوران في الجنوب السوري إلى قسمين، سهلٌ يشكل جزءاً رئيسياً من محافظة درعا، وجبلٌ هو جزءٌ من محافظة السويداء. وبالرغم من قربهما، ثمة اختلافات بين هاتين المحافظتين تماثل تشابههما.
درعا منطقة زراعية يزرع فيها القمح كمحصولٍ رئيسي. وقد شكلت الزراعة، في المحافظة، أحد أهم العوامل لانضمام الكثير من أبنائها إلى “حزب البعث العربي الاشتراكي”، الذي ساعد كثيرين منهم في الحصول على وظائف في الدولة، وقد تسلم بعضهم مناصب هامة. ففاروق الشرع وفيصل المقداد، مثلاً، من أبناء محافظة درعا. وبسبب “العلاقة القوية” بين درعا والبعث، أيدت غالبية المحافظة النظام، عندما حارب “جماعة الإخوان المسلمين” مطلع الثمانينيات.
بعد استلام بشار الأسد للسلطة، عانت محافظة درعا كثيراً من تقلص دعم القطاع الزراعي ومن انخفاض فرص العمل في القطاع العام، ما أدى إلى هجرة الكثير من أبناء المحافظة للعمل بأجر زهيد في لبنان وبعض دول الخليج العربي. وقد أضافَ انسحابُ الجيش السوري من لبنان العام 2005 وما تلاه من مغادرةِ لأعداد كبيرة من العمال السوريين، مصاعبَ اقتصادية جديدة في المحافظة. لذلك يمكن تفسير، بمعنى من المعاني، إنطلاق الثورة السورية من درعا، كون المحافظة عانت من الدور المتضائل للبعث فيها، إقتصادياً، و كسلَّمٍ لـ”الارتقاء الاجتماعي”. علماً أن إحصاءات وزارة الاقتصاد السورية، تشير إلى أن عدد الشركات المسجلة في محافظة درعا هو 13000 شركة، وهو أدنى رقم بين المحافظات السورية، بعد القنيطرة والرقة.
أما محافظة السويداء، حيث ظهرت احتجاجات محدودة، فهي محافظة أصغر من محافظة درعا من حيث التعداد السكاني و”الحجم الاقتصادي”.
وثمة قطاع زراعي هامٌ في السويداء أيضاً، وهو يعتمد بشكل رئيسي على محصولي التفاح والعنب، لكن المورد الأساسي لسكان المحافظة هو الحوالات المالية من أبنائها المهاجرين الذين غادروها قبل عقود، ولاسيما إلى أميركا الجنوبية. وللمحافظة أيضاً علاقات اقتصادية هامة مع لبنان عبر العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين أبناء الطائفة الدرزية في كل منهما.
وقد كان لقَمع النظام السوري لدرعا وللمعاركُ المستمرة فيها تأثيرٌ مدمرٌ على المحافظة، إذ أدت المعارك إلى دمار معظم النشاط الاقتصادي فيها، وإلى هجرة العديد من أبنائها باتجاه السويداء، وهي من المناطق القليلة التي بقيت آمنةً في سوريا.
وبالرغم من أن السويداء عانت أيضاً من التدهور العام في النشاط الاقتصادي السوري، إلا أن تدفقَ النازحين إليها ساعدها على الإفادة من الطلب على السلع والخدمات. يضاف إلى ذلك أن بعض المستثمرين في القطاع الصناعي يتوجهون إلى السويداء لتجنب الفوضى التي تعم أجزاءً أخرى من البلاد.
وفي الخلاصة، تَعكس الآثار المختلفة للحرب السورية على المحافظتين الجارتين بعضاً من تناقضات المجتمع السوري التي ظهرت مع الحرب تلك. فبينما يتشارك السوريون العديدَ من الطموحات والتطلعات، أظهرت الحرب اختلافاتهم من حيث علاقتهم بالدولة، أو مثلاً من حيث تأثير التغييرات الاقتصادية والسياسية عليهم طوال العقد الماضي.
والأخذ في الاعتبار هذه التناقضات سيكون شرطا أساسياً لإعادة بناء سوريا، اجتماعياً وإقتصادياً.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s