تغيّرات الخارطة الاستثمارية في سورية

349

أكد التقرير الأخير الصادر عن هيئة الاستثمار السورية استمرار تراجع الاستثمار الخاص في البلاد، كما أكد انتقال هذه الاستثمارات إلى مناطق البلاد التي كانت، منذ ما قبل انطلاق الثورة، تجذب الاستثمارات الصغيرة فقط.

وتشير المعلومات المستقاة من تقرير الهيئة عن النصف الأول من عام 2015 أنه قد تم الترخيص لـ 33 مشروعاً بقيمة 7.4مليارات ليرة سورية. ومن منظور القيمة الرأسمالية كان التراجع في الاستثمارات بنسبة 80% مقارنة مع نفس الفترة من عام 2014. أما من حيث القيمة الدولارية للاستثمارات، وهو المؤشر الأكثر واقعية عند القيام بمقارنات كهذه مع أعوام سابقة، فإن الاستثمارات المرخصة عن طريق هيئة الاستثمار السورية انخفضت من 563 مليون دولار، في الأشهر الستة الأولى من عام 2010، وهو العام السابق لقيام الثورة السورية، إلى حوالي 25 مليون دولار في النصف الأول من عام 2015.

وقد اقتصرت الاستثمارات التي رخصتها هيئة الاستثمار السورية على ثلاثة قطاعات، وهي قطاع الصناعات التحويلية، النقل، والزراعة. ولهذا السبب فإن الأرقام لا تعطي فكرة عن الاستثمارات الإجمالية في الاقتصاد ومن ضمنها في قطاعات كالتجارة، السياحة، الطاقة، المال، والعقارات. ومع ذلك فإن أرقام الهيئة توفر، تقليدياً، مؤشراً حول قدرة الاقتصاد السوري في اجتذاب الاستثمارات الضخمة، ومن الواضح أن أرقام النصف الأول من عام 2015 تبدو مقلقة للغاية.

إضافة إلى ذلك، يؤكد التقرير أن إعادة توطين الاستثمارات مستمرة. ومن بين المشاريع الـ 33 المرخصة تلك، فإن 75% اتخذت من محافظتين اثنتين، هما السويداء (16 مشروعاً) وطرطوس (9 مشاريع)، مكاناً لها. ولا يبدو هذا الأمر مفاجئاً إذا أخذنا بالاعتبار أن هاتين المحافظتين من أكثر الأماكن أمناً في سورية.

ومع ذلك، وبالرغم من الأمان النسبي التي تتمتع به هاتان المحافظتان فإنه من المرجح ألا يقلع العديد من هذه المشاريع، وخاصة في السويداء التي تحيط بها منطقتان غير مستقرتين وهما درعا وجنوب دمشق، ومن المرجح أن ينتظر المستثمرون لبعض الوقت ليتبينوا كيف ستسير الأمور قبل قيامهم فعلياً باستثمار أموالهم.

وإذا تعزز، في الأشهر والسنوات المقبلة، توجه انتقال الاستثمارات، فإن ذلك سيكون بمثابة خطوة للابتعاد عن العمود الفقري الاقتصادي التقليدي السوري، الذي يمتد من دمشق إلى حلب عبر حماة وحمص، باتجاه مناطق الأطراف السورية. وبالطبع، فإن محافظتي

السويداء وطرطوس كانتا، قبل الثورة، تجتذبان فقط جزءا صغيرا من رؤوس الأموال. وهكذا فإن سورية، كما كنا نعرفها، تتغير تدريجياً. ويشمل هذا الأمر خارطتها الاستثمارية التقليدية.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

Advertisements

استبدال الليرة السورية بالتركية.. فكرة سيئة!

438

تدفع مجموعات عديدة مرتبطة بالمعارضة السورية باتجاه اعتماد الليرة التركية بدلاً من الليرة السورية كعملة للتداول في المناطق الشمالية الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

تحمل هذه الخطوة هدفاً مزدوجاً معلناً: فمن الناحية السياسية تهدف الى اضعاف النظام لان استبدال العملة السورية “سيخفض قيمتها أكثر وسيؤدي في النهاية الى اسقاط النظام”، كما يشير دعاة هذا المشروع، أما من الناحية الاقتصادية فانها ستؤدي الى خفض تذبذب معدلات التضخم والاسعار الناجم عن تدهور قيمة الليرة السورية.

الى جانب هذه التبريرات، يدعي البعض أنّ التحول الى الليرة التركية سيخفض تكاليف المعاملات التجارية، آخذاً في الاعتبار أنّ الاستيراد من تركيا لن يتضمن في ما بعد التكاليف المرتبطة بصرف العملات، وان للّيرة التركية أجزاءً نقدية صغيرة تفيد في المعاملات اليومية.

وفي واقع الامر، تحول الاقتصاد في المناطق الشمالية الى الدولرة بدرجة كبيرة، الى جانب استخدام الليرة التركية ايضاً. ومع ذلك، ما يريده أنصار هذا المشروع كمرحلة أولى هو التوسع في استخدام العملة التركية، على أن يتم في المرحلة الثانية جعلها العملة الوحيدة المقبولة في التداول. وفي حين يمكن القول إن تطبيق المرحلة الاولى هو امر سهل نسبياً من الناحية التقنية، فان المرحلة الثانية ستكون أكثر تعقيداً لأنها ستحتاج بعضاً من أشكال السلطة المركزية والى امتلاك كميات كبيرة من الليرة التركية تمكِن من سحب الليرة السورية من السوق.

وبغض النظر عن جدواه، يثير المشروع العديد من الهواجس، اذ ان استمرار البعض في صفوف المعارضة في الاعتقاد بأن تدمير الاقتصاد سيساعد في اسقاط النظام يثير الكثير من القلق. فالأمر الوحيد المؤكد هو أنّك عندما تدمِّر اقتصاداً ما، تجعل كل مواطن اكثر فقراً، في حين ليس هناك على الاطلاق اية ضمانات بان النظام سيضعف بشكل كافٍ لإسقاطه.
اما من وجهة نظر اقتصادية، يحتوي المشروع الكثير من الشوائب:

أولاً- سيسبب زيادة في ارتباط الشمال السوري بتركيا على حساب علاقته ببقية المناطق السورية لأنه لن تكون هناك تكاليف على معاملات صرف العملات عند شراء البضائع التركية. وعلى العكس من ذلك، فإن التعاملات التجارية مع بقية المناطق السورية ستتكبد تكاليف بسبب الحاجة الى تبديل العملة اللازمة لإنجازها. على سبيل المثال سيتوجب على المواطن السوري القاطن في مناطق حلب الشرقية والذي يريد بيع منتجاته للمناطق الغربية من حلب ان يقوم بعملية صرف العملة.

ثانياً- بالنسبة للكثيرين الذين ما زالوا يتقاضون اجورهم بالليرة السورية ستقلص هذه الخطوة من قدراتهم الشرائية. وفي حين يكسب موظفو مؤسسات المعارضة أجورهم بالدولار فانهم لن يشعروا بأي اختلاف، أما اؤلئك الذين يتقاضون اجورهم من الحكومة أو الذين يمارسون انشطة اقتصادية ذات علاقة بمناطق خاضعة للنظام فانهم سيعانون من مصاعب أكثر عند شراء المنتجات التي حددت أسعارها بشكل كامل بالعملات الأجنبية.

ثالثاً- العملة التركية نفسها غير مستقرة بدرجة كبيرة، اذ فقدت خلال العام الماضي 22% من قيمتها مقارنة بالدولار و11% منذ بداية عام 2015 فقط.

رابعاً- قد تشجع هذه الخطوة مناطق سورية أخرى على القيام بإجراء مماثل. فعلى سبيل المثال، قد تلجأ المناطق الجنوبية الى استخدام الدينار الأردني مما سيؤدي الى تفتت البلاد بشكل أكبر، وستضعها في وضع تستخدم فيه ثلاثة او اربعة انواع من العملات، اذ سبق لـ”داعش” أن اصدر عملته الخاصة للتداول في المناطق التي يسيطر عليها.
وأخيراً، تعتبر العملة أحد أهم رموز السيادة لأي دولة، والتنازل عنها لصالح عملة دولة أخرى، وهو ما ينظر اليه الكثيرون من السوريين نظرة شك، سيثير بشكل جدي أسئلة إضافية حول شرعية المعارضة.

من الواضح ان استمرار تراجع العملة السورية سيدفع باتجاه اعتماد الاقتصاد السوري للدولار وعملات اجنبية اخرى. والقبول بهذا الامر كنتيجة مفهومة للظروف التي تواجهها البلاد شيء، وتطبيق ذلك رسمياً والالتزام باستخدامه في جزء واحد فقط من البلاد شيء آخر، لديه نتائج سياسية واقتصادية أعمق وأكثر سلبية.

وفي الختام، لا بد من القول ان المعارضة ستبلي حسناً إذا رفضت خطوة كهذه.

نشر المقال في موقع المدن

الخلل السوري المكشوف

350

تظهر البيانات الرسمية أن العجز التجاري في سورية بقي كبيراً خلال النصف الأول من هذا العام، حيث شكلت قيمة الصادرات نسبةً أقل من 7.5% من قيمة الواردات.

وبحسب الجمارك السورية، استوردت سورية خلال النصف الأول من العام الحالي بضائع بقيمة 908.3 مليارات ليرة سورية، في حين لم تتجاوز قيمة الصادرات الـ 67.7 مليار ليرة سورية. ووفقاً لمعدلات الصرف المعتمدة فإن قيمة الواردات تراوح بين 3.5 و4 مليارات دولار بينما كانت قيمة الصادرات بين 257 و333 مليون دولار. وتعود هذه الأرقام إلى الدمار الشامل الذي لحق بالقدرة الإنتاجية والتصديرية السورية، وهي تعود أيضاً لاعتماد سورية الكبير على الاستيراد لتلبية حاجات كل من المستهلكين والمستثمرين.

عانت الصادرات الكثير نتيجة خسارة النظام لكامل مناطق البلاد الشمالية والشرقية، حيث تتركز مصادر الصادرات السورية الرئيسة كالنفط الخام والفوسفات والمنتجات الزراعية. وعامل مهم آخر في انخفاض مستويات التصدير في النصف الأول من 2015 يعزى إلى إغلاق معبر نصيب الحدودي بين الأردن وسورية منذ نهاية شهر مارس/آذار الماضي، وكان هذا المنفذ هو البوابة الوحيدة المتبقية التي تربط سورية بدول الخليج التي تمثل سوقاً هامة بالنسبة للمنتجات الزراعية ولمنتجات الصناعات التحويلية السورية.

إن ارتفاع العجز التجاري الكبير يثير مسألة كيفية تمويل المستوردات. وبكلمات أخرى، مع تلاشي الصادرات وفقدان أكبر مصادر القطع الأجنبي، وفي وقت أصبح فيه الاستيراد بالنسبة لسورية أكثر ضرورة من أي وقت مضى باعتبار أن الاقتصاد المحلي لم يعد ينتج الآن إلا القليل فقط مما يحتاج إليه السكان، كيف ستستمر سورية في تمويل الاستيراد؟

تعقّدت مسألة تمويل الاستيراد مع خسارة مصادر أخرى للعملة الأجنبية، كقطاع السياحة وهو الآن مدمّر بدرجة كبيرة، إضافة إلى توقف عمليات النقل العابر “الترانزيت” بين لبنان ودول الخليج عبر منفذ نصيب الحدودي مع الأردن والتي كانت تدر أيضا عملة أجنبية.

جعلت هذه التحديات الاقتصاد السوري يعتمد على أربعة مصادر رئيسية للحصول على العملات الأجنبية، ليس بين هذه المصادر أي مصدر ناتج من نشاط اقتصادي محلي. والمصادر الأربعة هي:
– القروض التي تحصل عليها الحكومة من الدول الحليفة لها وبخاصة إيران.
– تحويلات المغتربين السوريين.
– المساعدات الإنسانية التي ترسلها المؤسسات الخيرية أو المنظمات الدولية كالأمم المتحدة.
– الأموال التي ترسل إلى المقاتلين من قبل مختلف المنظمات والدول عبر العالم.

تسلط معلومات العجز التجاري الضوء أيضاً على ارتباط صادرات سورية بمناطقها الشرقية والشمالية، ولهذه الحقيقة مضامين سياسية هامة، فبدون هذه المناطق، لا تصدر بقية مناطق سورية والتي يطلق عليها العديدون “سورية المفيدة” الكثير، وبكلمات أخرى فهي ليست مفيدة كثيراً وسيتوجب على أية حكومة مستقبلية في سورية، تريد أن يكون لها مصادرها المستقلة من العملات الأجنبية، إعادة هذه المناطق لتكون تحت سيطرتها.

وفي الوقت نفسه، المناطق الشمالية والشرقية هي أكثر المناطق السورية فقراً وأقلها تطوراً. وبمعنى آخر هي أقل المناطق استفادة من الثروة التي تحتويها أراضيها، ليس هناك شك بأن هذا الأمر هو أحد أسباب قوة معارضة النظام في هذه المناطق.

يوماً بعد يوم، تستمر الثورة السورية بكشف حالة عدم التوازن في بنية سورية الاقتصادية والاجتماعية.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

كتائب المعارضة تفشل في اختبار إدارة ادلب

439

يبدو، وبعد مضي أسابيع على خسارة النظام لمدينة إدلب، أنّ الفصائل المعارضة فشلت من جديد في اختبار قدرتها على إدارة شؤون المواطنين السوريين فيها بكفاءة. ففي الأيام الأخيرة، ازدادت، بحسب نشطاء في المدينة، حالات سرقة ممتلكات مؤسسات الدولة، وكذلك الممتلكات الخاصة، وعادة ما يتم ذلك تحت ذريعة ما يسمى بغنائم الحرب.

وعلى سبيل المثال، وفي مقابلة مع “راديو الكل” وهي محطة اذاعية محلية للمعارضة، قال السيد غزوان قرنفل، رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار، ان عناصر المجموعات المسلحة التي تسيطر على المدينة، والتي غالبا ما تكون ذات ايديولوجية اسلامية أصولية، قد قاموا بسرقة المئات من السيارات التي تعود ملكيتها لأفراد أو مؤسسات حكومية، كما قاموا بنهب منازل تعود لسكان المدينة وخصوصاً الأثرياء منهم.
يقول نشطاء آخرون، مثل محمد خير واحدي، عبر “فايسبوك” ان الممتلكات العامة المسروقة شملت مخازن مديرية الزراعة في المدينة، وكذلك معدات مكتب الزيتون، وهو الهيئة المسؤولة عن الاشراف على قطاع الزيتون في البلاد. اضافة الى تقارير تفيد بسرقة آلات ومعدات من معمل الغزل في ادلب، وهو معمل ضخم كان يعمل فيه آلاف العمال.

وغدت مناطق أخرى من الشمال السوري، والتي سيطرت عليها مجموعات المعارضة في السنوات الثلاث الماضية، ضحية فوضى منتشرة على نطاق واسع، وكذلك ضحية عمليات النهب والسرقة، فعلى سبيل المثال شهدت مدينة حلب عمليات نهب لمئات المعامل.

ومع ذلك أمل الكثيرون ألّا تتعرض ادلب للمصير نفسه، معلقّين آمالهم على التحذيرات التي أطلقتها مجموعات المجتمع المدني، وعلى تصريحات قادة الثوار، بأنّ الأخطاء نفسها لن تتكرر ثانية. ولكن الفوضى التي تجتاح المدينة تطرح مجددا قضية قدرة المعارضة السورية على ادارة المناطق التي تخرج عن سيطرة النظام.

في نهاية شهر آذار الماضي،  وبعد سقوط ادلب، طلب الائتلاف الوطني، وهو المجموعة الرئيسية غير المسلحة في المعارضة، من المجموعات المسلحة تأمين الحماية للممتلكات الخاصة والعامة، والمحافظة على مؤسسات الدولة وضمان استمرار عملها بشكل طبيعي “لنثبت للعالم ان بمقدور السوريين ادارة بلادهم بشكل صحيح”.

علماً أنّ إحدى المشكلات تتلخص في ان تأثير المجموعات المدنية العاملة في المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة، سواء كانت في ادلب أو في مناطق أخرى من سورية، هو تأثير محدود في ما يتعلق بإدارة هذه المناطق. وعلى الارض فان تأثير “الائتلاف الوطني” نفسه هو تأثير محدود جدا. وعندما يكون أداء المعارضة جيداً نسبياً كما كانت الحال في حلب حتى نهاية عام 2013 تقريبا، كان النظام يعمل جاهداً كي لا يسمح لهذه التجربة بالنجاح وذلك بقيامه بقصف المدينة بالبراميل المتفجرة مجبراً مئات الآلاف من المدنيين، والمؤسسات التي اسستها المنظمات المدنية، على الهروب بعيداً من المدينة. وقد قام النظام بالامر نفسه في مدينة ادلب، حيث لجأ الى قصف المؤسسات الحكومية بالبراميل المتفجرة مباشرة بعد سقوط المدينة.

حالياً، يقتصر التعبير ضد النهب والسرقات في ادلب بالاحتجاج عبر وسائل الاعلام. ولم يسمع حتى الآن عن احتجاجات في الشارع على ممارسات المجموعات المسلحة. لكن من المحتمل أن يختلف نمط التعبير، مثلما حدث في الغوطة الشرقية حيث شهدنا احتجاجات ضد تجاوزات “جيش الاسلام”.

وبعد مرور ما يزيد على أربع سنوات على انطلاقة ثورة الشعب السوري تستمر أعمال النظام والمجموعات الاسلامية الاصولية في جعل الحياة مستحيلة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ويستمر بشكل متزايد تراجع حضور القوى التي تمثل فعلياً مصالح الشعب السوري على الأرض.

نشر المقال في موقع المدن

سورية وأحجية النفط الإيراني

351

تشير معلومات  إلى استمرار سورية، وعلى مدى الأشهر الأخيرة، باستيراد النفط الخام من إيران بكميات منتظمة. وبحسب آخر تقاريرها، تقدر الوكالة الدولية للطاقة أن سورية قد استوردت وسطياً 30.000 برميل من النفط الخام يومياً خلال شهر أبريل/نيسان، بينما بلغ متوسط الاستيراد في شهر مايو/أيار 90.000 برميل يومياً، وهذا يعني أن متوسط الاستيراد اليومي كان بمعدل 60,000 برميل.

في عام 2014 بلغ استيراد سورية من النفط الخام 30.000 برميل يومياً. وعلى الرغم من ذلك، فقد ارتفع معدل الاستيراد بشكل واضح منذ شهر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي ليصل إلى 60.000 برميل يومياً، و90.000 برميل يومياً في شهر فبراير/شباط، و125.000 برميل/يوم في شهر مارس/آذار.

ليس من الواضح سبب ارتفاع كمية الواردات النفطية. ويمكن أن يرجع ذلك إلى حلول فصل الشتاء حيث يزداد الطلب على منتجات الطاقة وهو أمر هام بحد ذاته، إلا أن حجم الاستيراد خلال فصل الشتاء السابق كان أقل بكثير. وقد يكون وراء الأمر، وهو انخفاض الكميات التي حصلت عليها الحكومة من حقولها المحلية. وعلى الرغم من فقدان الحكومة لمعظم حقولها النفطية فإن الكثير من التقارير تشير إلى وجود اتفاق بين الحكومة السورية وداعش لتجارة النفط بينهما. كما أن الحكومة تشتري بعض الكميات، ولو بدرجة أقل، من الأكراد الذين يسيطرون على الحقول الرئيسية في الشمال الشرقي من البلاد، وخاصة حقول الرميلان.

يقوم التحالف الدولي، منذ شهر سبتمبر/أيلول، بمهاجمة داعش في العراق، محققاً بعض النجاحات في استهداف البنى التحتية للحقول النفطية وطرق التجارة التي تقع تحت سيطرة التنظيم. وبذلك يبدو أن معظم أنشطة داعش النفطية قد تعرضت للضرر مما خفض كميات النفط التي تحصل عليها الحكومة السورية عن طريق داعش وما أجبرها، كما يبدو، على زيادة كمية استيرادها من إيران.

دفعت الكميات الكبيرة التي تستوردها الحكومة السورية إلى الواجهة بتساؤلات حول كيفية تمويل هذه المستوردات. فعند مستوى استيراد يومي بمعدل 60.000 برميل وبسعر البرميل الواحد 60 دولاراً، فإن هذا يعني بالنسبة للحكومة السورية فاتورة شهرية بحوالى 108 ملايين دولار. وعلى الرغم من أن المرجح أن إيران تحمل على حليفها سعراً أقل من الأسعار العالمية، فإن الفاتورة النفطية التي يتوجب على دمشق دفعها تبقى مرتفعة وخاصة مع عدم تمكّن الحكومة السورية خلال السنوات الثلاث الماضية من إيجاد مصادر جديدة من العملات الأجنبية، مستعملة معظم احتياطاتها.

في عام 2013، قدمت إيران لدمشق تسهيلات ائتمانية بقيمة 3.6 مليارات دولار لتمويل المستوردات النفطية، لكن تشير التقارير إلى أن هذه الأموال قد أنفقت بالكامل، في حين لم يعلن عن أية خطوط اعتماد جديدة. وهنا يتبادر إلى الأذهان، بشكل منطقي، السؤال حول كيفية تسديد سورية قيمة النفط المستورد.

يمكن أن يكون أحد الأجوبة في أنه، على الرغم من التصريحات الرسمية، فإن الخط الائتماني لم يتم إنفاقه بالكامل وأنه ما زالت بعض أمواله متوفرة لدى الحكومة السورية. إن غياب الشفافية لدى الحكومتين حول هذا الأمر يجعل من الصعب الوصول إلى فهم الوضع الحقيقي.

ويمكن أن يكون الاحتمال الثاني في أن الدولتين قد وقعتا اتفاقاً جديداً لم يعلن عنه لتمويل هذه المستوردات.

أما الاحتمال الثالث، فهو أن إيران تقدم النفط الخام للحكومة السورية ليس مقابل أموال، بل مقابل ضمانات من دمشق، على سبيل المثال ضمانات على شكل أصول عقارية أو على شكل امتيازات سياسية خاصة.

وفي حين لا يتوفر لدينا جواب واضح، فإنه من الواضح أن النظام السوري قد أصبح الآن مرتبطاً بشكل واسع بإيران فيما يتعلق بوارداته النفطية، وأنه سيبقى على الأرجح كذلك في المستقبل المنظور. وفي حال قامت إيران بوقف صادراتها فإنه لن يكون لدى الحكومة السورية مورد بديل، وسيكون جيشها والكثير من خدماتها الحكومية عرضة للشلل.

إن ارتباطاً بهذا المستوى ولمنتج بمثل هذه الأهمية سيرتب على الحكومة السورية ثمناً باهظاً سيتم، على الأرجح، اكتشاف أثره مستقبلاً.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد