استبدال الليرة السورية بالتركية.. فكرة سيئة!

438

تدفع مجموعات عديدة مرتبطة بالمعارضة السورية باتجاه اعتماد الليرة التركية بدلاً من الليرة السورية كعملة للتداول في المناطق الشمالية الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

تحمل هذه الخطوة هدفاً مزدوجاً معلناً: فمن الناحية السياسية تهدف الى اضعاف النظام لان استبدال العملة السورية “سيخفض قيمتها أكثر وسيؤدي في النهاية الى اسقاط النظام”، كما يشير دعاة هذا المشروع، أما من الناحية الاقتصادية فانها ستؤدي الى خفض تذبذب معدلات التضخم والاسعار الناجم عن تدهور قيمة الليرة السورية.

الى جانب هذه التبريرات، يدعي البعض أنّ التحول الى الليرة التركية سيخفض تكاليف المعاملات التجارية، آخذاً في الاعتبار أنّ الاستيراد من تركيا لن يتضمن في ما بعد التكاليف المرتبطة بصرف العملات، وان للّيرة التركية أجزاءً نقدية صغيرة تفيد في المعاملات اليومية.

وفي واقع الامر، تحول الاقتصاد في المناطق الشمالية الى الدولرة بدرجة كبيرة، الى جانب استخدام الليرة التركية ايضاً. ومع ذلك، ما يريده أنصار هذا المشروع كمرحلة أولى هو التوسع في استخدام العملة التركية، على أن يتم في المرحلة الثانية جعلها العملة الوحيدة المقبولة في التداول. وفي حين يمكن القول إن تطبيق المرحلة الاولى هو امر سهل نسبياً من الناحية التقنية، فان المرحلة الثانية ستكون أكثر تعقيداً لأنها ستحتاج بعضاً من أشكال السلطة المركزية والى امتلاك كميات كبيرة من الليرة التركية تمكِن من سحب الليرة السورية من السوق.

وبغض النظر عن جدواه، يثير المشروع العديد من الهواجس، اذ ان استمرار البعض في صفوف المعارضة في الاعتقاد بأن تدمير الاقتصاد سيساعد في اسقاط النظام يثير الكثير من القلق. فالأمر الوحيد المؤكد هو أنّك عندما تدمِّر اقتصاداً ما، تجعل كل مواطن اكثر فقراً، في حين ليس هناك على الاطلاق اية ضمانات بان النظام سيضعف بشكل كافٍ لإسقاطه.
اما من وجهة نظر اقتصادية، يحتوي المشروع الكثير من الشوائب:

أولاً- سيسبب زيادة في ارتباط الشمال السوري بتركيا على حساب علاقته ببقية المناطق السورية لأنه لن تكون هناك تكاليف على معاملات صرف العملات عند شراء البضائع التركية. وعلى العكس من ذلك، فإن التعاملات التجارية مع بقية المناطق السورية ستتكبد تكاليف بسبب الحاجة الى تبديل العملة اللازمة لإنجازها. على سبيل المثال سيتوجب على المواطن السوري القاطن في مناطق حلب الشرقية والذي يريد بيع منتجاته للمناطق الغربية من حلب ان يقوم بعملية صرف العملة.

ثانياً- بالنسبة للكثيرين الذين ما زالوا يتقاضون اجورهم بالليرة السورية ستقلص هذه الخطوة من قدراتهم الشرائية. وفي حين يكسب موظفو مؤسسات المعارضة أجورهم بالدولار فانهم لن يشعروا بأي اختلاف، أما اؤلئك الذين يتقاضون اجورهم من الحكومة أو الذين يمارسون انشطة اقتصادية ذات علاقة بمناطق خاضعة للنظام فانهم سيعانون من مصاعب أكثر عند شراء المنتجات التي حددت أسعارها بشكل كامل بالعملات الأجنبية.

ثالثاً- العملة التركية نفسها غير مستقرة بدرجة كبيرة، اذ فقدت خلال العام الماضي 22% من قيمتها مقارنة بالدولار و11% منذ بداية عام 2015 فقط.

رابعاً- قد تشجع هذه الخطوة مناطق سورية أخرى على القيام بإجراء مماثل. فعلى سبيل المثال، قد تلجأ المناطق الجنوبية الى استخدام الدينار الأردني مما سيؤدي الى تفتت البلاد بشكل أكبر، وستضعها في وضع تستخدم فيه ثلاثة او اربعة انواع من العملات، اذ سبق لـ”داعش” أن اصدر عملته الخاصة للتداول في المناطق التي يسيطر عليها.
وأخيراً، تعتبر العملة أحد أهم رموز السيادة لأي دولة، والتنازل عنها لصالح عملة دولة أخرى، وهو ما ينظر اليه الكثيرون من السوريين نظرة شك، سيثير بشكل جدي أسئلة إضافية حول شرعية المعارضة.

من الواضح ان استمرار تراجع العملة السورية سيدفع باتجاه اعتماد الاقتصاد السوري للدولار وعملات اجنبية اخرى. والقبول بهذا الامر كنتيجة مفهومة للظروف التي تواجهها البلاد شيء، وتطبيق ذلك رسمياً والالتزام باستخدامه في جزء واحد فقط من البلاد شيء آخر، لديه نتائج سياسية واقتصادية أعمق وأكثر سلبية.

وفي الختام، لا بد من القول ان المعارضة ستبلي حسناً إذا رفضت خطوة كهذه.

نشر المقال في موقع المدن

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s