النضال في ملكية الأرض السورية

349-4

في بداية هذا الشهر، أصدرت سلطات نظام بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 11/2016 الذي يوقف عمليات تسجيل الحقوق العينية العقارية في جميع الدوائر العقارية التي أغلقت بسبب الأوضاع الأمنية.

عملياً، سيتم إلغاء المعاملات العقارية مثل البيع أو الميراث التي تجري في مناطق خارج سيطرة النظام ودون وجود ممثلين عن الدولة، والقرار بأثر رجعي. وسيتم تحديد قائمة الدوائر المغلقة وتاريخ الإغلاق في كل من هذه الدوائر في وقت لاحق من قبل وزارة الإدارة المحلية من خلال التعليمات التنفيذية.

في حين أن النتائج المترتبة على هذا القرار ليست واضحة تماماً حتى الآن، من اللافت اهتمام السلطات السورية في تنظيم القطاع العقاري.

في الأشهر الستة الماضية، تم إصدار ستة قوانين ومراسيم مختلفة على الأقل، لها تأثير مباشر على ملكية وإدارة الأراضي والعقارات: قانون التخطيط العمراني، قانون الإيجارات، قانون إعفاء مالكي العقارات المتضرر من رسوم رخص البناء، مرسوم تشريعي يعطي صفة قانونية للنسخة الرقمية لسندات الملكية العقارية، قانون التشاركية بين القطاعين العام والخاص، والمرسوم التشريعي رقم 11.

هذا الاهتمام من قبل النظام يسلط الضوء على أهمية قضية ملكية الأراضي في الصراع السوري. عندما أرسل النظام السوري في آذار/مارس 2011 وفداً لإجراء محادثات مع ممثلين عن أهل درعا بعد أيام قليلة من اندلاع الثورة السورية، شملت قائمة المطالب التي طرحها ممثلو أهل درعا ثلاثة مطالب ذات صلة بالقرارات التي تؤثر على حركة بيع ونقل الأراضي والأملاك العقارية من أصل 20 مطلباً.

وعندما أصدرت مجموعة من الخبراء من المعارضة السورية كتاباً في عام 2012 حول سورية المستقبل (خطة التحول الديمقراطي في سورية)، كانت واحدة من أولى التوصيات في المجال الاقتصادي، إعادة الأراضي والأملاك الأخرى التي صودرت عندما وصل حزب البعث إلى السلطة في عام 1963، قبل أكثر من خمسين عاماً. أما بالنسبة لمنطقة الجزيرة، فهي مليئة بحالات النزاعات على ملكية الأراضي. فقد لعبت الأراضي دوراً هاماً كمخزن للقيمة في سورية بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي العام والنوبات المنتظمة من التضخم.

في السنوات التي سبقت الثورة، تدفقت الرساميل من الخليج لإنشاء مشاريع عقارية ضخمة زادت القيمة النسبية للأراضي والعقارات، الآن بعد تدمير سورية إلى حد كبير، اكتسبت الأراضي أهمية إضافية، في حين أن لأعوان النظام الذين يواجهون صعوبات لإخفاء أموالهم، الاستثمار في الأراضي والعقارات هو حل عملي وسهل.

المعركة على ملكية الأراضي في سورية لم تنته بعد!

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

استهداف “داعش” لا يستثني الاقتصاد

349-2

قال دانييل غلاسر، المسؤول في مكتب الإرهاب والاستخبارات المالية لدى وزارة الخزانة الأميركية، إن عائد الدولة الإسلامية من بيع النفط والغاز قد انخفض إلى النصف، من 500 مليون دولار سنوياً إلى 250 مليون دولار حالياً.

ويعود الانخفاض إلى أربعة عوامل رئيسية، بحسب غلاسر: الهجمات الجوية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، انخفاض أسعار النفط عالمياً، جهود مكافحة التهريب التي تقوم بها تركيا وصعوبات النقل عبر جبهات القتال.

وفي حين رحب غلاسر، في تصريح نقلته وكالة “رويترز”، بهذا التراجع، الذي سيضعف من القدرات القتالية للمنظمة التكفيرية، في الواقع سيكون للضربات التي تستهدف الإيرادات النفطية لداعش انعكاسات في المدى القصير على السكان الموجودين في مناطق سيطرة التنظيم وعلى الاقتصاد السوري الأوسع، في حال لم يتم تحرير السكان من عوائد الدورة الاقتصادية التي أصبحت مرتبطة بشكل لصيق بداعش. وما يجب أن يؤخذ بالاعتبار:

-انخفاض كتلة النقد الأجنبي المتداولة في الاقتصاد السوري. على الرغم من غياب البيانات الواضحة حول حجم التعاملات التجارية والمالية القائمة بين مناطق سيطرة التنظيم وباقي مناطق سورية، فإنه من الواضح وجود علاقات اقتصادية قائمة لا بأس بها. وبالنتيجة، فإن جزءاً هاماً من أرباح العملة الأجنبية التي يولدها داعش تجد طريقها إلى الاقتصاد السوري الأوسع. وأي انخفاض في عوائد النفط ستكون له، عواقب هامة نسبياً، من ضمنها مثلاً تعرض الليرة السورية لضغوط أكبر.

-انخفاض عائدات داعش يعني، أيضاً، إنفاقاً أقل في مناطق سيطرته. فداعش، يسعى لإظهار نفسه كدولة، تقدم خدمات اجتماعية للسكان الواقعين تحت نفوذها. والآن من المرجح أن هذه الخدمات ستقلص، فإن ذلك سيؤدي إلى تفاقم معاناة السكان الذين يعانون أصلاً من ضغوطات هائلة.

-يمكن أن يؤدي انخفاض عائدات النفط، أيضاً، لدفع داعش لزيادة الضرائب على السكان. وفي الوقت الراهن، تقدر قيمة الضرائب التي يحصلها داعش من السكان، في مناطق سيطرته، بـ 360 مليون دولار، بحسب غلاسر. ومع انخفاض عائداته من النفط، فعلى الأرجح سيقوم داعش بفرض المزيد من الضرائب على الأسر وعلى قطاع الأعمال، مما سيؤدي إلى تراجع قدرة المواطنين الشرائية، المتدنية بالأساس.

ومن غير المرجح في المدى القريب أن الضربات الجوية ضد داعش ستتوقف، فإنه من المهم أن نتذكر أن أي أعمال سياسية أو عسكرية أو عقوبات تستهدف عائدات تنظيم أو دولة بالطريقة القائمة حالياً، ستكون لها تأثيرات سلبية على السكان الواقعين تحت سيطرة هذا التنظيم أو الدولة.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

“خان طومان” والليرة السورية

349-1

أدت عوامل عديدة إلى الانخفاض السريع لليرة السورية في الأيام العشرة الماضية. ففي حين توجد أسباب بنيوية لانهيار العملة مقابل الدولار من 47 ليرة في عام 2011 إلى 640 ليرة اليوم، مثل الخراب الاقتصادي الذي سببته الحرب، ونقص الإيرادات في العملات الصعبة، وتلاعب تجار العملة، فإن هناك عوامل خاصة تقف وراء التراجع الأخير.

أحد هذه الأسباب هو التراجع النسبي للنظام على المستويين العسكري والسياسي، بما في ذلك خسارة النظام لبلدة “خان طومان” جنوب حلب، مقتل وأسر جنود من الحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى خسارة حقول غاز هامة قرب تدمر، والفشل في إغلاق طريق “الكوستيلو” الذي كان يمكن أن يطوق مدينة حلب.

وبشكل خاص، فقد كان للفشل الأخير مغزى هام لأنه يبدو وكأنه نتيجة لرفض الروس تأمين الغطاء الجوي لقوات النظام، الأمر الذي يعطي إشارة إلى أنَّ هناك توتراً سياسيّاً بين دمشق وموسكو. وأضاف التصريح الأخير لسيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، الذي قال فيه: “إن سورية ليست حليفة لروسيا بقدر ما تكون تركيا حليفة للولايات المتحدة”، إحساساً بالتوترات بين الحليفين.

أما السبب الآخر، فيرجع إلى التقرير الأخير للبنك الدولي، الذي ذكر فيه أن احتياطي العملة الأجنبية لدى مصرف سورية المركزي قد تراجع إلى 700 مليون دولار، الأمر الذي كان له تأثير نفسي بالغ. وفي حين أنه ليس من الواضح كيف وصل البنك الدولي إلى هذا الاستنتاج، فإنه يبقى من الصعب الاعتقاد أن مؤسسة كهذه لا تملك الأدلة لدعم ادعاءاتها.

إضافة لهذه العوامل، فإن عدم ضخ أية كميات هامة من الدولارات من قبل المصرف المركزي، ولمدة أسابيع في السوق للحد من الضغوط على الليرة، أثار مخاوف تجار العملة وأقنعهم بـأن المصرف يعاني، بالفعل، نقصاً في العملة الأجنبية.

أما العامل الأخير، فقد تمثل في ضعف سياسات الحكومة الاقتصادية والتجارية، وبالأخص رفع الدعم عن عدد كبير من البضائع والخدمات الذي أدى إلى ارتفاع نسبة التضخم، وبالتالي تراجعت القدرة الشرائية والقيمة النسبية لليرة السورية مقابل بقية العملات.

في العاشر من أيار/ مايو، أعلن المصرف المركزي عن عدد من الإجراءات لدعم الليرة. وكان من هذه الإجراءات بيع ملايين من الدولارات. إلا أنه يبدو أن هذا الإجراء كان ضئيلاً ومتأخراً للغاية. كما أصبح من الواضح، أنه إذا ما لم يقع أي حادث دراماتيكي، فإنه من الصعب، في المستقبل المنظور، تصور الكيفية التي تستطيع فيها الليرة استعادة أي من قيمتها.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

انفصام سورية بين التجارة والسياسة

349

في شهر آذار/ مارس، فرض مجلس الأمن لائحة من العقوبات على عدد من المسؤولين الكوريين الشماليين المقيمين في سورية. وبحسب القرار رقم 2270، وضع على اللائحة أربعة مسؤولين من كوريا الشمالية، من ضمنهم ممثلان لمصرف تان تشون التجاري لدى سورية وممثلان للشركة التجارية لتطوير الثروة المعدنية.

تسلّط هذه المعلومات الضوء على العلاقات السياسية والعسكرية القوية التي تربط البلدين منذ عقود، إذ إن العلاقات قوية لدرجة أن سورية هي واحدة من أربع دول في العالم فقط لم تُقِم حتى اليوم علاقات دبلوماسية مع كوريا الجنوبية، خصم كوريا الشمالية العتيد. والدول الثلاث الأخرى هي كوريا الشمالية، كوبا، ومقدونيا. رغم ذلك، بقيت العلاقات الاقتصادية بين البلدين محدودة للغاية. ففي عام 2010، لم تتعد قيمة التبادل التجاري بين البلدين مبلغ 5.8 ملايين دولار.

وبالمقابل، تتمتع سورية بعلاقات اقتصادية قوية مع كوريا الجنوبية. في عام 2009، قامت وكالة ترويج الاستثمار التجاري الكورية، والتي تتخذ من سيؤول مقراً لها، بافتتاح مكتب لها في دمشق رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية بين البلدين، ولم يشارك أي وزير سوري في مراسم الافتتاح، في وقت بلغت قيمة التبادل التجاري بينهما 754 مليون دولار. وتستورد سورية من كوريا الجنوبية كل أنواع البضائع، بما فيها المنتجات الإلكترونية، والسيارات التي تستحوذ على حصة كبيرة من السوق السورية.

قبل الثورة، لم يكن الانفصال بين العلاقات الاقتصادية والسياسية السورية مقتصراً على الحالة الكورية فقط. فالأمر نفسه ينطبق على إيران مثلاً. فلإيران علاقات استراتيجية مع دمشق، إلا أن الاستثمارات والعلاقات التجارية بينهما كانت محدودة. وعلى النقيض من ذلك، فبالرغم من العقوبات المفروضة على الاقتصاد السوري من قبل واشنطن، كانت العلاقات التجارية بين سورية والولايات المتحدة الأميركية أعلى ممّا هي مع إيران.

تعزى أسباب هذا الانفصال إلى عوامل عدة، ومن ضمنها الفرص التجارية. فالمنتجات والخدمات التي تقدمها الاقتصادات الكورية الشمالية والإيرانية غير منافسة في السوق السورية، والعكس صحيح. كما يبدو أيضاً أنه في حين كانت الاستثمارات القادمة من دول أخرى، كدول الخليج وتركيا، في حال صعود، واستطاعت منتجاتها الاستحواذ على حصة أكبر من السوق السورية، فإن المصالح الاقتصادية لم تكن قوية كفاية لتؤثر على عملية صنع القرار السياسي.

عندما سيأتي وقت إعادة الإعمار، فإن علاقات سورية التجارية الخارجية ستُبنى معتمدة على المصالح الاقتصادية وليس فقط على المصالح السياسية.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

من يقف وراء حرق سوق العصرونية؟

349-2

أثار الحريق الذي التهم عشرات المحال التجارية في مدينة دمشق القديمة في 23 نيسان/ أبريل الحالي، موجة واسعة من الإشاعات حول تورط النظام وإيران. بدأ الحريق في محل في سوق العصرونية، ما لبث أن انتشر بسرعة، مدمراً كلياً أو جزئياً عشرات المحال التجارية. وقد قدرت خسائر الحريق بمليارات الليرات السورية.

اندلع الحريق، وفقاً للرواية الرسمية نتيجة خلل كهربائي. إلا أنه في غضون ساعات بعد اندلاع الحريق، سارع الكثيرون من سكان دمشق ليدَعوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن الحادث يمكن أن يكون من فعل النظام السوري، في حين اتَهم آخرون إيران وراء ما حصل.

فهل الشعب السوري مصاب بجنون الشك؟ أم أن مخاوفهم مشروعة؟ في حين، قد يكون الحريق مجرد حادث عرضي، فإنه لا يمكن استبعاد الفعل الجنائي على يد أشخاص تابعين للنظام أو إيران.

من المحتمل، أن الحريق سيدفع الكثير من أصحاب المحالِ الذين يواجهون انخفاضاً حاداً في نشاطهم التجاري ولم يعد لديهم أمل بالمستقبل القريب، لبيع محالِهم بأسعار بخسة بدلاً من الإنفاق لإصلاحها. ومن المرجح أيضاً أن يكون المشترون من المقربين للنظام، فبعد 5 سنوات على اندلاع الثورة، مازالوا يملكون رؤوس الأموال والنفوذ.

تعتبر هذه الشكوك مشروعة، خاصة أن الكثير من القوانين التي أصدرها النظام، خلال السنوات الأخيرة، ومن ضمنها قانون التخطيط العمراني وقانون التشاركية والمرسوم رقم 66/ 2012 تضمن مصادرة أملاك سكان البساتين خلف مستشفى الرازي في دمشق. قد فسرت هذه القوانين على أنها محاولة من النظام للاستيلاء على الأرض والمساكن من أصحابها الشرعيين. بصورة مماثلة، هناك الكثير من التقارير التي تشير إلى أن مسؤولين في النظام، قاموا بشراء الأراضي والعقارات، وبأسعار رخيصة في مناطق مختلفة من ضواحي دمشق، كالمليحة على سبيل المثال.

ومن ناحية أخرى، تعود المخاوف المتعلقة بالشكوك نحو إيران إلى تقارير عدة تفيد بقيام مواطنين إيرانيين أو شخصيات يعتقد أنها على صلة وثيقة بمسؤولين إيرانيين بشراء أملاك عقارية في دمشق القديمة. ويضاف إلى هذه المخاوف، حقيقة أن المناطق المحيطة بسوق الحميدية وبالجامع الأموي، تحتوي على اثنين من المراقد الشيعية الدينية المتمثلة بالسيدة زينب وبالإمام الحسين. وقد ركزت المليشيات الشيعية الموجودة في دمشق والمرتبطة بإيران على حماية مراقد شخصيات دينية شيعية، من ضمنها السيدة زينب، خارج العاصمة.

ومهما كانت الأسباب الحقيقية للحريق، فإن مخاوف سكان دمشق تظهر مدى علمهم بما يمكن للنظام القيام به للاستيلاء على ممتلكات عامة وخاصة، كتلك التي التهمتها النيران في سوق العصرونية.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد