قانون “قيصر” وجدوى العقوبات على سورية

349-6

يدور نقاشٌ واسع حول إصدار قانون جديد تفرض الولايات المتحدة الأميركية بموجبه عقوبات إضافية على النظام السوري وحلفائه، ويسعى إلى البدء بإجراء تحقيقات ورفع دعاوى قضائية حول جرائم الحرب المرتكبة في سورية.

مشروع قانون “قيصر لحماية المدنيين السوريين” يحمل اسم المواطن السوري المنشق عن الجيش السوري، والذي لقب بالشاهد قيصر، والذي سبق وأحضر معه 55 ألف صورة تشهد على وحشية النظام. إضافة للعقوبات والتحقيقات القضائية، يشجع القانون أيضاً على إجراء مباحثات سياسية لوضع نهاية للحرب. كما يطالب القانون، الرئيس الأميركي بتقديم تقرير حول الجدوى من إقامة منطقة حظر للطيران.

يلقى نص مشروع القانون دعماً من أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتم اعتماده بإجماع كافة أعضاء لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب. ومن الناحية العملية، يطلب النص من الرئيس الأميركي فرض عقوبات جديدة على كل من: يمارس أنشطة مع الحكومة السورية، بما في ذلك أجهزة الاستخبارات السورية، أو يقدم للحكومة دعماً مالياً، ومن ضمنها مصرف سورية المركزي. يقدم طائرات أو قطع غيار للخطوط الجوية السورية (ويتضمن ذلك التمويل).

يمارس عملاً مع قطاعي النقل والاتصالات التابعين للحكومة السورية، يدعم قطاع الطاقة السوري.

وبمعنى آخر، فإن أي دولة أو كيان سيتعامل بشكل أو آخر مع أيٍ من القطاعات (الطاقة، الاتصالات، النقل، والتمويل)، بما في ذلك تقديم المساعدة المالية، سيعرض نفسه لهذه العقوبات. ومن الواضح أن مؤسسات إيرانية وروسية ستكون واقعة تحت مشروع القانون، بما في ذلك، على سبيل المثال، الحكومة الإيرانية التي تقدم تمويلاً منتظماً للنظام السوري.

يتميز مشروع القانون بكونه ليس مجرد رد على ممارسات النظام، كالقصف العشوائي على سبيل المثال، وإنما يدفع باتجاه حزمة من الإجراءات السياسية والعسكرية ومن ضمنها تشجيع المفاوضات، جمع أدلة تمكّن من البدء بتحقيقات ورفع دعاوى بشأن جرائم الحرب، القيام بمراقبة وتقييم الدعم الذي تحصل عليه مناطق المعارضة عبر الحدود، وتقديم تقييم لإمكانية إنشاء منطقة حظر طيران جزئية أو كلية فوق سورية.

من المتوقع أن يثير مشروع القانون جدلاً جديداً حول تأثير العقوبات على سلوك النظام وعلى المواطنين. يرجح ألا يؤثر على تمويل إيران للنظام، لكن سيؤثر على قطاعات الأعمال الذي يستهدفها المشروع. ليس من الواضح بعد متى سيطرح المشروع للنقاش، ومتى سيصوت الكونغرس عليه. وعلى الأرجح سيلقى مشروع القانون معارضة من إدارة أوباما التي تحاول استرضاء النظام السوري أكثر من الضغط عليه بشكل جاد.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

Advertisements

ستة مؤشرات اقتصادية تؤكد الكارثة السورية

349-5

يسلط التقرير الأخير، الذي أصدره صندوق النقد الدولي، الضوء على حالة الاقتصاد السوري بعد خمس سنوات من الثورة. وحين الإطلاع على بيانات الدراسات الدولية الأخرى، يمكن التعرف على تفاصيل الكارثة السورية، عبر ست مؤشرات:

1* تراجع الناتج المحلي الإجمالي في سورية عام 2015 بنسبة 15% وتوقف عند حدود 14 مليار دولار. وتبدو التقديرات الواردة في التقرير، حول نسبة التراجع وحجم الناتج المحلي، أكثر تشاؤماً من التقديرات التي تضمنتها تقارير من مؤسسات ومنظمات أخرى.

2* توقفت الاستثمارات الحكومية عند مستوى 98 مليون دولار، وهو رقم متواضع للغاية، ويعني من الناحية العملية أن الاستثمارات الحكومية قد توقفت بشكل شبه كامل بعدما وصلت عام 2010 إلى 5 مليارات دولار.

3* بلغت كمية النفط المستوردة حوالى 160 ألف برميل يومياً. وإذا أخذنا بالاعتبار، وبحسب وكالة الطاقة الدولية، أن الكميات المستوردة من إيران كانت بحدود 60 ألف برميل في اليوم، فهذا يعني أن هناك كمية 100 ألف برميل من النفط الخام حصلت عليها سورية من مصادر أخرى غير معروفة.

4* يؤكد صندوق النقد على المستوى المتدني للغاية لاحتياطات مصرف سورية المركزي، وتقدر بحوالى مليار دولار، مما يجعلها تقترب من التقديرات الأخيرة الصادرة عن البنك الدولي (حوالى 700 مليون دولار).

5* هناك جانب إيجابي يتمثل بالتحويلات التي يرسلها السوريون من الخارج، حيث تقدر العام الماضي وحده بحوالى 1.2 مليار دولار، وهو رقم ظل ثابتاً طيلة السنوات الخمس الماضية، في حين بلغت التحويلات الرسمية، التي أرسلتها منظمات تابعة للأمم المتحدة، بغرض تمويل المساعدات الإنسانية 945 مليون دولار.

6* بحسب صندوق النقد، صدرت سورية العام الماضي بضائع بقيمة 4.4 مليارات واستوردت بما قيمته 7.9 مليارات دولار (باستثناء النفط). وهذه التقديرات هي أعلى حتى من تقديرات الحكومة وتبدو بعيدة قليلاً عن الواقع. فالحكومة، على سبيل المثال، تقدر قيمة صادراتها بـ 1.45 مليار دولار وقيمة وارداتها بـ 4.5 مليارات دولار. وفي كل الأحوال، يؤكد تفاوت التقديرات صعوبة جمع المعلومات في وضع سورية الراهن.

ما الذي يمكن أن نستنتجه من هذا التقرير؟
أولاً، أن مستوى الكارثة الاقتصادية التي حلت بالاقتصاد السوري يزيد ترسخاً. ثانياً، على الرغم من كل تصريحات الحكومة السورية عن تحسن الاقتصاد فإن كل شيء يدل أن الأمور تسير إلى الأسوأ. ثالثاً، ما زال هناك الكثير من المعلومات التي لا نعرفها، مما يجعل من الصعوبة أن نفهم فعلياً كيف يستمر هذا الاقتصاد.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

بالدلائل… الحكومة السورية تنسحب من الزراعة

349-4

انخفضت مشتريات الحكومة السورية، هذا العام، من القمح الذي ينتجه المزارعون السوريون عن الكميات التي اشترتها في موسم العام الماضي، والتي كانت بدورها في أدنى مستوياتها، مما قد يرسل إشارة إضافية إلى انسحاب الحكومة التدريجي من القطاع الزراعي.

في بداية شهر تموز/يوليو، اشترت مؤسسة حبوب (وهو اسم المؤسسة الحكومية التي تتولى عمليات شراء الحبوب من المزارعين) قرابة 325 ألف طن من القمح، وعلى الرغم من أن موسم التسوق لم ينته بعد، فإنه لا يتوقع أن تتسوق هذه المؤسسة كميات إضافية هامة. وقد اشترت مؤسسة حبوب، في العام الماضي، كمية 400 ألف طن فقط، وهي الكمية الأقل خلال عقود. فعلى سبيل المثال، اعتادت مؤسسة حبوب أن تشتري كميات من الحبوب كانت تصل، في منتصف السنوات العشر من العقد السابق، إلى 4 ملايين طن سنوياً.

يعود أحد أسباب تدني مستويات مشتريات الدولة من القمح إلى التكاليف الباهظة لنقله من مناطق الإنتاج المتركزة في الشمال الشرقي السوري، إلى المناطق الغربية من البلاد، حيث تسكن غالبية السكان. ولأن نقل الحبوب سيمر، حتماً، بمناطق تقع تحت سيطرة مجموعات غير حكومية، ومن ضمنها داعش، فهذا يلزم الحكومة دفع رسوم وإتاوات إضافية. نتيجه لهذه السياسة، أصبحت الحكومة تعتمد بشكل كبير على المساعدات الإنسانية وعلى الاستيراد المموَل من إيران وروسيا.

قبل عام 2011 كانت تكاليف إنتاج الحبوب محلياً أعلى من تكاليف استيراده بسبب سياسات الحكومة الهادفة إلى تحقيق الاكتفاء الغذائي عبر تشجيع الفلاحين زراعة القمح. لكن الآن، أهملت الحكومة هذا الهدف في سعيها للتوفير في نفقاتها قدر المستطاع.

القمح ليس المحصول الوحيد الذي تأثر. فمؤسسة حبوب اشترت بالكاد 5 في المائة من إنتاج الشعير المقدر بـ 700 ألف طن بعد أن طلب المصرف التعاوني الزراعي الحكومي أن يقوم المزارعون بتسديد قروضهم المستحقة عليهم قبل أن يحصلوا على قيمة محصولهم. ونتيجة لذلك، فإن كثيراً من الفلاحين يفضل أن يبيع إنتاجه للتجار بدلاً من تسليمه لمؤسسة الحبوب الحكومية.

سواء أكانت الأسباب متعلقة بسياسات المصرف الزراعي أو بامتناع الحكومة عن شراء الحبوب من الفلاحين أو توقفها عن تقديم الدعم لأكثر مدخلات الإنتاج التي يستخدمها المزارعون في عملية الإنتاج كالمازوت مثلاً، فإنه من الواضح أن الحكومة تنسحب من دعم الزراعي، ويُظهر ذلك لحظة تاريخية فارقة نشهدها، بعد عقود من التدخل الحكومي القوي في هذا القطاع.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد