أربعُ مناطقَ وأربعُ سلطاتٍ في سوريا

تُقسَّم سوريا تحتَ الحربِ إلى أربعَ مَناطق أساسية، يُسيطر عليها بالترتيبِ النظام تنظيمُ الدولةِ الإسلاميّة، الفصائلُ الكردية، وفصائلُ المعارضة المختلِفة. تتواجدُ تشكيلةٌ متنوِّعةٌ من الإداراتِ المحلِّيَّة المستقلَّة كما انتقلَت الحركةُ الاقتِصادية بمعظمِها إلى المنطقةِ الساحلية. ذلك هو الوضعُ ومترتِّباتُه الذي يتوجَّبُ مواجهتَه ما إن يَنتهي النزاع.

6281aa750d1aa03971fb2984109818bc6281aa750d1aa03971fb2984109818bc-2

مُناصِرو حزبِ الاتِّحادِ الديمقراطي في عفرين، محافظة حلب

قبلَ الانتِفاضة، ومن وجهةِ نظرٍ اجتماعيَّةٍ واقتصاديَّةٍ، كان يمكنُ تقسيمُ سوريا إلى منطِقتين. كان غرب البلاد، الذي يَضمُّ مِحورَ دمشق ــ حلب والمدنَ الرئيسيَّةَ الكبرى والمِنطقةَ الساحليّة، القسمَ الأكثرَ نُموّاً، في حين أنَّ الجنوبَ (مناطقَ درعا حيث اندلَعت الانتِفاضة، والقنَيطِرة والسوَيْداء) والشرقَ (دير الزور والحَسَكة والرقَّة) كانَ أكثر إهمالاً، بحسبِ المؤشِّراتِ الاجتماعيَّةِ والاقتِصاديَّة. إلّا أنَّ ذلك المشهد كان يضمُّ بعضَ الاستِثناءات: فمحافظةُ إدلب كانَت تُعدُّ من بينِ الأفقرَ في البلاد (وهي محافظةٌ ذاتُ أغلبيّةٍ ريفيّةٍ فُصِلت عن حلب عام 1958 بهدفِ إضعافِ عاصمةِ الشمال وثاني أكبرَ مدنِ البلاد)، بالتوازي مع ضعفِ مستَويات التنميةِ الاقتِصادية والاجتِماعيَّةِ في الريف الحلبي، ما أنتجَ شرخاً صارخاً بين المدينةِ والريفِ في حلب، الأعمق على المستوى الوطنيِّ.

في الوقتِ نفسه، نجد أنَّ المحافظاتِ الشرقيَّةَ هي الأغنى من حيثُ المواردِ الطبيعية، فالنفطُ يُستخرَجُ من حقولٍ حولَ الرقَّة ودير الزور وعندَ الحدودِ الشماليَّةِ الشرقيَّةِ مع العراق. إضافةً الى أنَّ القمحَ والشعيرَ والقطنَ (وهي ثلاثُ زراعاتٍ استراتيجيَّة) كانت تُزرَعُ في هذه المناطقِ الغنيَّةِ أيضاً بالموارِدِ المعدنيَّةِ بفضلِ مياهِ الفراتِ الذي يَنزلُ من تركيا ويَسقي العراقَ بعدَما يعبُر سوريا. إلّا أنَّ المناطقَ الغنيَّةَ بالمواردِ الطبيعيَّةِ لم تكن تجني، بالنتيجة، سوى ربحٍ محدودٍ من أرضِها، وهو وضعٌ سائدٌ في عددٍ من الدولِ النامية. كانَت سوريا إلى جانبِ ذلك محكومةً من دولةٍ مركزيَّةٍ قويَّة نسبِيّا. فقد كانت المؤسَّسات المنتشِرةُ في أنحاءِ البلادِ ناشطة، وكانت الحكومةُ تواصِلُ تقديمَ خدماتِها (المدارس، التعليم…)، وتُواصلُ الاستِثمارَ في البنيَةِ التحتِيَّة وتُحدِّد أسعارَ بعضِ الموادِّ الاستِهلاكِيَّة (خبز، مازوت…)، وتستمِرُّ في الانتاجِ (إنتاج موادَّ زراعيَّة، كهرباء، قروضٍ بنكيّة). كما كانَت المُشغِّلَ الرئيسيَّ في المناطقِ الأقلَّ تنمية، ويعودُ سببُ ذلك جزئياً إلى ضعفِ مستوى الاستِثمارات الخاصة.

فقرٌ يَطالُ 85% من السكّان

لكنَ العقدَ الأوَّلَ من حكمِ بشار الأسد، خاصَّةً بعد سنة 2005، شهدَ تراجُعاً مَلحوظاً في دورِ الدولة. فقد كانَ الاستثمارُ العموميُّ في انخفاض، كما خُفّض الدعمُ عن الجزءِ الأكبرَ من السلعِ والخدمات. وتمحوَرَت السياساتُ الاقتصاديَّةُ للحكومةِ أكثرَ فأكثرَ حولَ قطاعِ الخدماتِ ولصالحِ التجمُّعات المُدُنيَّةِ الكبرى، وذلك على حسابِ الضواحي والأرياف، وبصفةٍ أشملَ، على حسابِ المناطقِ النائيَة من البلاد.

وفي عمليَّةِ قطعٍ مع السياسات السابقة للحكومات البعثية، نُقلَت مسؤوليَّةُ التنميةِ في تلكَ المناطقِ المُهمَلةِ إلى القطاعِ الخاصِّ، الذي حظِيَت شركاتُه في المناطقِ النائيَة من البلادِ بضرائبَ أقلَّ وبأنظمةٍ أكثرَ مرونةً بهدفِ تشجيعِ الاستِثمار. لكن الاستِثماراتِ تعثَّرت في تلك المناطقِ الأشدَّ فقراً في غيابِ إرادةٍ سياسيَّةٍ قويَّة. ولا يعودُ السببُ في ذلك إلى أنَّ السلطاتِ لم تُدرِكْ أوْجُهَ القصورِ وضرورةَ معالجتِها، بل لأنَّ إدراكَها للأمورِ جاءَ متأخِّراً.

في بدايةِ شهرِ آذار/مارس 2011، أي بعدَ أسابيعَ فقط من بدايةِ الانتِفاضات في تونس ومصر، وقبلَ بضعةِ أيامٍ من بدايةِ الانتِفاضة في سوريا، توجَّهَ بشار الأسد على عُجالَةٍ إلى محافظةِ الحسكةِ في الشمال الشرقيِّ للبلاد، بهدفِ إعلانِ إطلاقِ مشروعِ تحويلِ نهرِ الفرات، وهو استِثمار تأخَّرِ لأكثرَ من ثلاثةِ عقود، قدّرت تكلفتُه بثلاثةِ مليارِ دولار، ويهدفُ إلى ريِّ مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي ولتنمِيَةِ الانتاجِ الزراعيِّ ولخلقِ فرصَ عملٍ لآلافِ الأشخاص.

في عامِ 2016، لم تعد الآثارُ المدمّرةُ للحرب على الاقتِصادِ وعلى حياةِ السوريّين بحاجةٍ لإثبات، فالأرقامُ تتكلَّم بنفسِها. بحسبِ آخرِ تقريرٍ مَنشورٍ في أواخرِ عامِ 2015 من قِبلِ خبراءِ “المركزِ السوريِّ لبحوثِ السياسات”، فقد ألحقَ النزاعُ، حتى نهايةِ العامِ الماضي، خسائرَ اقتصاديَّةً تقاربُ 255 مليار دولار، وكان الناتجُ المحليُّ الإجماليُّ يعادلُ أقلَّ من نصفِ قيمتِه عام 2010، كما ارتفعَت البطالةُ إلى أكثرَ من 50%، وطالَ الفقرُ أكثرَ من 85% من السكّان. وبسببِ فَرارِ رؤوسِ الأموالِ وانخفاضِ احتِياطات البنكِ المركزيِّ وعجزِ الميزانِ التجاري، تراجعَت الليرةُ السوريَّةُ إلى مستوَياتٍ متدنِّيَةٍ ولم تعد تبلغُ قيمتُها اليومَ سوى عِشرِ قيمتِها عشيَّةِ النزاعِ ليتمَّ تبادلُها بمعدَّلِ 600 أو 700 ليرة سوريَّة للدولار الواحِد.

إضافَةً إلى ما تقدّم، يبدو التأثيرُ المُهمُّ والدائمُ للحرب هو تجزئةُ البلد، على الأقلِّ إلى أربعَ مناطقَ بيّنة:

– الأولى تحت سيطرةِ النظام، وتتمثَّلُ في جانبٍ كبيرٍ منها في الجزءٍ الغربيِّ، الأكثرَ نموّاً والذي أشرنا إليهِ أعلاه، أي المنطقةِ الساحليَّةِ ومحورِ دمشق ــ حلب الأساسي، باستِثناءِ بعضِ المناطقِ الريفيَّةِ والضواحي والمناطقِ المحيطةِ بنصفِ مدينةِ حلب الواقعةِ في معظمِها بأيدي المعارضةِ وإلى حدٍّ أقلَّ بأيدي جبهةِ النصرة (فرعِ تنظيمِ القاعدةِ في سوريا). أما حلب المدينة، فهي تحتَ سيطرةِ النظامِ في جانبِها الأكبر (الغرب)، وتحتَ سيطرةِ المتمرِّدين في جزئها الشرقي.

– الثانيةُ في شرقِ البلاد، ويسيطرُ عليها تنظيمُ الدولةِ الاسلامية، على طولِ نهرِ الفرات، ممّا يعني إجمالاً مناطقَ العشائر العربِيَّةِ المرتبِطةِ تاريخيّاً بالعراق، وحولَ حقولِ النفطِ في ديرِ الزورِ والرقَّة، معقلِ التنظيمِ في سوريا.

– منطقةُ ثالثةٌ كرديّةٌ تمتدُّ من شمالِ شرقِ البلادِ وفي جيبٍ يقعُ غربَ حلب، وتقعُ تحت هيمنةِ حزبِ الاتِّحادِ الديموقراطيِّ (الفرع السوريِّ لحزبِ العمالِ الكردستاني). حيث يُعدُّ كردُ سوريا غالبيَّةً في هذه المناطقِ أو يشكِّلون على الأقلِّ أكبرَ أقليّة. لكنَّ تلكَ المناطقَ ليست الوحيدةَ التي يتواجدُ فيها الكردُ بكثافةٍ، اذ يوجدُ مئاتُ الآلافِ من هذه الفئةِ من غير العرب في كلٍّ من مدينتَيْ حلَب ودمشق.

– وأخيراً، منطقةٌ رابِعةٌ تسيطِرُ عليها مَجموعاتٌ مختلِفة، إضافةً الى جبهةِ النصرة. ومناطقُ المعارضةِ هذه (الجيشِ السوريِّ الحرَّ ومجموعاتٍ أخرى من المُتمرِّدين) مجزَّئةٌ ولا تملكُ تواصُلاً جُغرافِيًّا، على عكسِ المناطقِ الثلاثة الأخرى.

المناطقُ الثلاثةُ الأخيرةُ هي الأقلُّ تنمِيَةً في جنوبِ وشرقِ سوريا.

انكِفاءُ الحركةِ الاقتِصاديّة نحوَ الساحل

رغم أنَّ هذه المناطقَ أقلُّ دماراً من باقي البلاد، وعلى الرغمِ من استقرارِها الظاهري، فإنَّها وبسببِ وزنِها، قد شهدَت تحوَّلاتٍ أثَّرت بعمقٍ على النسيجِ الاقتِصاديِّ والاجتِماعيِّ والسياسيِّ لسوريا.في هذا الجزءِ حيثُ مازالَ يعيشُ ثُلثا السكان، يقامُ حاليًّا توازنٌ جديد. فمحورُ دمشق ــ حلب، الذي يُشكّل العمودَ الفقريَّ للبلاد، قد أُضعِفَ بصفةٍ خاصَّةٍ بسببِ التدميرِ الماديِّ لمدينةِ حمص (ثالث مدن البلاد) ونصفِ مدينةِ حلب وضواحي مدينةِ دمشق، وبفعلِ هروبِ المُستثمِرين والطبقاتِ المتوسِّطةِ، الى جانبِ ضعفِ دورِ الدولةِ ومؤسَّساتها.

وينتقلُ الاستِثمارُ الخاصُّ والعامُّ (أو ما تبقّى منه، بما أنَّ المستَوَياتِ الحاليَّةَ ليست إلّا جزءاً بسيطًا ممّا كانت عليهِ قبل النزاع) نحوَ المِنطقةِ الساحليَّةِ التي تُعتَبرُ آمنةً ومحميّة. ففي 2015 على سبيلِ المثال، تمركزَت 32% من الاستِثماراتِ الخاصَّةِ المرخَّصةِ من هيئةِ الاستِثمار السوريَّةِ (هيئةٌ حكوميَّة) في محافظَتَيْ طرطوس واللاذقيَّة (الميناءَيْن الرئيسيَّين في البلاد)، فيما لم تَستَوْعب محافظتا دمشق وحلب سوى 27% فقط. وللمقارنة، كانت هاتان الأخيرتان تجتذبان في 2010 حوالي 40,5% من المشاريعِ المعتمَدة من قِبلِ هيئةِ الاستِثمارِ، مقابلَ 4,5% لطرطوس واللاذقيّة. كما تضاعفَ في طرطوس خلالَ العامِ الماضي عددُ مشاريعِ المؤسَّساتِ الصغيرة، إذ أنشئت 1.752 شركةً جديدةً في هذه المحافظةِ في 2015، مقابلَ 867 في العام السابق. وقد انتقلَ عدد الشركاتِ المساهِمة من 119 في 2014 إلى 251 في 2015.

تنجذِبُ رؤوسُ الأموال الخاصَّة بشكلٍ طبيعيٍّ إلى الأمنِ السائدِ في المِنطقةِ الساحليّة، بالأخصِّ في محافظةِ طرطوس، وهي الأكثرُ هدوءًا منذ بدءِ الانتِفاضة. يضافُ إلى ذلكَ حركةِ السكّان الفارّين من مناطقَ أخرى من البلاد والتي ترافَقت مع تدفُّق المستثمِرين الحريصين على وضعِ رؤوسِ أموالِهم في منطقةٍ تَشهدُ ارتِفاعا نسبيًّا في الطلبِ على البضائع. وبهذا، يعكسُ التغييرُ لصالحِ المنطقةِ الساحليَّةِ مُعطىً ديمغرافيًّا جديدًا إذ لم يَعدْ العلويّون يشكِّلون أغلبيَّةِ سكّانِ هذه المِنطقةِ كما في السابق.

ويأتي نقلُ الاستِثمارات العامّةِ الى المِنطقة الساحليّة، إلى حدٍّ كبير، نتيجةً لسياسةِ النظامِ الرامِيَةِ الى إرضاءِ “زبائنِه”. وأعلنَ رئيسُ مجلسِ الوزراء وائل الحلقي في خريفِ 2015 إطلاقَ استِثماراتٍ عامَّةٍ يبلغُ مجموعُها 30 مليارَ ليرةٍ سوريّة في محافظتَي اللاذقيَّة وطرطوس، وقد أحدثَت لها وسائلُ الإعلامِ الرسميَّةِ صدىً كبيرا. في نفسِ الوقت، لم تُخصِّص الحكومةُ سوى مبلغِ 500 مليون ليرةٍ سوريَّةٍ لمدينةِ حلب، القلبِ الصناعيِّ والتجاريِّ للبلادِ سابِقا.

غادرَ رجالُ الأعمالِ والمستَثمرون التقليديّون البلادَ بكثرة، واستقرّوا في أنحاءٍ أخرى من العالم، وقد تمَّ تعويضُهم بآخرين بَنَوْا ثرواتِهم على نشاطاتٍ مرتبطةٍ بحالةِ الحرب. مثالاً على ذلك، اتَّضحَ هذا التغييرُ من خلالِ انتِخاباتِ غرفِ التجارةِ في دمشق وحلب في نهاية 2014. ففي حلب، كان عشرةٌ من أصلِ اثنَيْ عشرَ عُضواً في مجلسِ الادارة وافدين جدداً غيرَ معروفين قبلَ الانتِفاضة، وفي دمشق كان سبعةٌ من أصلِ اثني عشر عُضواً في نفس الوضع.

تَستمرُّ المناطقُ الساحليَةُ في الحفاظِ على صلاتٍ وثيقةٍ بدمشق وبالحكومة المركزيَّةِ بفضلِ جهازِ الدولة، ولا تزالُ غالبيَّةُ من العلويّينَ في سنِّ العملِ تعمَلُ في القطاعاتِ المدنيَّةِ والعسكريَّةِ للدولة التي لطالَما كانَت تشكِّلُ مَصدراً للعملِ لهذه الطائفة. وقد تعزَّز هذا الدورُ مع الحربِ والانكِماش الاقتصادي. ويُعتبَرُ هذا الاعتِمادُ الكبيرُ من الطائفةِ العلويَّةِ على الدولةِ المركزيَّةِ عامِلاً مُهمًّا ضدَّ حكمٍ ذاتيٍّ مُمكنٍ للمِنطقةِ الساحليَّةِ، مما يُفسّرُ أهميَّةَ السيطرةِ من دمشق.

مؤسَّساتٌ منافِسةٌ للدولة

بالنسبةِ للمناطقِ الخارجةِ عن سيطرةِ قِوى النظام، وبعضُها منذُ أكثرِ من ثلاثِ سنوات، فقد اضطرَّت إلى التأقلُمِ مع الوضع الجديدِ وإلى إنشاءِ مؤسَّساتٍ وشكلٍ من أشكالِ الحكم، لا سيَّما وأنّ مراكزَ ووسائطَ الانتاجِ قد دمّرت، فيما رحلَ رجالُ الأعمالِ وفُكِّكت شبكاتُ النقلِ والتجارة، وقد جاءَ هذا الدمارُ بعدَ عشراتِ السنينِ من التخلف. وتَحظى المؤسّسات الجديدة المُقامَةُ لتعويضِ غيابِ الدولةِ والفراغِ الذي خَلفَه تدميرُ اقتِصادِ ما قبلَ الحربِ في أحيانٍ كثيرة (وليس دائماً) بشرعيَّةٍ أكبرَ من الحكومةِ عندَ السكّان المحليّين، ولأسبابٍ عدّة:

-عددٌ من المؤسَّساتِ منتخَب، لاسيّما في المناطقِ التي استقرَّت فيها المعارضة، وذلك على الرغمِ من الشوائب التي اتَّسمت بها العمليّاتُ الانتخابيّة في أحيانٍ كثيرة.

-تُدار المؤسَّساتُ من قبل محلِّيّين، وعددٌ كبيرٌ من هؤلاء كان قد عملَ وناضل للدفاعِ عن مجتمعِه من النظام.

-هيَ جزءٌ من مشروعٍ سياسيٍّ أكثرَ طموحاً ومقبولٌ من قِبلِ السكّان (الأكراد، المعارضة).

في الواقع، تتنافسُ هذه المؤسَّساتُ في ما بينِها ومع مؤسَّساتُ الحكومة، لنجدَ إداراتٍ محلِّيَّة تَعتبر نفسَها ــ أو تدَّعي ــ أنَّها الحكومة، بما يتبعُ ذلك من وجودِ أربعةِ برامجَ تعليميَّةٍ على الأقلِّ، وثلاثُ عملات مَتداوَلة كوسيلةِ تبادل. وهكذا، يُرخِّصُ الكردُ لمشاريعَ استثمارية، وقد سنَّوا خلال العامَين الماضِيَين عشراتِ القوانينِ الهادفةِ لتنظيمِ الحياةِ في مناطقِهم. كما يَفرضُ تنظيمُ الدولةِ الاسلاميَّةِ ضرائبَ ويسمحُ باستثماراتٍ وله قوَّة ُشرطةِ خاصَّةٌ به. ولمناطقِ المعارَضة مجالسُ محليّةٌ لكلٍّ ما يهمُّ إدارةَ الحياة اليومية. وتتألّف الحكومةُ المؤقَّتةُ للمعارضةِ من عدّة وَزارات، كما أُنشِئت هيئاتٌ مُكلّفة بتوزيعِ القمحِ والخبزِ وإدارةِ المستشفَياتِ وتوزيعِ المساعَداتِ داخلَ البلاد.

ولا تنفكُّ نفقاتُ هذه السلطاتِ الجديدةِ عن الازدِياد. إذ يقدِّر خبراءُ “المركزِ السوريِّ لبحوثِ السياسات” أنَّ مجموعَ النفقات “العموميَّة” لمناطقِ المعارَضة مُجتمِعة، لتنظيمِ الدولةِ الاسلاميّة والكرد، أي المؤسَّساتِ المُتمركِزة في هذه المناطق، تعادلُ حالياً 13,2% من الناتج المحليِّ الإجماليِّ السوريِّ في 2015، مقابلَ 31,6% في مناطق النظام. وهذا يعني أن النفقاتِ “العموميَّةَ” في المناطقِ غير التابعةِ للحكومةِ تشكّل حاليًّا أكثرَ من ثُلثِ النفقاتِ العموميّة، ممّا يبيّنُ المكانةَ المهمَّةَ التي تَحظى بها أكثرَ فأكثرَ هذه المؤسَّساتُ الجديدةُ المنشأةُ في أنحاءِ البلادِ المقطّعةِ لتحلّ محلَّ الدولة.

لامركزيَّةٌ لا بدَّ منها

لا شكَّ أنّ “استقرارَ” الحدودِ الداخليَّةِ لسوريا خلالَ الأعوامِ الثلاثةِ الماضيَةِ وترسيخَ المؤسَّساتِ الذاتية المُقامة حديثاً، بالإضافة السلطاتِ الجديدةِ للفاعلين الجدد، أمورٌ ستشكِّلُ تحدِّياتٍ خطيرةً في نهاية الصراع، ويجب مواجهتُها. يَرتبط أحدُ هذه التحدِّيات باللامركزيّة. على خلافِ المسألةِ الكرديّة، التي سيتطلَّب حلُّها درجةً متقدِّمةً من الحكمِ الذاتي، فاللامركزيّة تقدّمُ أحدَ الخياراتِ القليلةِ التي قد تؤمن نقطةَ لقاءٍ بين القوى المختلفةِ المنبثقةِ من الصراع. وفعلاً، تجدُ نداءاتٌ لحكمِ محليٍّ أكبرَ صداها في أنحاءِ سوريا؛ وإحدى أهمِّ الصعوباتِ التي تمنعُ توحُّدَ المعارضةِ هي بالتحديد الشعورُ القويُّ بالاستقلاليَّةِ والذي تطوّرَ ضمنَ مختلفِ مجموعاتِ البلاد. وقد عكسَ الصراعُ أيضاً درجةَ الارتِيابِ الذي كُبتَ طويلا، بين المدن، بين المدنِ وأريافِها المحيطة، وبين مختلفِ المناطق. وغالباً ما تربطُ النخبةُ المُدُنيّة، خاصَّةً في دمشق، بين اللامركزيّةِ وبين تقسيمِ البلاد وضياعِ السيادة. وهذا سيولِّدُ حتماً رفضًا من جانبَيْ خطَّ الانقِسام بين المعارضةِ والنظام.

ثمَّةَ مسألةٌ أخرى مرتبِطةٌ جزئيّاً بمسألةِ اللامركزية، وتتعلَّقُ بالتوزيعِ العادل للموارد. فالمناطقُ الأغنى من حيثِ المواردِ الطبيعيّةِ هي أيضًا، كما أشَرنا، الأقلُّ تنمية. ويبدو مُستبعَداً أن تقبلَ هذه المناطقُ من جديدٍ بسيطرةِ دمشق على ثرواتِها كما في الماضي. فالنفقاتُ في المناطقِ الكردية على سبيلِ المثال، مموَّلةٌ الى حدٍّ كبيرٍ بفضلِ استِغلالِ النفطِ في مِنطقتهم. وفي دير الزور، قبلَ ظهورِ تنظيم الدولة الاسلامية، تقاتلَت العشائرُ والمجموعاتُ المحليَّةُ في ما بينِها من أجلِ السيطرةِ على آبارِ البترولِ التي اعتُبِرت “مُستولى عليها” عن غيرِ حقٍّ من قبل دمشق. وإنّ تخصيصَ جانبٍ أكبرَ من المواردِ للمناطقِ سيكونُ مُحارباً من قِبلِ أيَّةِ حكومةٍ مستقبليّةٍ عليها مواجهةُ نقصِ الايرادات، خاصَّةً وأنَّ الأمورَ ستكونُ مرتبِطةً بمجهودٍ مهمٍّ لإعادةِ الإعمار.

بالتوازي، أثبتَ الصراعُ السوريُّ مركزيّةَ المسألةِ الطائفيَّةِ في دولةٍ يُعتبرُ المواطنون فيها مُتساوين. لقد لعبت الحربُ هنا دوراً كاشِفاً للتوتُّراتِ الطائفيَّةِ والعرقية، مبيِّناً خوفَ الأقلِّيّات من الإسلامِ السياسي، وخشيةَ الكردِ من العروبة، وخوفَ المسيحيّين الأشوريّين من الكُرد، إضافة إلى إحساسٍ عميقٍ بالظلم لدى الغالبيّة السنيّة. وبصرفِ النظرِ عن تلك المخاوِف، فلا بدّ من إيجادِ حلولٍ لمسائلِ الهويّات الثقافيّةِ التي بقِيَت طويلاً مقموعة. وأخيراً، يجب التطرُّقُ لمسألةِ بناءِ دولةٍ تحافظُ على مسافةٍ متساوِيَةٍ مع جميعِ مواطنيها، مع ضمانِ حقوقِهم السياسيَّةِ والثقافيَّةِ كأفرادٍ وجماعات، وهي مسألةٌ تبقى إلى هذه الساعة غيرَ محسومة.

نشر المقال في موقع  أوريان 21

انسحابات مصرفية تلوح بالأفق السوري؟

349-7

قام بنك عودة، من أكبر المصارف في لبنان، بتغيير الاسم التجاري لفرعه في سورية، في محاولة منه، على ما يبدو، للابتعاد عن السوق السورية.

وفي رسالة وجهها إلى هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، برر المصرف تغيير اسمه إلى “بنك الائتمان الأهلي”، بالحاجة إلى تعزيز موقع المصرف في السوق المحلية عن طريق خلق تمايز لعلامته التجارية. إلا أن تبريراً آخر قدمه المصرف قد يعكس أهدافه بشكل أفضل: “بسبب موقع بنك عودة ش.م.ل في السوق العالمية، فإن تغيير اسم بنك عودة سورية يجعله أكثر مرونة وقدرة على المنافسة في السوق المحلية”.

في واقع الأمر، تفكير مجموعة بنك عودة ربما يذهب في الاتجاه المعاكس، فالمجموعة تخشى أن ارتباطها بمؤسسة سورية يعيق انتشارها العالمي. وأكدت الإدارة في رسالتها أن مجموعة بنك عودة تبقى مساهماً وإنها ما زالت ممثلة في مجلس الإدارة. وتبدو الإدارة كما لو أنها تريد طمأنة الهيئة، والسوق المصرفية بشكل عام، بأن المصرف لن ينسحب من سورية.

خلال السنوات الماضية تمكنت مجموعة بنك عودة من الانتشار بشكل سريع في المنطقة. ففي عام 2013 افتتحت فرعاً في تركيا الذي سرعان ما نما لدرجة أصبح الآن يمثل قسماً هاماً من أصول المجموعة المصرفية. كما أنها توسعت في مصر والأردن والسودان من بين بلدان أخرى.

ومع ذلك، وبسبب المخاطر السيادية المرتبطة بلبنان، يتم تقييد التصنيف الائتماني للمصرف الذي يزيد من كلفة الاقتراض وزيادة رأس المال ويعيق الاستثمار. ففي الأسبوع الماضي على سبيل المثال، أعلنت وكالة التصنيف “فيتش” أنها خفضت التصنيف الائتماني للمصرف عقب تخفيض مماثل لتصنيف المخاطر السيادية اللبنانية. ويعاني بنك بيبلوس من المصير نفسه.

يمكن أن يكون قرار تغيير العلامة التجارية لفرع سورية جزءاً من سياسة أشمل تتعلق بتخفيف المخاطر. وفي آذار/ مارس، وخلال اجتماع الهيئة العامة غير العادية، أعلن بنك عودة سورية أنه لن يجدد عقود إدارته مع الشركة الأم (مجموعة بنك عودة)، وأن المصرف تتم إدارته بشكل مستقل تماماً. ومع ذلك، فإنه من غير المحتمل أن ينسحب بنك عودة من السوق السورية تماماً. فالفرص المتوقعة من عملية إعادة الإعمار كبيرة طبعا لدرجة لا يمكن تجاهلها.

خلال الأشهر القليلة المقبلة ستكون تحركات المصارف المنافسة تحت المراقبة عن كثب. والواضح أن الاستمرار بالعمل في سورية ينطوي على عدد من المخاطر، وأن القلة القليلة من الشركات الأجنبية التي ما تزال في السوق، كالمصارف، قد تفكر بالانسحاب.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

Les difficultés économiques croissantes auront-elles des conséquences politiques ?

La décision prise mi-juin par les autorités syriennes de renchérir le coût des produits pétroliers a créé un fort mécontentement auprès de sa base sociale mettant en lumière les éventuelles conséquences politiques de la crise économique.

Le 16 juin, le gouvernement syrien a décrété une forte augmentation du prix de certains produits énergétiques. Celui du mazout a augmenté de 33 %, passant de 135 à 180 livres syriennes le litre ; l’essence a été augmentée de 40 % pour passer de 160 à 225 livres le litre ; quant au gaz domestique, son coût est passé de 1 800 à 2 500 la bonbonne de 10 kilos (+39 %).
Selon un responsable de Mahrukat, le monopole public responsable de la distribution de produits pétroliers, la consommation quotidienne de mazout est estimée à 4,5 millions de litres, celle d’essence à 4 millions et celle de gaz à 100 000 bonbonnes. En d’autres termes, le gouvernement espère faire rentrer dans ses caisses 203 millions de livres syriennes supplémentaires grâce à la hausse du prix du mazout, 260 millions grâce à celle de l’essence et 70 millions avec l’augmentation du prix du gaz. En rythme annuel, l’augmentation de revenus est équivalente à 195 milliards de livres (environ 450 millions de dollars).
Cette forte augmentation des prix est justifiée par les difficultés budgétaires auxquelles les autorités sont confrontées ainsi que par la chute de la livre par rapport au dollar, les produits pétroliers étant en grande partie importés depuis la prise de contrôle par l’État islamique et par les Kurdes de l’Union démocratique de tous les principaux champs pétrolifères situés à l’est et au nord-est du pays – ce n’est cependant pas le cas du gaz qui continue d’être produit dans des régions sous le contrôle du régime.

Le prix du gaz multiplié par 10 en l’espace de cinq ans

Mesuré en livres syriennes, le prix des produits pétroliers est en augmentation ininterrompue depuis le début du soulèvement en mars 2011. L’année précédente, en 2010, le gouvernement avait annoncé son intention d’aligner de manière graduelle le prix des produits pétroliers sur ceux du marché afin de mettre fin à ce qui représentait alors le premier poste de subventions étatiques. Le soulèvement, que les autorités espéraient de courte durée, les a poussés à faire volte-face et à réduire le coût du mazout, avant que les réalités économiques ne les obligent à repartir dans leur politique de hausse des prix.
Depuis janvier 2011, le prix du mazout a ainsi été multiplié par neuf, passant de 20 à 180 livres, celui de l’essence par cinq, de 44 à 225, et celui du gaz par 10, de 250 à 2 500. Mesurés en dollars, les prix sont restés relativement stables durant cette période, alors que les salaires se sont effondrés – le salaire moyen d’un fonctionnaire est passé de 300 dollars en 2011 à 60 dollars aujourd’hui.
Cette dernière augmentation de prix a été suivie le lendemain par une hausse moyenne de 7 à 27 % des tarifs des transports publics et des taxis décrétée par le ministre du Commerce intérieur et de la Protection des consommateurs.
L’augmentation du prix du mazout, qui est utilisé à la fois pour le chauffage, par les moyens de transport et par les agriculteurs qui l’utilisent pour faire fonctionner leurs équipements, risque d’être particulièrement douloureuse. Dans les jours qui ont suivi, les prix de nombreux produits alimentaires se sont d’ailleurs envolés à Damas et dans d’autres villes syriennes.

La réaction populaire force les autorités à céder

Ce que n’avait pas prévu le gouvernement, c’est la réaction de la population, en particulier celle qui lui est a priori acquise.
Les Syriens ont d’abord réagi à travers les réseaux sociaux, leur principal moyen d’expression. Alors que les critiques contre le gouvernement sont devenues relativement normales – en Syrie le pouvoir est détenu entièrement par le président de la République et les services de sécurité, le gouvernement représentant une proie facile et inoffensive –, cette fois-ci des critiques, certes limitées, contre Bachar el-Assad lui-même ont été émises.
Plus sérieusement, selon certaines sources fiables, des habitants de Lattaquié et du quartier de Mazzé 86 à Damas, pourtant totalement acquis au régime, ont menacé de descendre dans la rue pour protester contre l’augmentation des prix.
Dans l’urgence, dimanche 19 juin, un décret présidentiel a ordonné une hausse généralisée des salaires de la fonction publique ainsi que des employés du secteur privé de 7 500 livres.
Étant donné que le salaire moyen syrien est de 30 000 livres, la hausse consentie est de 25 % et devrait compenser l’impact de l’augmentation des prix pétroliers.
Comme d’habitude en Syrie, la mauvaise nouvelle, l’augmentation des prix, a donc été laissée au gouvernement, alors que la bonne, la hausse des salaires, a été du fait du président Assad.
Beaucoup de Syriens ne bénéficieront cependant pas de cette hausse des salaires comme les membres de professions libérales, les commerçants, les agriculteurs, les chômeurs et les étudiants. Par ailleurs, la majorité des employés du secteur privé n’est pas inscrite à la Sécurité sociale et ne bénéficiera donc pas non plus de cette hausse.
Pour le gouvernement, en revanche, l’impact de cette hausse efface presque entièrement les gains qu’il escomptait grâce à l’augmentation du prix des produits pétroliers (195 milliards de livres). En effet, avec une main-d’œuvre d’environ 2 millions de fonctionnaires, en comptant les employés civils et militaires, la facture de l’augmentation des salaires est de 15 milliards de livres par mois, soit 180 milliards en rythme annuel !
La hausse des salaires a permis de réduire largement, mais pas complètement, les critiques. Un utilisateur de Facebook basé à Tartous s’est ainsi permis de dire :
« L’autorité qui a décrété la hausse des salaires n’est-elle pas la même qui a augmenté les prix des produits pétroliers ? Le gouvernement est incapable de prendre une quelconque décision sans l’approbation des plus hautes autorités. »
Inédite, la réaction de la population à cette dernière mauvaise nouvelle économique reflète son épuisement. Depuis cinq ans, en plus de la guerre qui n’a quasiment pas été suspendue un seul jour, elle voit son pouvoir d’achat s’effondrer à cause d’une inflation galopante, le chômage augmenter à plus de 50 % de la population active et la pauvreté monter à plus de 80 %.
Le choix du moment de l’annonce, en plein milieu du ramadan, était particulièrement malheureux, puisque c’est une période de l’année durant laquelle les prix sont déjà élevés ; les autorités l’ont sans doute choisi, car le gouvernement était en charge des affaires courantes dans l’attente de l’annonce d’une nouvelle équipe ministérielle.

Des marges de manœuvre nulles

Cette réaction d’humeur doit inquiéter sérieusement les autorités. Leurs marges de manœuvre sont en effet très limitées. D’après un récent rapport du Fonds monétaire international (FMI), en 2015, les recettes fiscales ne représentaient plus que 6 % du PIB, soit 840 millions de dollars exclusivement réservés aux dépenses courantes ; les dépenses d’investissement ne représentent plus que 0,7 % du PIB, soit 98 millions de dollars. En d’autres termes, il n’y a quasiment plus de moyens pour parer à n’importe quelle nouvelle urgence.
Cette situation pourrait-elle avoir des implications politiques ? Ce n’est pas la première fois que des projections pessimistes sur la survie du régime sont faites sur la base de mauvaises nouvelles économiques et à chaque fois, pour l’instant, le régime a réussi à s’en sortir.
Il reste que cette situation dans laquelle la population exprime son exaspération est quasiment unique ; de même l’absence de toute véritable marge de manœuvre est nouvelle.
Évidemment, les autorités pourront toujours espérer une énième ligne de crédit de la part de l’allié iranien qui pourra lui faire gagner plusieurs mois. À terme, il est difficile de croire que l’accumulation de mauvaises nouvelles économiques ne peut avoir des conséquences politiques.

Remarque: Cet article a été publié dans le numéro d’août 2016 du Commerce du Levant