مصائب سوريا الاقتصادية المتزايدة: الأزمة اللبنانية وقانون قيصر، ثم فيروس كورونا

ازدادت آفاق الاقتصاد السوري قتامةً في الأشهر الأخيرة بحلول الأزمة اللبنانية، وسن قانون قيصر، والآن انتشار فيروس كورونا. تبحث هذه الورقة في تأثير هذه التحديات الجديدة على الاقتصاد السوري والسوريين بشكل عام. في حين يصعب تقييم أثرها التراكمي في هذه المرحلة، سيظل سكان سوريا يعتمدون بشكل كبير على الجهود الإنسانية الدولية. ويتوقف مستقبل هذه الجهود في حد ذاتها على البلدان المانحة الرئيسية التي من المرجح أن تخرج من وباء فيروس كورونا منهكة اقتصاديا.

بعد ثلاث سنوات على استرداد النظام مدينة حلب، وهو ما يعد نصرًا رمزياً ومادياً هاماً، لا يزال الاقتصاد السوري لم يسترد عافيته، ويتوقع محللون قليلون تنفيذ أية جهود كبرى لإعادة الإعمار في المستقبل القريب. وفي أوساط الحكومة ودوائر الأعمال والسكان، اعتقاد متزايد بأن المصاعب الاقتصادية ستدوم لفترة طويلة.

لقد انخفضت في الأشهر الأخيرة التوقعات حول الوضع الاقتصادي المتدهور بالفعل، في ظل وجود ثلاث تحديات جديدة: الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية، وقانون قيصر الذي فعلته الإدارة الأمريكية، وانتشار جائحة فيروس كورونا. إن الأثر التراكمي لهذه الصدمات لم نره بعد، لكن على الأقل، فإن استمرار وتزايد وتيرة الجهود الإنسانية سيكون مهماً كل الأهمية. على ذلك، نظراً لضغوط فيروس الكورونا المتوقعة على الدول المانحة الكبرى، فمن المرجح أن تؤدي هذه الضغوط إلى اتساع نطاق أزمة السكان في سوريا وزيادة معاناتهم.

لبنان: بوابة سوريا إلى العالم الخارجي تنغلق

إن لبنان، لا سيما قطاعه المصرفي، كان بمثابة بوابة سوريا الاقتصادية إلى العالم الخارجي منذ أواسط الخمسينيات من القرن العشرين على الأقل، ولقد أدت العقوبات الغربية على دمشق بعد بداية الأزمة في مارس/آذار 2011 إلى تدعيم هذا الدور اللبناني. إن لبنان هو الذي يودع فيه رجال الأعمال والأفراد من سوريا مدخراتهم ويشترون فيه الدولارات، في حين كانت المصارف اللبنانية تُصدرالاعتمادات المستندية وغيرها من تسهيلات السداد التي يحتاجها التجار السوريون لاستيراد السلع إلى السوق المحلية.

لقد غيرت القيود المفروضة من قبل القطاع المصرفي اللبناني – ومعها الأزمات الاقتصادية والمالية التي تواجه هذه الجارة الصغيرة والديناميكية للغاية في نفس الوقت – من قواعد اللعبة.

ما إن بدأت المصارف اللبنانية في تقييد بيع الدولار في أغسطس/آب 2019 – مع منع المودعين من سحب مدخراتهم بتلك العملة – قفز سعر الدولار الأميركي في سوق العملة الصعبة اللبنانية، ثم حدث نفس الشيء في السوق السورية. مع انهيار الليرة اللبنانية، فقدت الليرة السورية بدورها توازنها. بنهاية يوليو/تموز 2019، أصبح ثمن الدولار 606 ليرة سورية في السوق السوداء. ارتفع السعر إلى 635 ليرة بنهاية أغسطس/آب، ليبلغ 1040 ليرة بنهاية يناير/كانون الثاني 2020.

ليست هذه بالظاهرة الجديدة. ففي أواسط الثمانينيات، كان لانهيار الليرة اللبنانية نفس الأثر على العملة السورية.

لم يقتصر الأمر على أن الدولار أصبح غالي الثمن بشكل متزايد، إنما لم يعد أيضاً بمقدرة القطاع المصرفي اللبناني تنفيذ طلبات المستوردين السوريين المالية. الودائع المودعة في المصارف اللبنانية لصالح رجال أعمال سوريين أصبحت محجوبة، والشركات التي أسسوها في لبنان للتعاقد مع المصدرين الأجانب أصبحت بلا نفع.

كانت واردات القمح هي أول ضحية لهذا الموقف الجديد. بنهاية 2019 وبداية 2020، أصدرت الحكومة السورية ثلاث مناقصات لاستيراد نحو 600 ألف طن من القمح، لكن فشلت في توقيع أي عقد شراء لأن المستوردين الأساسيين للقمح – وهم من رجال الأعمال المقربين من النظام – توجد حساباتهم المصرفية في لبنان.1 الخطر هنا ليس بالهين: فنقص القمح، ومن ثم الخبز – وهو بند غذائي أساسي هام للغاية – يهدد الأمن الغذائي لقطاعات كبيرة من السكان في سوريا.

إضافة إلى السلع الاستهلاكية الأساسية، التي يتم استيرادها بصورة متزايدة بسبب الدمار الموسع الذي لحق بالاقتصاد السوري، فإن استيراد المواد الخام ومدخلات الإنتاج الأخرى قد تأثر. كان للعجز في هذه المواد أثره على العمليات الإنتاجية، وعلى توفر السلع في الأسواق، وأيضاً على سوق العمل.

لقد أدى انخفاض سعر العملة إلى تزايد تكاليف السلع المستوردة وزاد من نسبة التضخم، مع خفض القوة الشرائية للسكان.

ومن بين التبعات السلبية للأزمة اللبنانية، الانخفاض الحاد في تحويلات السوريين هناك إلى سوريا. على مدار عقود، كان المزارعون وعمال البناء السوريون في لبنان يبلغ عددهم مئات الآلاف، وقد أسهموا بنسبة مهمة في التحويلات الدولارية إلى الاقتصاد السوري. إن الأهمية النسبية لهذه التحويلات قد زادت أثناء النزاع، ليس فقط بسبب تدفقات اللاجئين، إنما أيضاً بسبب انكماش حجم الاقتصاد السوري ككل. لقد شهدت الأزمة في لبنان بالفعل فقدان العديد من هؤلاء العمال لأعمالهم، في حين تراجع دخل من لم يفقدوا عملهم بعد، مع قياس ذلك الدخل بالدولار. وبسبب غياب البيانات الرسمية، فمن الصعب أن نفهم نطاق هذه الخسائر، وإن كانت وبكل وضوح كبيرة للغاية.

وأخيراً، فإن الأثر النفسي كبير. كان لبنان يمثل صمام أمان للكثير من السوريين، وقد انهار هذا الصمام الآن. من الآثار المباشرة هنا، إرجاء قرارات الاستثمار مع انتظار المستثمرين السوريين – الخاضعين لتقلبات السوق المصرفي اللبناني – حتى يقيّمون خسائرهم.

قد تسعى دمشق إلى الاستفادة من علاقاتها القوية – حسب الزعم – مع الحكومة الحالية في بيروت، لكي تضع يدها على بعض نقودها المحجوبة في القطاع المصرفي اللبناني، لكن فرصها في النجاح هنا محدودة. فالسلطات اللبنانية أمامها أولويات ضاغطة أكثر، ورغم جميع التوقعات والتخمينات، فإن تأثير دمشق في المشهد السياسي اللبناني لا يُقارن بحجمه قبل الانتفاضة التي اندلعت في مارس/آذار 2011.

قد يكون لبعض جوانب الأزمة اللبنانية آثار إيجابية بعض الشيء. فتراجع القوة الشرائية للسكان في لبنان قد يزيد من الطلب على المنتجات السورية، وهي أرخص ثمناً مقارنة بالمنتجات الأخرى التي يستوردها لبنان من بلدان أخرى، وهي الواردات التي تحظى بنصيب كبير من حجم الاستهلاك اللبناني. وسوف تكون السياحة العلاجية (أي اللبنانيين الساعين للرعاية الطبية في سوريا حيث رسوم الرعاية الصحية أقل) خياراً جذاباً لعدد متزايد من اللبنانيين الذين أصبحوا أفقر.

قانون قيصر: عواقب حقيقية طويلة الأجل

إن قانون عقوبات قيصر الذي وقعه الرئيس الأميركي في أواخر عام 2019 سيكون له تبعات كبيرة على المدى المتوسط والمدى البعيد، على الاقتصاد السوري، لكن آثاره قصيرة الأجل ستكون أقل خطورة.

بعد سنوات من ضغط مختلف الجماعات الداعمة للمعارضة السورية، بعد سنوات من المناقشات والمفاوضات في الكونغرس الأميركي بشقيّه، تمت الموافقة على القانون أخيراً كجزء من “قانون تصريح الدفاع الوطني” السنوي، في مطلع ديسمبر/كانون الأول، قبل أن يصدق عليه الرئيس الأميركي في 20 ديسمبر/كانون الأول 2019. صدر القانون على غرار الاسم المستعار للمصور العسكري الذي انشق عن النظام السوري في 2013 وسرّب صوراً لآلاف المحتجزين الذين تعرضوا للتعذيب حتى الموت بسجون النظام.

يضيف القانون إلى قائمة العقوبات الاقتصادية الطويلة التي تم فرضها بالفعل على سوريا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدة دول أخرى منها سويسرا وكندا واليابان وتركيا ودول الخليج. وبسبب تداخل العديد من نصوص ونظم الجزاءات المفروضة، فليس من الواضح إن كان قانون قيصر سيضيف شيئاً ذا بال. سوف أحاول هنا تسليط الضوء على الإجراءات الرئيسية المتصلة بالقانون، وعواقبها.

العقوبات الثانوية

السمة الرئيسية لقانون قيصر هي فرضه لعقوبات على مؤسسات وأفراد من دول عدة بخلاف الولايات المتحدة لها أنشطة اقتصادية مع سوريا، ويُسمى هذا بالعقوبات الثانوية. لذا، بدلاً من استهداف الشركات الأميركية أو أفراد أميركيين لهم علاقات عمل تجاري في سوريا، فقد نص القانون على ملاحقة شركات من روسيا والصين مثلاً، تربطها بالمؤسسات السورية علاقات أعمال تجارية، وهي المؤسسات الخاضعة لعقوبات و/أو ناشطة بقطاعات معينة.

قبل قانون قيصر، كانت هناك عقوبات ثانوية مفروضة على سوريا. فالأوامر التنفيذية رقم 13582 بتاريخ 17 أغسطس/آب 2011 ورقم 13608 بتاريخ 1 مايو/أيار 2012 على سبيل المثال، تسمح للرئيس الأميركي بفرض عقوبات على أشخاص أجانب، أي أفراد ومؤسسات غير أميركيين، يتعاملون مع الكيانات السورية الخاضعة للعقوبات الأميركية.

في الواقع، قلما تم تنفيذ هذه التدابير. أحد حالات تنفيد القرار كانت حالة مصرف “تيمب بنك” الروسي الذي تم إدراجه على قوائم العقوبات في 2014 بعد تقديمه ملايين الدولارات لمصرف سوريا المركزي، وشركة “سيترول” الحكومية لتسويق النفط، علماً بأن المصرف المركزي وشركة تسويق النفط يخضعان لعقوبات أميركية.

لكن بينما تمكّن الأوامر التنفيذية الرئيس الأميركي من إنزال عقوبات بمؤسسات وأفراد معينين، فهي لا تُلزمه بهذا. السمة الرئيسية لقانون قيصر هي أنه يُلزم الرئيس الأميركي بإنزال عقوبات ثانوية معينة.

ورد في القانون تحديداً الأعمال التالية:

  • العقوبات على الأشخاص الأجانب الذين يقدمون دعماً كبيراً إلى – أو تعاملات مالية كبيرة مع – الحكومة السورية أو القوات العسكرية أو المتعاقدين الذين يتصرفون لصالح سوريا أو روسيا أو إيران.
  • عقوبات على الأفراد الأجانب الذين يبيعون أو يوفرون:
    • كميات يعتد بها من السلع أو الخدمات أو التقنية أو المعلومات التي تيسر من أو توسع نطاق الإنتاج النفطي السوري الحكومي المحلي.
    • طائرات أو قطع غيار أو خدمات أخرى تستخدمها القوات العسكرية المرتبطة بالحكومة السورية؛ أو
    • خدمات البناء أو الهندسة لصالح الحكومة السورية.

كذلك يطالب القانون وزارة الخزانة الأميركية بتحديد ما إذا كان مصرف سوريا المركزي مؤسسة مالية يُخشى قيامها بغسيل الأموال، وإن كان كذلك، فهو يطالب الوزارة بفرض عقوبة أو أكثر تتسق مع القوانين الأمريكية، بما يشمل زيادة حجم المراقبة لعمليات المصرف.

العقوبات التي يمكن فرضها على الأشخاص الأجانب تشمل تجميد أصولهم بالولايات المتحدة، وبالنسبة للأفراد أيضاً فمن الممكن فرض حظر على دخولهم الولايات المتحدة. كذلك يسمح القانون للرئيس الأميركي بتعليق بعض أو جميع العقوبات مع توفر شروط معينة، ويجدر بالذكر منها: إذا كفّ العنف ضد المدنيين.

الشركات المستهدفة

يُرجح أن يشهد قانون قيصر خلال الشهور المقبلة زيادة في عدد الشركات والأفراد المدرجة والمدرجين على القوائم السوداء الخاصة بالإدارة الأمريكية، بسبب نشاطهم في سوريا. على سبيل المثال، هناك شركتان روسيتان وقعتا في سبتمبر/أيلول 2019 عقوداً بالتنقيب عن النفط والغاز، وهما “ميركوري” و”فيلادا”، وقد تصبح هاتان الشركتان ضمن الشركات الموقعة عليها جزاءات بسبب الإسهام في الإنتاج النفطي السوري.

ويمكن أن تتضرر أيضاً الشركات التي تسهم في إعادة إعمار سوريا، ومنها شركات هندسية وإنشائية من روسيا وإيران والإمارات والصين ولبنان.

يُعد عدد الشركات الأجنبية الناشطة في سوريا قليلاً للغاية، والشركات الإيرانية – وبعض الشركات الروسية – قد تكون غير مراعية لتهديد العقوبات لأنها إما تعمل في بيئة مثقلة بالعقوبات بالفعل، كما هو الحال بالنسبة إلى الشركات الإيرانية، أو لا تخطط لعمليات وأنشطة مع شركات غربية أو أميركية.

هناك شركات بدأت بالفعل في اتخاذ بعض الاحتياطات. على سبيل المثال، وراء حقيقة أن شركتي النفط الروسيتين “ميركوري” و”فيلادا” مغمورتان لم يسمع بهما أحد من قبل، هو أنها شركات تعمل كواجهة لمصالح روسية أخرى تحاول حماية نفسها من غضب الإدارة الأميركية.

العواقب قصيرة وطويلة الأجل

على المدى القصير، من المهم ألا نبالغ في تقدير أثر قانون قيصر على الاقتصاد السوري، الذي يتضرر حالياً بالفعل من عوامل أخرى كثيرة، منها العقوبات الغربية القائمة. إن عدد الشركات الأجنبية الناشطة في السوق منخفض للغاية، ولا يوجد في المناخ السياسي والقانوني والتجاري السوري القائم ما يشجع على اهتمام كبير من الأطراف الأجنبية على أية حال.

لم يؤد صدور القانون إلى حالة من الذعر في دمشق، ولم يكن له أثر محدد على قيمة الليرة السورية، رغم أن أغلب تجار العملة أخذوا صدور القانون في الاعتبار عند تسعيرها. خلال الشهور المقبلة، من المرجح على سبيل المثال أن يكون للأزمة المالية اللبنانية أثر أكبر على الاقتصاد السوري، مقارنة بقانون قيصر.

لكن على المديين المتوسط والطويل، فالوضع مختلف. حقيقة أن القانوني ستهدف قطاع الإنشاءات يعني الإضرار بأي جهود – ولو محدودة – لبدء أنشطة إعادة الإعمار.

يُرجح أن هناك بعض الشركات الإماراتية التي تأمل في ترجمة التقارب في العلاقات مؤخراً بين دمشق وأبوظبي إلى فرص افضل لها، ولقد تم إجراء زيارات متبادلة من رجال أعمال في البلدين.2 ربما كانت شركات الإنشاءات اللبنانية بدورها تأمل في الاستفادة من بعض أعمال إعادة الإعمار، ولو كانت محدودة. العديد من هذه الأطراف ستعيد النظر في خططها الآن. بالمثل، من المرجح أن تضعف في المستقبل المصالح الصينية في الاقتصاد السوري، وهي ليست كبيرة في الوقت الحالي أصلا.

إذن، ففي حين تعد الآثار قصيرة الأجل محدودة، فإن قانون قيصر سوف يحدّ من أي مصالح للشركات والمؤسسات الأجنبية في الاقتصاد السوري في المستقبل الأبعد، ويرجح أن يؤدي القانون إلى وأد الفرص المحدودة المتبقية لإعادة الإعمار على نطاق واسع في سوريا.

العواقب الوخيمة المحتملة لجائحة الكورونا

في 22 مارس/آذار، أعلنت الحكومة السورية عن أول حالة كورونا في سوريا، وفرضت حظراً على المواصلات العامة مع تصعيدها لإجراءات العزل، واشتملت على إغلاق المدارس والمطاعم ومختلف المؤسسات العامة.

المقلق بصفة خاصة في حالة سوريا هو الحالة المزرية لنظام الرعاية الصحية السوري، الذي نالت منه تسع سنوات من النزاع، واستهداف النظام والقوات الجوية الروسية له بشكل خاص. طبقاً لبعض التقديرات، فإن ما يناهز 50% من المستشفيات العامة في سوريا أصبحت خارج الخدمة. كما أن هناك عجزاً في المعدات الطبية والأدوية، في حين تراجع عدد العاملين بالمجال الطبي بسبب الهجرة.

وهناك خطر جسيم آخر ينبع من الكثافة السكانية العالية للغاية في مخيمات اللاجئين والنازحين داخلياً، فضلاً عن الازدحام الشديد في المراكز الحضرية في سوريا، نتيجة لتدمير عدد هائل من البلدات والمدن، جراء القصف الحكومي بشكل خاص، ما قلل كثيراً من عدد الوحدات السكنية مقارنة بمتوسط عدد من يعيشون في كل بيت. كما يعد نقص وعدم توفر مرافق الصرف الصحي والنظافة الشخصية في عدة مناطق سبباً للقلق.

وكما هو الحال في دول أخرى، فالعواقب الاقتصادية والاجتماعية للجائحة يُرجح أن تكون هائلة.

بحلول أواسط مارس/آذار زادت أسعار المستلزمات الطبية الباهظة بالفعل، لدرجة كبيرة، ورغم مطالبة الحكومة للشركات الحكومية والقطاع الخاص بزيادة الإنتاج للأجهزة والمنتجات الطبية، فمن غير المرجح أن تلبي الشركات بإنتاجها الاحتياجات القائمة.

سوف يضعف أكثر الطلب الاقتصادي الكلي، وهو منخفض حالياً بالفعل، إذ أن جميع قطاعات النشاط التجاري تقريباً قد تضررت، لا سيما قطاعات تجارة التجزئة والنقل والسياحة، فغياب السياحة مثلاً سيؤدي إلى إيقاف مصدر نادر من مصادر العملة الصعبة في سوريا. في الوقت نفسه، سوف تظهر الحاجة إلى إعادة توزيع الموارد الحكومية المحدودة وزيادة مخصصات القطاع الصحي، من أجل تخفيف آثار الجائحة، بدلاً من الإنفاق على قطاعات ضرورية وهامة أخرى.

حتى قبل توثيق الإصابات الأولى بالفيروس رسمياً، راحت الليرة السورية تستأنف رحلتها في السقوط أمام الدولار، ما يعكس العصبية والتوتر المسيطران على سوريا بالفعل. بين 1 و18 مارس/آذار ارتفع سعر الدولار 10 بالمئة في السوق السوداء، وأصبح يُباع بـ 1175 ليرة، مقارنة بـ 1070 ليرة في 1 مارس/آذار.

الوضع الصعب المُنتظر للاقتصاد والمجتمع السوريين

يبدو المستقبل القريب مظلماً للغاية بالنسبة إلى المجتمع والاقتصاد في سوريا.

إذ أن عواقب الأزمة اللبنانية لم يتم الشعور بكامل آثارها بعد، وسوف تكون حادة وكبيرة. إلى الآن، يبدو أن الاقتصاد السوري ليس أمامه بدائل فيما يتعلق بالحصول على الدولار الأميركي وتوفير الواردات المطلوبة.

أما بالنسبة لفيروس الكورونا، لم تقدم الحكومة بعد أية تقديرات بآثار الجائحة على الاقتصاد أو على سلامة وصحة السوريين، لكن بناء على الوضع القائم، يبدو الأمر مقلقاً للغاية. هناك عدد كبير للغاية من السوريين عرضة للخطر، والنظام الصحي يبدو غير لائق بالمرة لمواجة تحديات هذه الجائحة.

يعاني السكان من الإجهاد البالغ، ومن تصاعد معدلات الفقر والغضب واليأس، وهي المعدلات التي ستزيد وتترسخ أكثر. وفي حين يمكن للنظام الاعتماد على روسيا وإيران لمساعدته عسكرياً، فليس بوسع هؤلاء الحلفاء الكثير لتقديمه على الصعيد الاقتصادي.

بينما يتوقع البعض أن هذه الصعوبات ستؤدي إلى اضطرابات، تدفع في النهاية نحو اتساع رقعة التظاهر، فهذه مجرد تخمينات، وعلى كل حال، فمن غير المرجح أن تكون لها عواقب سياسية تُذكر على النظام.

سوف يبقى السكان السوريون مع هذه الأوضاع معتمدين للغاية على الجهود الإنسانية الدولية. ونظراً لضغوط فيروس كورونا على الوضع المالي للدول المانحة الكبرى، أصبح مستقبل المساعدات الدولية الإنسانية في حد ذاته على المحك.

الزمن وحده هو الذي سيخبرنا إن كان النظام سيشعر بالحاجة إلى تقديم تنازلات لتخفيف عزلته الاقتصادية. لكن إذا رأينا أن الماضي مؤشر يمكن القياس عليه، فمن غير المرجح أن يتأثر النظام بمعاناة شعبه.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s