اقتصاد الحرب السوري

بعد ثلث سنوات على الصراع السوري الذي أودى بحياة حوالي ١٤٠٠٠٠شخص على القل، انهارت معظم قطاعات القتصاد السوري. مع توسع العنف وفرض العقوبات، تم تدمير الوارد والبنى التحتية. وانهار النتاج القتصادي، وفر الستثمرون من البلد. تتخطى نسبة البطالة الخمسي في الائة، ونصف السكان أصبحوا تحت خط الفقر. أما التضخم في أسعار الغذاء فقد ارتفع فوق الائة في الائة، ويتناقص بشكل كبير احتياطي العملت الجنبية الذي تم تجميعه خلل فترة الفورة النفطية القصيرة في التسعينات، كماأنّ العجز في الوازنة ارتفع من ٣% من الناتج الحلي الجمالي في ٢٠١٠ إلى ٣٣% اليوم. كذلك تراجع مؤشر التنمية البشرية إلى العدل الذي كانموجوداً قبل ٣٧عاماً.

يقدرأنّه حتى مع النمو السنوي العام الذي يوازي ٥ % سيتطلب المر ٣٠ سنة كي يعود الناتج الحلي الجمالي في سوريا لرقام العام ٢٠١٠.

يحاجج هذا القالبأنّه في ظلكلّ ما يحصل نجد أنفسنا أمام اقتصاد حرب يرسخ نفسه في البلد، خصوصاً في الناطق التي تسيطر عليها العارضة، مما يخلق شبكات اقتصادية ونشاطات تجارية جديدة هامة تعتمد على العنف الستشري في البلد للستمرار. يقوم اقتصاد الحرب هذا بخلق محفزات جديدة لن يستغلون الحرب للكسب الادي من أجل إطالة أمد هذه الحرب. تعتاش قطاعات هامة من القتصاد اليوم وتستمر بفضل الصراع، وتخلق شبكة واسعة من الشخاص والجموعات الذي ل مصلحة لديهم بانتهاء النزاع. لكن في الوقت نفسه، يتفتت القتصاد السوري مع انقطاع الناطق التي يسيطر عليها النظام وتلك التي تسيطر عليها العارضة عن بعضها البعض. ومع بروز مصالح ومراكز قوى جديدة، أصبح من الصعوبة بمكان تخيل العودة إلى الدولة الركزية القوية التي كانت موجودة قبل النزاع.لكنّ هذا التفتت قد يكون جزء من الحلخصوصاً كطريقة للعمل باتجاه توافق وطني من أسفل الهرم حتى أعله.

أربع مراحل من النهيار

بعد اندلع الصراع في ٢٠١١، تراجع القتصاد السوري على أربع مراحل. الرحلة الولى كانت مباشرة بعد بدء النتفاضة، وشهدت اختفاءسريعاً للسياح، وخسارة كبيرة للثقة الحلية ما أدى إلى تراجع سريع في الستهلك والستثمار. في أيار ٢٠١١، بعد شهرين فقط على أول تظاهرة، تراجعت نسبة إشغال الفنادق في البلد، وتراجع عدد التراخيص الستثمارية التي أصدرتها “وكالة الستثمار السورية” في النصف الول من عام ٢٠١١ بنسبة ٤٣% مقارنة بالفترة نفسها من العام ٢٠١٠.رداً على ذلك، قامت الحكومة برفع الرواتب في القطاع العام، وخفضت من أسعار وقود التدفئة الدعومأصلً. في أيلول ٢٠١١، منعت الحكومة استيراد كل البضائع التي تترتب عليها رسوم جمركية تفوق ٥%، وذلك من أجل توفير ما يوازي الستة مليارات دولر من العملت الجنبية،لكنّها تراجعت عن القرار بعد ١٢يوماً إثر اعتراض من رجال العمال. بدأت الرحلة الثانية في خريف العام ٢٠١١ مع فرض عقوبات غربية،

مجملها أوروبي، على صادرات النفط الخام السوري، ما عزز العزلة الدولية للقتصاد السوري. لقد كان التحاد الوروبي السوق الكبر للخام السوري الثقيل، في عام ٢٠١٠ اشترى حوالي ٩٠% من كل صادرات النفط السورية التي كانت تشكل ٩٠% من كل عائدات سورية من العملت الجنبية. بالتالي، أدت العقوبات إلى هبوط حاد في العائدات الالية. كماأنّ العقوبات الخرى عرقلت الصفقات الدولية: أصبح العديد من الؤسسات الحكومية مثل الصرف الركزي، والصرف التجاري السوري، ومؤسسة النفط السورية على اللئحة السوداء، ومنعت وزارة الخزانة الميركية تقديم أي نوع من الخدمات للقطاع الصرفي السوري، ما أجبر الصارف السورية على اللجوء إلى استخدام عملت أخرى غير الدولر في معاملتها. كذلك فرض كل من التحاد الوروبي والوليات التحدة عقوبات على عدد كبير من الشخاص السوريي، ومن ضمنهم أهم رجال العمال في البلد.

بحلول نهاية العام ٢٠١١، كان الصرف الركزي السوري قد استخدم أكثر من ثلث احتياطه من النقد الجنبي، الذي وصل إلى ١٤ مليار دولر في كانون الول ٢٠١١. لم يعلن الصرف عن حساباته وودائعه منذ ٢٠١١، لكن تقدر احتياطات النقد الجنبي اليوم بما بي مليارين وخمسة مليارات دولر أميركي. لكن، في بداية العام ٢٠١٣، استطاعت الحكومة السورية الحصول على مساعدة من إيران لتمويل الستيراد،وخصوصاً تلك الخاصة بالواد النفطية. هكذا لم يتم تحقيق الهدف العلن للعقوبات الغربية – أي إجبار النظام على القبول بالصلح السياسي.قلّة من الستثمرين الذين وجدوا أنفسهم على اللئحة السوداء انتقلوا إلى صفوف العارضة. في الحقيقة،فإنّ العديد من الستثمرين الذين وجدوا أنفسهم على اللئحة السوداء مقربونجداً من النظام السوري، بسبب الضرورة التجارية أو علقات شخصية، وليسوا مهتمي بإنهاء هذه العلقات.

بدأت الرحلة الثالثة من انهيار القتصاد السوري في صيف العام ٢٠١٢، مع توسع الصراع ليشمل قلع القتصاد السوري أي دمشق وحلب، اللتان تشكلن سوية ٥٠% من القطاع الصناعي في البلد. لقد تأثرت القاعدة الصناعية لهاتي الدينتي بشكل كبير بالعنف الدائر في البلد،خصوصاً في مدنية حلب، ما أوقفتقريباً كل الصادرات الصناعية. لقد كان هذا التوسع في العنفجزءاَ من انهيار أكبر في حكم القانون والنظام مع تزايد التقارير عن الخطف والنهب،خصوصاً في منطقة حلب. أدى ذلك إلى هجرة واسعة للقطاع الصناعي والطبقة الوسطى، إلى تركيا ودول الجوار، حيث يمكن أن يبقوا لفترات طويلة.

أخيراً، بدأت الرحلة الرابعة في ربيع العام ٢٠١٣ مع استيلء العارضة على شمال شرق سوريا، حيث توجد أغلب موارد النفط والحبوب. أدى ذلك إلى انقسام بي الجزء الغربي من البلد (الذي يسيطر النظام عليه ) والجزء الشرقي منها (الذي تسيطر عليه العارضة ). دفعت خسارة الشمال الشرقي الحكومة لزيادة اعتمادها على النتوجات النفطية الستوردة وبالتالي على داعميها الدوليي. من أجل التحايل على العقوبات وتمويل عمليات الستيراد تلك،أمّنت إيران وبشكل أقل روسيا، قروضاميسّرلة، وحتى انها نقلت النفط الى سورية في حاملتها الخاصة. في خلل هذه الرحلة، انهار سعر صرف الليرة السورية إلى أكثر من ٣٠٠ مقابل الدولر الواحد، رغمأنّه عاد وارتفع إلى حوالي ١٥٠ بعد قرار الوليات التحدة عدم توجيه ضربة عسكرية على سوريا.

مرونة في مناطق النظام

رغم الدخول في دوامة الصراع والنهيار القتصادي الكبير،فإنّ أغلب الناطق التي تقع تحت سيطرة النظام – مع استثناء حلب وبعض مناطق حمص – ل تزال تتمتع بالعديد من الخدمات العامة البسيطة مثل الاء، والكهرباء، والتعليم والخدمات الصحية، وكذلك يوجد فيها السلع الساسية مثل الخبز والخضار والفواكه، وكذلك البنزين وغاز التدفئة. حتى أنّه من السهل الحصول على بعض السلع الستوردة مثل الرز والسكر.

هذا التحسن في الناطق التي يسيطر عليها النظام يمكن تفسيره بعدة عوامل.أولً، لقد أدى التراجع في الطلب العام – وهو نتيجة للتراجع في القدرة الشرائية للشعب وفي النشاط القتصادي وانخفاض عدد السكان بنحو ١٥% – أدى إلى تسهيل عمل الحكومة في الستمرار بتأمي السلع والخدمات الساسية.ثانياً، لقد ساهم التراجع في قيمة الليرة السورية بزيادة قيمة احتياطات النقد الجنبي.ثالثاً، اتخذت الحكومة إجراءات مثل زيادة التعرفة الجمركية على السيارات الستوردة من أجل الحفاظ على احتياطات النقد الجنبي – النفاق على استيراد السيارات يمثلواحداً من أهم مصادر الطلب على العملة. كذلك سارعت الحكومة إلى تخفيض النفاق الحكومي العام، مثل النفقات الكتبية، والوقود للسيارات الحكومية، والستثمار كذلك مثل بناء مدارس أو مستشفيات أو طرق أو أنظمة صرف صحي جديدة، وكل ذلك كان يشكل ما بي ثلث ونصف النفاق الحكومي.

كذلك استفادت سورية من ثروتها النسبية في الوارد الطبيعية واقتصادها التنوعتاريخياً. كما لعب النتاج الزراعي الجيد خلل سنوات النتفاضة الثلثدوراًأساسياً في تأمي الخزون الغذائي للمدن. كذلكفإنّ تموين مصانع إنتاج الكهرباء من الغاز الطبيعيالصنّعمحلياً والستخرج من الحقول الوجودة في مناطق نفوذ النظام ساعد في التقليل من فترات النقطاع الكهربائي.

في الوقت نفسه، لقد حصلت الحكومة على دعم كبير تمثل بالساعدة الالية الكبيرة من حلفاءها الحليي والجنبيي. داخل سورية، حصلت الحكومة على مساعدة ومساندة من رجال العمال الذين يرتبطون مع النظام بشبكة مصالح كبيرة،وخصوصاً أقرباء عائلة السد، مثل رامي مخلوف الذي يعتبر أقوى وأثرى رجل أعمال في البلد. وقد ساهم رجال العمال هؤلء في الجهد الحربي الخاص بالنظام، عبر الساعدات الادية الباشرة، أو الساعدات العينية.

يقالمثلًإنّ النظام تلقى مبالغ مالية كبيرة من اثني من رجال العمال وهما محمد حمشو وهو صهر ماهر السد، شقيق الرئيس السوري، ويعمل في قطاعاتعدّة منها التجارة والصناعات العدنية، والنتاج التلفزيوني، وكذلك سمير حسن، الوكيل السابق لشركة نستله في سوريا. كذلك قيلإنّ أصحاب شركات النقل وضعوا حافلتهم بتصرف الجيش لنقل الجنود.

لكن ل يمكننا القولإنّ كل قطاع العمال توحد وراء النظام. على العكس، لقد ساند العديد من رجال العمال العارضة. في صيف العام ٢٠١١، شاركت غرف التجارة في كل من حمص ودرعا ودير الزور بشكل أو بآخر في الضرابات التي دعا إليها الناشطون العارضون، فيما شارك بعض رجال العمال في دمشق في الضراب الذي حصل في كانون الول من ذلك العام. بعض أبرز الشخصيات في قطاع العمال أبعدت نفسها عن النظام من أجل تجنب أي نتيجة سلبية في موضوع العقوبات الدولية، وقد خسرت بذلك صفقات مالية كبيرة وواجهت عقاب النظام الذي أتى على شكل تجميد للصول أو محاكمات باتهامات واهية. لكن قدرة النظام على تأمي مساندة جزء كبير من قطاع العمال عززت من دون شك موقعه. كما من الفيد الشارة إلىأنّ الساعدات الالية للمعارضة كانت ستفيد النظاملنّهاضُخٌت في القتصاد العام للبلد.

كذلك، استفاد النظام من الساندة القتصادية الخارجية. كان للمساعدة اليرانية أهمية خاصة – وهي جزء من التغيير الكبير في العلقة بي الطرفي في السنوات الاضية. في العام ٢٠١٠، كانت التجارية بي الدولتي تصل إلى ٣١٦ مليون دولر، وفق مصادر رسمية سورية، وهي أقل بكثير من الستوى الذي كانت عليه مع الدول التي تدعم اليوم بشكل كبير العارضة. في ذاك العام نفسه، كانت التجارة مع السعودية تبلغ ٣،١ مليار دولر و ٣،٢ مليار مع تركيا.

ومؤشر آخر أيضا حصل في نهاية العام ٢٠١٠، فقد فتحت الحكومة السورية الباب أمام مناقصة دولية لنح الرخصة الثالثة للهاتف الخلوية في البلد. ومن بي الشركات الست التي تقدمت وهي “اورانج” من فرنسا، و”توركسيل” من تركيا، و”كيوتل” من قطر، و”تلكوم” من السعودية، و”اتصالت” من المارات العربية التحدة، و”توسعه اعتماد مبي” من إيران، استبعدت الحكومة الشركة اليرانية فحسب، وهي التي قيل وقتهاإنّها مرتبطة بالحرس الثوري اليراني.

لكن في بداية تموز ٢٠١١، ظهرت تقارير عن مساعدة إيرانية محتملة بقيمة ٨.٥ مليار دولر أميركي على شكل مال نقدي ونفط لنظام السد. ثم في العام ٢٠١٣ منحت إيران قرضيميسّرين لدمشق قيمتهما ٣.٤ مليار دولر أميركي. الول بقيمة مليار دولر كانمخصصاً لتمويل الستيراد والخر لتأمي موارد النفط.

كذلك، يعتقدبأنّ روسيا تؤمن مساندة مالية واقتصادية لدمشق، لكن حجم هذه الساعدة غير واضحتماماً.

احد جوانب التعاون بي البلدين كان محاولة التحايل على العقوبات الوروبية والميركية،خصوصاً على الصارف الرسمية السورية، والنظام الالي بشكل عام. في كانون الول من العام ٢٠١١، بعد أسابيع من العلن عن هذه العقوبات، فتح الصرف الركزي السوري حساباتعدّة بالروبل في مصارف روسية هي VTB، و VEB، و”غازبروم بنك”. استخدمت هذه الحسابات من أجل إيداع الصول التي سحبتها الصارف السورية الرسمية من الؤسسات الالية الوروبية.

في هذا الوقت، قدمت النظمات النسانية الدولية مساعدة اقتصادية كبيرة، بعد أن منعت دمشق عملها إل في الناطق التي تسيطر عليها، ومنعت على سبيل الثال دخول الساعدات عبر الحدود على مناطق العارضةشمالً. هذه الساعدة التي قدمتها النظمات الدولية إلى جانب أهميتها لن حصل عليها، فقد ساعدت على تخفيف عبء عدد من السؤوليات عن كاهل الحكومة. طلبت المم التحدة مساعدات في العام ٢٠١٤ بقيمة ٥،٦ مليار دولر أميركي لسورية، وحتى لو لم تتمكن من جمع البلغكاملً،فإنّه من الرجح أن تقوم الحكومة بوضع مسؤولية الحاجات النسانية للعشب على عاتق المم التحدة، ومنظمات إغاثة أخرى.

بروز اقتصاد الحرب

إذا حافظت السلطات السورية على سياستها بتخفيض النفقات لقل حد ممكن، واستمرت في تلقي الساندة الالية من الحلفاء الحليي والدوليي، تمكنت من الستمرار في دفع الرواتب وتأمي موارد السلع الساسية لؤيديها. لكن الناطق التي تسيطر عليها العارضة وتشكل اليوم ما بي ٣٠ إلى ٤٠ في الائة من البلد، لم تعد لديها أي مؤسسات رسمية، رغمأنّ الرواتب الخاصة بموظفي الدولة ل تزال تدفع. في هذه الناطق، ل يوجد كهرباء، وتختفي السلع، وتوقفتتقريباً كل النشاطات القتصادية الرسمية، ول يتم تعليم الولد ول يتلقون في معظم الحيان لقاحات، وينتشر الفقر والجاعة بشكل واسع.

في هذه الفوضى النتشرة في الناطق التي تسيطر عليها العارضة، برز اقتصاد حربي يؤثر على تطور الصراع وعلى الفترة التي ستلي الحرب. مع انهيار المن، تكون اقتصاد جديد قوامه النهب، والخطف، والتهريب مصدراًمهماً للدخل. تبرز شبكات جديدةكلياً،وأحياناً غير شرعية، وتزداد قوة بعض الجموعات والفراد على حساب الطبقة القتصادية التقليدية. في حلب على سبيل الثال، تم الستيلء على أصول مئات الصانع، وبيعت في مناطق أخرى في البلد أو في جنوب تركيا. في هذا الوقت،طوّر الشمال الشرقي، بموارده الكبيرة من الزراعة ومصادر الطاقة،طوّر حياة اقتصادية خاصة به مع تنامي تجارة نفطية نشطة وإثراء طبقة جديدة من الشايخ القبليي والقادة العارضي.

إنّ توسع اقتصاد الحرب في هذه الناطق عززه الصراع بي فصائل العارضة من أجل السيطرة على مصادر مالية مربحة، مثل الحواجز، وحقول النفط، وإهراءت القمح. لقد كان الصراع على حقول النفط في الشمال الشرقي دموياً،خصوصاً مع دخول فصائل مرتبطة بتنظيم “القاعدة” وقبائل عربية وميليشيات كردية وفصائل محلية في العركة من أجل السيطرة. كانت “جبهة النصرة” و”الدولة السلمية في العراق والشام” (داعش) الكثر فعالية في إدارة مواردهما. ويسيطر التنظيمان الن على العديد من حقول النفط في منطقة دير الزور. كذلكفإنّ داعش استولت على مطاحن تنتج ما يكفي من القمح لطعام مليون شخص في اليوم، واستغلت احتكارها ذاك لجني الرباح.

يكم مصدر آخر للربح للفصائل العارضة في فرض رسوم جمركية عند العابر الحدودية ومراكز التفتيش. على سبيل الثال، يوجد أربع وثلثونحاجزاًأمنياً منتشرة على الطريق بي حلب والحدود التركية التي يبلغ طولها ٤٥ كيلومتراً. في مدينة حلب، حصلت معارك كبيرة بي الفصائل العارضة للسيطرة على حاجز “بستان القصر” الذي يفصل بي الناطق التي يسيطر عليها النظام عن تلك التي تسيطر عليها العارضة، وذلكنظراً إلى الرسوم التي يمكن فرضها على البضائع التي تعبر من هناك. على معبر “باب السلم” على الحدود مع تركيا، فرض “لواء عاصفة الشمال” و”لواء التوحيد” اللذان يسيطران على العبر، فرضا ألف دولر أميركي على كل شاحنة تعبر ابتداء من آب ٢٠١٣. ويقال إنّ “جبهة النصرة” جنتأرباحاً طائلة خلل سيطرتها على الناطق التي تمر فيها أنابيب النفط عبر فرض رسوم عبور،

والسماح للنفط بالستمرار في التدفق إلى الصافي النفطية التي تسيطر عليها الحكومة والوجودة في حمص وبانياس.

كذلك، تبرزفرصٌ تجارية من العارك نفسها. خلل الحصار الذي استمر ستة أشهر لقاعدة “وادي الضيف” قرب إدلب، يعتقدأنّ »كتيبة شهداء سورية « التي ترأسها جمال معروف، أطالت أمد العركة عن قصدلنّها كانت مصدراً للمداخيل من الداعمي الخارجيي. طالا كانت العركة مستمرة كان قائد الجموعة يحصل على مساعدات من مانحي خليجيي لساعدته على إنهاء العركة لصالحه. في الوقت عينه، قيلإنّ قادة العارضة كانوا يحصلون على رشاوى من قبل النظام للسماح له بإدخال الؤن لرجاله في داخل القاعدة.

في الوقت عينه، يمكن رؤية أمثلة عن اقتصاد الحرب هذا في الناطق التي يسيطر عليها النظام، حيث بقيت بعض مظاهر السلطة الركزية. العتماد التزايد للنظام على اليليشيات اجبره على منحها استقللية وقوة محلية متزايدتي، ما يعطيهم الحرية لنهب وسلب الناطق التي تنتقل سيطرتها من العارضة إليهم، وبشكل أقل الناطق التي تقع تحت سيطرتهم الباشرة. في اللذقيةمثلً،حَكَم هلل السد، وهو أحد أقرباء الرئيس السوري، الدينة لشهور ولجأ إلى الخطف لتمويل عملياته. في مدنية حمص، وفي أماكن أخرى، برز سوق للسلع التي سرقت من مناطق العارضة (ويطلق عليه اسم “سوقالسنّة”لنّ الناطق التي تسيطر عليها العارضة يقطنها أغلبية سنية ).

لقد ساهمت العقوبات الغربية بشكل غير مقصود في تطوير اقتصاد حرب. أجبرت العقوبات الفروضة ضد كيانات رسمية ومستثمرين معروفي، أجبرت السلطات على السعي وراء وسائط جديدة لعملياتها الدولية، مما منحأفراداً جدداً الفرصة للثراء. الحكومة تمنح العقود لحد الوسطاء الذي سيفتح شركة في سوريا باسم ل عقوبات عليه، أو شركة واجهة في لبنان. لخفاء تفاصيل هذه العمليات، تستخدم هذه الشركةسمساراً يتعاقد بشكل مباشر معالزوّدين ويصدرأمراً بالدفع من مصرف خارج سوريا في الغالب. في كل واحدة من هذه الراحل، يتم فرض رسوم جمركية، وهوامش جديدة للربح، ما يؤدي الى ربح كبير للوسيط، وارتفاع في سعر السلعة. العقوبات تسمح بالتالي لزبانية النظام بإثراء نفسها على حساب مؤسسات الدولة، مع ارتفاع سعر السلع الساسية للشعب. بعبارات أخرى، تعزز العقوبات عناصر من النظام السوري على حساب الدولة وشعبها.

الهبوط في قيمة الليرة السورية خلقفرصاً جديدةأيضاً.غالباً ما تتقلب بنسبة تصل إلى أكثر من عشرة في الائة من قيمتها في اليوم الواحد، ويعود ذلك إلى مضاربي معروفي مقربي من النظام، ويستفيدون من الفرق بي السعر الرسمي وسعر السوق السوداء لليرة، ليجنوا أرباحا طائلة. لكن الضاربة في هذا القطاع الربح تبقى خطرة.

في تشرين الول ٢٠١٣، قام الصرف الركزي السوري بإغلق شركة زهير سحلول وهو تاجر عملت يعرف باسم “ملك” سوق تبادل العملت، وينسب إليه إنقاذ الليرة السورية في العام ٢٠٠٥ بعد الهبوط في سعرها اثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السبق رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان.

تفكك القتصاد السوري

إلى جانب نمو أشكال جديدة من العمال بسبب الصراع، نشهدأيضاً ظاهرة تفكك القتصاد السوري.إنّ الناطق التي تقع تحت سيطرة النظام السوري – أي الدن الساسية إلى جانب الساحل ومحافظة السويداء في الجنوب – لم تعد موصولة ببعضها البعض. تسيطر الجموعات الكردية السلحة على الشمال الشرقي وعلى جيوب أخرى حول حلب، فيما يسيطر على الناطق الباقية في البلد العشرات من كتائب العارضة الختلفة. في الناطق التي يسيطر عليها الثوار في الشمال، يتم استيراد معظم ما يحتاجه الناس من تركيا (أي السيارات، النتجات النفطية، وبعض السلع الغذائية ). كذلك، يتم بيع النفط الذي يستخرجه الثوار وكل النتجات الزراعية عبر تركيا.

في الناطق التي تقع خارج سيطرة الحكومة، تم إنشاء مؤسسات جديدة للهتمام بالحياة اليومية. في الغوطة إحدى ضواحي دمشق، تدير الجالس الحلية حياة الواطني وتؤمن السلع والخدمات. في مدينة منبج تم إنشاء قوة شرطة ونقابة عمالية. في كانون الثاني ٢٠١٤، تم تشريع اللمركزية في الناطق الكردية (وهي كانت تمارس بشكل فعلي منذ وقت طويل ) مع إنشاء “حزب التحاد الديمقراطي الكردي”، القوى على الرض، لجالس إدارية محلية لدارة الحياة اليومية في ثلث مناطق رئيسة تقع تحت سيطرته، في محيط مدينة القامشلي في شمال البلد الشرقي، وفي جيبي شمالي حلب. في آذار ٢٠١٤، تم العلن عن إنشاء “الجلس العلى للدارة الحلية” وهو تجمع لجالس محلية.

رغمأنّ هذا التجمع كانواحداً من مجموعة أعلن عنها في السنتي الاضيتي، أكد ذلك ترسيخ موضوع اللمركزية. في البيان الذي أعلن من خلله إنشاء الجلس، وردت عبارات عن سعي الجلس للعمل من أجل نقل سورية “من الدكتاتورية الركزية إلى الحرية اللمركزية”.

كانت خسارة الشمال الشرقي لصلحة العارضة في ربيع العام ٢٠١٣ مسألة حساسة بالنسبة للنظام،نظراً إلىأنّ النطقة تحتوي على ثورة البلد من النفط وجزء كبير من موارده من الحبوب والياه.رداً على الخسارة، سعى النظام إلى إعادة توجيه الوارد القتصادية لناطق أكثرأماناً في البلد. أعلنت الحكومة عن مشاريع جديدة في الناطق الساحلية الكثرأماناً وشجعت الستثمرين على النتقال إلى هذه الناطق. تضمنت هذه الشاريع إنشاء مطار مدني في طرطوس (رغم وجود مطار في اللذقية القريبة )، وعدد من الكليات الجامعية، ومصنع لعالجة النفايات الصلبة، ومركز لعالجة التبغ. كذلك، تم توسيع النطقة الحرة في اللذقية من أجل استيعاب الستثمرين الجدد. وفي كانون الثاني ٢٠١٣، استلمت الحكومةقرضاً من إيران لبناء مصنع لنتاج ٦٥٠ ميغاوات من الكهرباء في النطقة الساحلية.

إذا تحققت هذه الشاريع، وهو أمر غير مؤكد، ستزيد من جاذبية الساحل وتمنح النظام قاعدة اقتصادية بديلة للتعويض عن الخسائر في أماكن أخرى.

تزامناً مع هذه التطورات التي تساعد على زيادة اللمركزية،فإنّ قوات العارضة تلقتدعماًخارجياًمهماً لتعزيز استقلليتها وسيطرتها على الراضي التي انتزعتها من النظام. أتى هذا الدعم بطريقتي: مساعدات إنسانية للتخفيف من معاناة الشعب وقد تم تقديمها من دول إقليمية ومنظمات دولية ومغتربي سوريي ومتبرعي من دول الخليج؛ ومساعدة عسكرية، قدمتها بشكل أساسي دول الخليج،وتحديداً قطر والملكة العربية السعودية وتركيا، وكذلك ممولون أغنياء من الكويت والسعودية. وككل العلومات التعلقة بالناطق التي تسيطر عليها العارضة، من الصعوبة بمكان قياس حجم وكيفية توزيع هذه الساعدات.

إنّ كمية التبرعات من قبل الجمعيات الخاصة في الخليج، والتي تصل عبر شبكات غير رسمية،تعقّد الهمة.

على عكس الطرف الحكومي، حيث تبقى التبرعات الخاصة محدودة،فإنّ شبكات خليجية كبرىضخّت مئات الليي من الدولرات للمجموعات العارضة. في الكويت وحدها، بلغت الساعدات مئات الليي من الدولرات، رغمأنّ هذه البالغ قد ل تكون كلها من داخل الدولة. شجعت القواني الرنة فيما يتعلق بتمويل الرهاب العديد من التبرعي الخليجيي لتحويل تبرعاتهم من خلل الكويت. وأبعد من تمويل صراع مسلح،فإنّ هذه الموال استخدمت لتمويل مشاريععدّة في مناطق العارضة، مثل الستشفيات وآبار الياه والخابز.

مع تزايد التفكك وتراجع سيطرة الحكومة الركزية على البلد، استمر وجود بعض التفاعل بي الناطق التي يسيطر عليها النظام وتلك التي تسيطر عليها العارضة. في حلب، بعد أن هددت الهيئة الشرعية التي تتحكم بكل نواحي الحياة الدنية بقطع الياه عن مناطق النظام اذا لم تتحسن التغطية الكهربائية، تم التوصل إلى اتفاق بعنوان “الياه مقابل الكهرباء” بي الطرفي. في إدلب، قيلإنّ فصائل معارضة تسيطر على مخزون القمح عقدت صفقة مع مسئولي الحكومة الحليي الذين يسيطرون على أربع مطاحن. في نيسان ٢٠١٣، برزت تقارير عن عقد صفقة بي جبهة النصرة والحكومة لتزويدها بالنفط بعد سيطرة الجبة على عدد من حقول النفط في دير الزور. قد تمثل هذه الرتباطات القتصادية واحدة من وسائل قليلة ملموسة للتفاهمات الشتركة بي الطراف التحاربة.

رغم ذلكفإنّ الستقللية النسبية التي ربحها الفاعلون الحليون تخلق بشكل واضح مصالح قوية ومراكز قوة من الرجح أن تتصارع في الستقبل مع أي حكومة تريد أن يكون لها مقدار السيطرة نفسه الذي كان لدمشق قبل الحرب. سيكون موضوع السيطرة على الوارد الطبيعية، مثل النفط والاء، أو على العابر الحدودية والر، سيكون مصدراً لنافسة مستمرة. أكثر من ذلك،فإنّ العلقة بي الناطق الختلفة والعاصمة، واعتماد كل منها على الخرى، وكذلك مستوى الستقللية التي ستمنح للقوى الحلية ومستقبل الؤسسات التي أنشأت خلل الحرب ستكون كلها مصادر لخلفاتنظراً إلى عدم رغبة أي من الجموعات والناطق التي تعززت قوتهااخيراً بالتنازلطوعاً عما ربحته.

هل من حل؟

بعد ثلث سنوات على بدء النتفاضة السورية، ل يبدو أي حل في الفق. لقدتحوّلت النتفاضة التي بدأت كنداء من أجل حياة أكثر عدالة، وحرية، وكرامة،تحوّلت إلى حرب أهلية مطولة. ومع تطورها، استغل النظام والتمردون الديناميات التغيرة للتأكيد على قدرتهم الستمرة في تأمي الوارد الخاصة بمعركتهم. لقد أصبح عدد متزايد من الشخاص، من طرفي النزاع، يستفيدون بشكل مادي كبير من الصراع الستمر، مما يعطيهمحافزاًقوياً لطالة العركة التي يستفيدون منها. يعتقد اليومأنّ العديد من الكتائب التمردة تركز جهدهاكلياً على عملياتها التجارية، وقدتخلّت عن القتال ضد النظام. بالنسبة لهؤلء، وغيرهمأيضاً من الفراد والجموعات في طرفي الصراع،فإنّ الحرب الستمرة تخلق اليومفرصاً مربحة لجني الال.

في الوقت عينه،فإنّ سيطرة الدولة الركزية قد أصبحت ضعيفة بشكل قاتل، واستولت قوى وفاعلون جدد على السلطة في البلد. لقد تمكنت مراكز القوى الجديدة تلك من تعزيز قوتها عبر قدرتها على الوصول إلى الوارد القتصادية الساسية، مثل النفط في الشمال الشرقي أو العابر الحدودية على الحدود مع تركيا، مماأمنّ لها الستقللية الادية، وساعد على إمساكها بالسلطة الحلية.

لقد كان السلح البرز بيد أوروبا واميركا في هذه الفترة هو فرض العقوبات. ورغمأنّ هذا السلح كان له تأثير مالي هام على تدفق عائدات النظام إلأنّه لم يؤد إلى النتائج السياسية الطلوبة. لقد فشلت العقوبات بشكل كبير في تحقيق أهدافها السياسية، التي كانت تتمحور حول إجبار النظام على القبول بمطالب شعبه. في الوقت عينه، ساهمت العقوبات بشكل أو بآخر في تنمية اقتصاد الحرب، وذلك عبر تعزيز شبكات الوارد الجديدة التي نشأت لتخطي هذه العقوبات. كما منحت العقوبات نظام السدمخرجاً للثمن الشعبي للصراع: فقد كان لها تأثير إنساني عبر اختفاء الوارد وزيادة كلفة استيراد الطعام، والدوية، والنتجات الخرى مثل معدات مصانع تدوير النفايات؛ وكذلك ساهمت العقوبات في تعزيز اعتماد النظام على الفاعلي الخارجييوخصوصاً إيران.

في ربيع ٢٠١٣، قرر التحاد الوروبي، وباعتراف جزئي منه بهذه التأثيرات، رفع حظره على صادرات النفط السوري بشكل جزئي، للسماح بتصدير الخام من الناطق الواقعة تحت سيطرة العارضة. كان الهدف من ذلك خلق مصادر جديدة للعائدات، والتنمية الحلية، في الناطق التي تسيطر عليها العارضة. لكن في المارسة، كان لهذا الجراء تأثير ضعيفلنّ أحد شروط رفع الحظر كان أن تذهب العائدات إلى “الئتلف الوطني”، الجموعة العارضة العترف بها من قبل الغرب، وتتمتع بسلطة شبه معدومة على الجموعات السلحة التي تسيطر على الرض.

تحتاج أوروبا الن إلى التفكير بشكل جدي بنتائج العقوبات. إذ فيما كان للجراءات التي فرضتتأثيراً ل يمكن عكسه، ينبغي على الدول الوروبية تجنب اللجوء إلى الجراء العتمد وهو فرض عقوبات جديدة لغياب أي بدائل، في حي تريد هذه الدول أن تتخذموقفاً اكبر ضد نظام السد ومناصريه.نظراً إلى الكارثة النسانية العاجلة، يجب على الوروبييأنّ يعيدوا تقييم تأثير العقوبات بشكل دوري. إذ فيما يوجد مخاطر جلية يمكن لزبانية النظام الستفادة من ثغراتها، ل ينبغي أن يعرقل ذلك تطبيق “ليبرالي” لنظام العقوبات على أسس إنسانية. بشكل محدد، يجب التفكير بتخفيض الجراءات الخاصة بالعاملت التجارية والصرفية من أجل تسريع وصول الدواء والطعام.

في هذا الوقت، ورغمأنّ الحرب الهلية هي بشكل أساسي صراع من أجل السلطة السياسية،فإنّه على الوروبيي أن يأخذوا بعي العتبار ظهور مصالح اقتصادية قوية أثناء معالجة ما يمكن القيام به لنهاء القتال. بشكل محدد،فإنّ تفتيت القتصاد السوري يجعل من الصعوبة بمكان التفكير بإعادة بناء الدولة السورية الركزية الخاصة بما قبل النتفاضة. مما ل شك فيهأنّ القوى التي ظهرت نتيجة لقتصاد الحرب ستقاوم كل محاولت إعادة بناء سيطرة مركزية في سوريا، ومن الرجح أن تساند هذه القوى تسوية تعتمد بشكل كبير على استقللية سياسية واقتصادية محلية. رغمأنّ العديد من الوروبيي قد يفضلون إعادة بناء دولة مركزية قوية، لكن ينبغي عليهم التفكير بفترة انتقالية قوامها الدولة غير الركزية.

نظراً إلى قوة الفاعلي الحليي التزايدة، يجب على صانعي السياسات الوروبيي العمل أكثر من أجل تعزيز قدرة الجالس الحلية في البلد. بدأت نتائج هذه الجهود بالظهور، وينبغي الستمرار بها بشكل فعال. ل يجب تركيز الجهود كلها في الساعدات النسانية، بل ينبغي التركيز على تأمي وسائل للستدامة الخاصة بهذه الناطق طالا تبقى فكرة الدارة السياسية الجديدة بعيدة. كذلك، يمكن لنظام سياسي غير مركزي جديد أن يكون جزء من الحل للصراع السوري، ويؤمن وسائل الوصول إلى توافق وطني جديد من أسفل الهرم حتى أعله.

نشر هذا  المقال في مجلة بدايات الفصلية في ربيع/صيف 2014

Advertisements

لا إعادة إعمار في سورية

يعلّق المستثمرون والسياسيون، على امتداد الشرق الأوسط، آمالاً كبيرة على إعادة بناء سورية لتوليد فرص عمل جديدة وإعادة تشغيل اقتصاداتهم التي لحق بها أذى كبير منذ الانتفاضات الشعبية في 2011. وتؤكد تكلفة إعادة الإعمار، التي تقدر بما بين 100 و300 مليار دولار، المصالح الكبيرة جداً التي تمثلها تلك العملية بالنسبة إلى المنطقة ككل.

غير أنه من الناحية العملية، لا يوجد احتمال كبير بأن تحدث أية عملية لإعادة البناء ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، وهو أمر غير محتمل بحد ذاته.

فالدول والمؤسسات التي لديها القدرة المالية، والتي غالبا ما تموّل مثل هذه الجهود المالية الواسعة النطاق، وهي دول الخليج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وعبرها البنك الدولي، خسرت الحرب في سورية، وهي لن تنفق أموالها في بلد تسيطر عليه إيران. أما الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فيريدان التوصل إلى اتفاق سياسي قبل الشروع في تحويل الأموال إلى سورية. وفيما يعتقد البعض أن الخوف من اللاجئين سيدفع الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف إلى دفع الفاتورة، فإن إعادة بناء العلاقات مع النظام السوري ستكلف الاتحاد الأوربي كلفة سياسية عالية، لم يزدها الهجوم الكيماوي في خان شيخون إلا سوءاً.

بالمقابل، فإن الدول التي ربحت الحرب، أي روسيا وإيران، لا تملك الإمكانيات المالية لدفع ثمن إعادة الإعمار. وقد بذل كل من البلدين، منذ 2011، جهوداً كبيرة وأموالاً طائلة في الحرب (وقد حققت روسيا بالفعل مكاسب من وراء قتل السوريين، وذلك من خلال صفقات تصدير أسلحة)، ولكنها لم تقدم سوى القليل جداً من حيث المساعدات الاقتصادية المباشرة، باستثناء إمدادات النفط من طهران.

ويتوقع البعض أن تقوم الصين بملء الفراغ، بيد أن كل الدلائل من بكين تشير إلى انعدام رغبة السلطات الصينية في المشاركة في شكل كبير في بلد يقع في خضم التوترات والصراعات الإقليمية والدولية المختلفة. ولا ننسى أن إيران والمملكة العربية السعودية كليهما مورّدان مهمان للنفط الخام للصين، ما يجعلها تتردد في استعداء أي منهما. أضف إلى ذلك أن الصين كلما استثمرت في بلد من البلدان الناشئة، كحال أفريقيا، كانت تطالب في المقابل بالحصول على الموارد الطبيعية لهذه البلدان، ولكن سورية ليس لديها إلا القليل من هذه الموارد، التي استولت عليها، على أي حال، روسيا وإيران.

ويقول بعض المسؤولين في الحكومة السورية الذين أدركوا حجم العقبات التي يواجهونها، إنهم سيعتمدون على الشراكات بين القطاعين العام والخاص من خلال المستثمرين والمصارف المحلية. والحال أن معظم المستثمرين البارزين غادروا سورية، وليست البنوك في حال يؤهلها لتوفير التمويل. ففي نهاية حزيران (يونيو) 2017، بلغ مجموع الأصول الموجودة للبنوك في القطاع الخاص البالغ عددها 14 مصرفاً، 3.5 مليار دولار فقط، وهو ما يشكل أقل من عشر أصول مصرف واحد كبير في لبنان أو الأردن، مثل بنك عودة أو البنك العربي.

بيد أن المشكلة ليست مالية فحسب، ولكنها تكمن أيضا في فقدان أي استراتيجية شاملة لإعادة الإعمار. ويبدو أن السياسة الوحيدة التي تتبعها الحكومة تعطي الأولوية لمصالح روسيا وإيران من ناحية، ورجال أعمال النظام من جهة أخرى.

ولا شكّ في أن موسكو وطهران تريدان أن تحصّلا ثمن الدعم السياسي والعسكري الذي قدمتاه إلى النظام في السنوات الماضية. وقد اكتسبت روسيا بالفعل، على سبيل المثال، حقوق تطوير مناجم الفوسفات السورية وحقول النفط والغاز، وكثير من عائدات هذه الموارد التي كان يمكن استخدامها لتمويل إعادة الإعمار سيذهب في الواقع إلى شركات روسية. وعندما اجتمعت أخيراً «اللجنة الروسية- السورية المشتركة للتعاون الاقتصادي»، لم تُناقش مشاريع الاستثمار في البنية التحتية السكنية أو شبكات المياه التي تشتد الحاجة إليها، ولكن انحصر النقاش في مشاريع الطاقة وإنشاء خط سكة حديد يربط بين مناجم الفوسفات وميناء طرطوس بهدف خفض تكاليف تصدير الفوسفات لمصلحة الشركة الروسية التي تستخرجه من المناجم.

وفي الوقت ذاته، تستعد إيران لتقديم قرض بقيمة مليار دولار إلى الحكومة السورية (وهو مبلغ ضئيل جداً بالمقارنة مع الاحتياجات الحقيقية للبلاد) شرط أن تُستخدم حصراً لشراء المنتجات الإيرانية. وبالتالي فإن أموال طهران هي مساعدة للشركات الإيرانية بمقدار ما هي دعم للاقتصاد السوري.

من ناحية أخرى، تستثمر الحكومة الأموال المحدودة التي لديها لتمويل المشاريع التي من شأنها أن تفيد رجال الاعمال الموالين لها. ولعل الرمز الأبرز لهذا التعاون هو مشروع «بساتين الرازي» العقاري الواقع في حي المزة بدمشق، والذي تم طرد آلاف العائلات السورية من بيوتها فيه.

ويطلق العديد من السوريين على مشروع بساتين الرازي اسم «سوليدير السوري» بسبب المباني الشاهقة المخطط لها، ولأنها ستكون مخصصة حصرياً لتلك الفئة الضئيلة جداً من السوريين التي تستطيع شراء مساكن باهظة الثمن.

لكن على رغم الطلب الهائل الآن على السكن الشعبي لبناء منازل محل مئات ألوف البيوت التي دمرت خلال الحرب، وعلى رغم قدرات الإقراض المحدودة جداً للبنوك المحلية، أصدرت الحكومة تعليمات لأحد بنوك القطاع العام لتمويل البنية التحتية لمشروع بساتين الرازي، الذي ليست له جدوى اقتصادية مهمة، ولكنه يحقق أرباحاً ضخمة لعدد ضئيل من رجال اللأعمال. وهذا ما تعطي الحكومة الأولوية له.

إن الآمال الكبيرة بوجود حملة لإعادة الإعمار في سورية مبنية، أساساً، على افتراضات زائفة. وآخر مثال على جهود إعادة الإعمار الكبيرة في المنطقة هو لبنان. في تلك الحالة كانت هناك جملة من العناصر: 1) صفقة سياسية تدعمها الأطراف الفاعلة الرئيسية إقليميا ودوليا، 2) الدور البارز لرفيق الحريري، الرجل القوي ذي العلاقات الاقتصادية والسياسية المتينة في جميع أنحاء العالم، 3) رؤية لما يجب أن تقوم عليه إعادة الإعمار، أي إعادة وضع لبنان، وبيروت، كمركز للوساطة بين الشرق الأوسط والغرب، 4) ودعم مالي قوي من دول الخليج والغرب.

في حالة سورية اليوم كل هذه العناصر مفقودة. لذلك، من غير المرجح أن تبدأ إعادة إعمار سورية في أي وقت قريب.

نشر المقال في جريدة الحياة في 26 تشرين الثاني 2017

أربعُ مناطقَ وأربعُ سلطاتٍ في سوريا

تُقسَّم سوريا تحتَ الحربِ إلى أربعَ مَناطق أساسية، يُسيطر عليها بالترتيبِ النظام تنظيمُ الدولةِ الإسلاميّة، الفصائلُ الكردية، وفصائلُ المعارضة المختلِفة. تتواجدُ تشكيلةٌ متنوِّعةٌ من الإداراتِ المحلِّيَّة المستقلَّة كما انتقلَت الحركةُ الاقتِصادية بمعظمِها إلى المنطقةِ الساحلية. ذلك هو الوضعُ ومترتِّباتُه الذي يتوجَّبُ مواجهتَه ما إن يَنتهي النزاع.

6281aa750d1aa03971fb2984109818bc6281aa750d1aa03971fb2984109818bc-2

مُناصِرو حزبِ الاتِّحادِ الديمقراطي في عفرين، محافظة حلب

قبلَ الانتِفاضة، ومن وجهةِ نظرٍ اجتماعيَّةٍ واقتصاديَّةٍ، كان يمكنُ تقسيمُ سوريا إلى منطِقتين. كان غرب البلاد، الذي يَضمُّ مِحورَ دمشق ــ حلب والمدنَ الرئيسيَّةَ الكبرى والمِنطقةَ الساحليّة، القسمَ الأكثرَ نُموّاً، في حين أنَّ الجنوبَ (مناطقَ درعا حيث اندلَعت الانتِفاضة، والقنَيطِرة والسوَيْداء) والشرقَ (دير الزور والحَسَكة والرقَّة) كانَ أكثر إهمالاً، بحسبِ المؤشِّراتِ الاجتماعيَّةِ والاقتِصاديَّة. إلّا أنَّ ذلك المشهد كان يضمُّ بعضَ الاستِثناءات: فمحافظةُ إدلب كانَت تُعدُّ من بينِ الأفقرَ في البلاد (وهي محافظةٌ ذاتُ أغلبيّةٍ ريفيّةٍ فُصِلت عن حلب عام 1958 بهدفِ إضعافِ عاصمةِ الشمال وثاني أكبرَ مدنِ البلاد)، بالتوازي مع ضعفِ مستَويات التنميةِ الاقتِصادية والاجتِماعيَّةِ في الريف الحلبي، ما أنتجَ شرخاً صارخاً بين المدينةِ والريفِ في حلب، الأعمق على المستوى الوطنيِّ.

في الوقتِ نفسه، نجد أنَّ المحافظاتِ الشرقيَّةَ هي الأغنى من حيثُ المواردِ الطبيعية، فالنفطُ يُستخرَجُ من حقولٍ حولَ الرقَّة ودير الزور وعندَ الحدودِ الشماليَّةِ الشرقيَّةِ مع العراق. إضافةً الى أنَّ القمحَ والشعيرَ والقطنَ (وهي ثلاثُ زراعاتٍ استراتيجيَّة) كانت تُزرَعُ في هذه المناطقِ الغنيَّةِ أيضاً بالموارِدِ المعدنيَّةِ بفضلِ مياهِ الفراتِ الذي يَنزلُ من تركيا ويَسقي العراقَ بعدَما يعبُر سوريا. إلّا أنَّ المناطقَ الغنيَّةَ بالمواردِ الطبيعيَّةِ لم تكن تجني، بالنتيجة، سوى ربحٍ محدودٍ من أرضِها، وهو وضعٌ سائدٌ في عددٍ من الدولِ النامية. كانَت سوريا إلى جانبِ ذلك محكومةً من دولةٍ مركزيَّةٍ قويَّة نسبِيّا. فقد كانت المؤسَّسات المنتشِرةُ في أنحاءِ البلادِ ناشطة، وكانت الحكومةُ تواصِلُ تقديمَ خدماتِها (المدارس، التعليم…)، وتُواصلُ الاستِثمارَ في البنيَةِ التحتِيَّة وتُحدِّد أسعارَ بعضِ الموادِّ الاستِهلاكِيَّة (خبز، مازوت…)، وتستمِرُّ في الانتاجِ (إنتاج موادَّ زراعيَّة، كهرباء، قروضٍ بنكيّة). كما كانَت المُشغِّلَ الرئيسيَّ في المناطقِ الأقلَّ تنمية، ويعودُ سببُ ذلك جزئياً إلى ضعفِ مستوى الاستِثمارات الخاصة.

فقرٌ يَطالُ 85% من السكّان

لكنَ العقدَ الأوَّلَ من حكمِ بشار الأسد، خاصَّةً بعد سنة 2005، شهدَ تراجُعاً مَلحوظاً في دورِ الدولة. فقد كانَ الاستثمارُ العموميُّ في انخفاض، كما خُفّض الدعمُ عن الجزءِ الأكبرَ من السلعِ والخدمات. وتمحوَرَت السياساتُ الاقتصاديَّةُ للحكومةِ أكثرَ فأكثرَ حولَ قطاعِ الخدماتِ ولصالحِ التجمُّعات المُدُنيَّةِ الكبرى، وذلك على حسابِ الضواحي والأرياف، وبصفةٍ أشملَ، على حسابِ المناطقِ النائيَة من البلاد.

وفي عمليَّةِ قطعٍ مع السياسات السابقة للحكومات البعثية، نُقلَت مسؤوليَّةُ التنميةِ في تلكَ المناطقِ المُهمَلةِ إلى القطاعِ الخاصِّ، الذي حظِيَت شركاتُه في المناطقِ النائيَة من البلادِ بضرائبَ أقلَّ وبأنظمةٍ أكثرَ مرونةً بهدفِ تشجيعِ الاستِثمار. لكن الاستِثماراتِ تعثَّرت في تلك المناطقِ الأشدَّ فقراً في غيابِ إرادةٍ سياسيَّةٍ قويَّة. ولا يعودُ السببُ في ذلك إلى أنَّ السلطاتِ لم تُدرِكْ أوْجُهَ القصورِ وضرورةَ معالجتِها، بل لأنَّ إدراكَها للأمورِ جاءَ متأخِّراً.

في بدايةِ شهرِ آذار/مارس 2011، أي بعدَ أسابيعَ فقط من بدايةِ الانتِفاضات في تونس ومصر، وقبلَ بضعةِ أيامٍ من بدايةِ الانتِفاضة في سوريا، توجَّهَ بشار الأسد على عُجالَةٍ إلى محافظةِ الحسكةِ في الشمال الشرقيِّ للبلاد، بهدفِ إعلانِ إطلاقِ مشروعِ تحويلِ نهرِ الفرات، وهو استِثمار تأخَّرِ لأكثرَ من ثلاثةِ عقود، قدّرت تكلفتُه بثلاثةِ مليارِ دولار، ويهدفُ إلى ريِّ مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي ولتنمِيَةِ الانتاجِ الزراعيِّ ولخلقِ فرصَ عملٍ لآلافِ الأشخاص.

في عامِ 2016، لم تعد الآثارُ المدمّرةُ للحرب على الاقتِصادِ وعلى حياةِ السوريّين بحاجةٍ لإثبات، فالأرقامُ تتكلَّم بنفسِها. بحسبِ آخرِ تقريرٍ مَنشورٍ في أواخرِ عامِ 2015 من قِبلِ خبراءِ “المركزِ السوريِّ لبحوثِ السياسات”، فقد ألحقَ النزاعُ، حتى نهايةِ العامِ الماضي، خسائرَ اقتصاديَّةً تقاربُ 255 مليار دولار، وكان الناتجُ المحليُّ الإجماليُّ يعادلُ أقلَّ من نصفِ قيمتِه عام 2010، كما ارتفعَت البطالةُ إلى أكثرَ من 50%، وطالَ الفقرُ أكثرَ من 85% من السكّان. وبسببِ فَرارِ رؤوسِ الأموالِ وانخفاضِ احتِياطات البنكِ المركزيِّ وعجزِ الميزانِ التجاري، تراجعَت الليرةُ السوريَّةُ إلى مستوَياتٍ متدنِّيَةٍ ولم تعد تبلغُ قيمتُها اليومَ سوى عِشرِ قيمتِها عشيَّةِ النزاعِ ليتمَّ تبادلُها بمعدَّلِ 600 أو 700 ليرة سوريَّة للدولار الواحِد.

إضافَةً إلى ما تقدّم، يبدو التأثيرُ المُهمُّ والدائمُ للحرب هو تجزئةُ البلد، على الأقلِّ إلى أربعَ مناطقَ بيّنة:

– الأولى تحت سيطرةِ النظام، وتتمثَّلُ في جانبٍ كبيرٍ منها في الجزءٍ الغربيِّ، الأكثرَ نموّاً والذي أشرنا إليهِ أعلاه، أي المنطقةِ الساحليَّةِ ومحورِ دمشق ــ حلب الأساسي، باستِثناءِ بعضِ المناطقِ الريفيَّةِ والضواحي والمناطقِ المحيطةِ بنصفِ مدينةِ حلب الواقعةِ في معظمِها بأيدي المعارضةِ وإلى حدٍّ أقلَّ بأيدي جبهةِ النصرة (فرعِ تنظيمِ القاعدةِ في سوريا). أما حلب المدينة، فهي تحتَ سيطرةِ النظامِ في جانبِها الأكبر (الغرب)، وتحتَ سيطرةِ المتمرِّدين في جزئها الشرقي.

– الثانيةُ في شرقِ البلاد، ويسيطرُ عليها تنظيمُ الدولةِ الاسلامية، على طولِ نهرِ الفرات، ممّا يعني إجمالاً مناطقَ العشائر العربِيَّةِ المرتبِطةِ تاريخيّاً بالعراق، وحولَ حقولِ النفطِ في ديرِ الزورِ والرقَّة، معقلِ التنظيمِ في سوريا.

– منطقةُ ثالثةٌ كرديّةٌ تمتدُّ من شمالِ شرقِ البلادِ وفي جيبٍ يقعُ غربَ حلب، وتقعُ تحت هيمنةِ حزبِ الاتِّحادِ الديموقراطيِّ (الفرع السوريِّ لحزبِ العمالِ الكردستاني). حيث يُعدُّ كردُ سوريا غالبيَّةً في هذه المناطقِ أو يشكِّلون على الأقلِّ أكبرَ أقليّة. لكنَّ تلكَ المناطقَ ليست الوحيدةَ التي يتواجدُ فيها الكردُ بكثافةٍ، اذ يوجدُ مئاتُ الآلافِ من هذه الفئةِ من غير العرب في كلٍّ من مدينتَيْ حلَب ودمشق.

– وأخيراً، منطقةٌ رابِعةٌ تسيطِرُ عليها مَجموعاتٌ مختلِفة، إضافةً الى جبهةِ النصرة. ومناطقُ المعارضةِ هذه (الجيشِ السوريِّ الحرَّ ومجموعاتٍ أخرى من المُتمرِّدين) مجزَّئةٌ ولا تملكُ تواصُلاً جُغرافِيًّا، على عكسِ المناطقِ الثلاثة الأخرى.

المناطقُ الثلاثةُ الأخيرةُ هي الأقلُّ تنمِيَةً في جنوبِ وشرقِ سوريا.

انكِفاءُ الحركةِ الاقتِصاديّة نحوَ الساحل

رغم أنَّ هذه المناطقَ أقلُّ دماراً من باقي البلاد، وعلى الرغمِ من استقرارِها الظاهري، فإنَّها وبسببِ وزنِها، قد شهدَت تحوَّلاتٍ أثَّرت بعمقٍ على النسيجِ الاقتِصاديِّ والاجتِماعيِّ والسياسيِّ لسوريا.في هذا الجزءِ حيثُ مازالَ يعيشُ ثُلثا السكان، يقامُ حاليًّا توازنٌ جديد. فمحورُ دمشق ــ حلب، الذي يُشكّل العمودَ الفقريَّ للبلاد، قد أُضعِفَ بصفةٍ خاصَّةٍ بسببِ التدميرِ الماديِّ لمدينةِ حمص (ثالث مدن البلاد) ونصفِ مدينةِ حلب وضواحي مدينةِ دمشق، وبفعلِ هروبِ المُستثمِرين والطبقاتِ المتوسِّطةِ، الى جانبِ ضعفِ دورِ الدولةِ ومؤسَّساتها.

وينتقلُ الاستِثمارُ الخاصُّ والعامُّ (أو ما تبقّى منه، بما أنَّ المستَوَياتِ الحاليَّةَ ليست إلّا جزءاً بسيطًا ممّا كانت عليهِ قبل النزاع) نحوَ المِنطقةِ الساحليَّةِ التي تُعتَبرُ آمنةً ومحميّة. ففي 2015 على سبيلِ المثال، تمركزَت 32% من الاستِثماراتِ الخاصَّةِ المرخَّصةِ من هيئةِ الاستِثمار السوريَّةِ (هيئةٌ حكوميَّة) في محافظَتَيْ طرطوس واللاذقيَّة (الميناءَيْن الرئيسيَّين في البلاد)، فيما لم تَستَوْعب محافظتا دمشق وحلب سوى 27% فقط. وللمقارنة، كانت هاتان الأخيرتان تجتذبان في 2010 حوالي 40,5% من المشاريعِ المعتمَدة من قِبلِ هيئةِ الاستِثمارِ، مقابلَ 4,5% لطرطوس واللاذقيّة. كما تضاعفَ في طرطوس خلالَ العامِ الماضي عددُ مشاريعِ المؤسَّساتِ الصغيرة، إذ أنشئت 1.752 شركةً جديدةً في هذه المحافظةِ في 2015، مقابلَ 867 في العام السابق. وقد انتقلَ عدد الشركاتِ المساهِمة من 119 في 2014 إلى 251 في 2015.

تنجذِبُ رؤوسُ الأموال الخاصَّة بشكلٍ طبيعيٍّ إلى الأمنِ السائدِ في المِنطقةِ الساحليّة، بالأخصِّ في محافظةِ طرطوس، وهي الأكثرُ هدوءًا منذ بدءِ الانتِفاضة. يضافُ إلى ذلكَ حركةِ السكّان الفارّين من مناطقَ أخرى من البلاد والتي ترافَقت مع تدفُّق المستثمِرين الحريصين على وضعِ رؤوسِ أموالِهم في منطقةٍ تَشهدُ ارتِفاعا نسبيًّا في الطلبِ على البضائع. وبهذا، يعكسُ التغييرُ لصالحِ المنطقةِ الساحليَّةِ مُعطىً ديمغرافيًّا جديدًا إذ لم يَعدْ العلويّون يشكِّلون أغلبيَّةِ سكّانِ هذه المِنطقةِ كما في السابق.

ويأتي نقلُ الاستِثمارات العامّةِ الى المِنطقة الساحليّة، إلى حدٍّ كبير، نتيجةً لسياسةِ النظامِ الرامِيَةِ الى إرضاءِ “زبائنِه”. وأعلنَ رئيسُ مجلسِ الوزراء وائل الحلقي في خريفِ 2015 إطلاقَ استِثماراتٍ عامَّةٍ يبلغُ مجموعُها 30 مليارَ ليرةٍ سوريّة في محافظتَي اللاذقيَّة وطرطوس، وقد أحدثَت لها وسائلُ الإعلامِ الرسميَّةِ صدىً كبيرا. في نفسِ الوقت، لم تُخصِّص الحكومةُ سوى مبلغِ 500 مليون ليرةٍ سوريَّةٍ لمدينةِ حلب، القلبِ الصناعيِّ والتجاريِّ للبلادِ سابِقا.

غادرَ رجالُ الأعمالِ والمستَثمرون التقليديّون البلادَ بكثرة، واستقرّوا في أنحاءٍ أخرى من العالم، وقد تمَّ تعويضُهم بآخرين بَنَوْا ثرواتِهم على نشاطاتٍ مرتبطةٍ بحالةِ الحرب. مثالاً على ذلك، اتَّضحَ هذا التغييرُ من خلالِ انتِخاباتِ غرفِ التجارةِ في دمشق وحلب في نهاية 2014. ففي حلب، كان عشرةٌ من أصلِ اثنَيْ عشرَ عُضواً في مجلسِ الادارة وافدين جدداً غيرَ معروفين قبلَ الانتِفاضة، وفي دمشق كان سبعةٌ من أصلِ اثني عشر عُضواً في نفس الوضع.

تَستمرُّ المناطقُ الساحليَةُ في الحفاظِ على صلاتٍ وثيقةٍ بدمشق وبالحكومة المركزيَّةِ بفضلِ جهازِ الدولة، ولا تزالُ غالبيَّةُ من العلويّينَ في سنِّ العملِ تعمَلُ في القطاعاتِ المدنيَّةِ والعسكريَّةِ للدولة التي لطالَما كانَت تشكِّلُ مَصدراً للعملِ لهذه الطائفة. وقد تعزَّز هذا الدورُ مع الحربِ والانكِماش الاقتصادي. ويُعتبَرُ هذا الاعتِمادُ الكبيرُ من الطائفةِ العلويَّةِ على الدولةِ المركزيَّةِ عامِلاً مُهمًّا ضدَّ حكمٍ ذاتيٍّ مُمكنٍ للمِنطقةِ الساحليَّةِ، مما يُفسّرُ أهميَّةَ السيطرةِ من دمشق.

مؤسَّساتٌ منافِسةٌ للدولة

بالنسبةِ للمناطقِ الخارجةِ عن سيطرةِ قِوى النظام، وبعضُها منذُ أكثرِ من ثلاثِ سنوات، فقد اضطرَّت إلى التأقلُمِ مع الوضع الجديدِ وإلى إنشاءِ مؤسَّساتٍ وشكلٍ من أشكالِ الحكم، لا سيَّما وأنّ مراكزَ ووسائطَ الانتاجِ قد دمّرت، فيما رحلَ رجالُ الأعمالِ وفُكِّكت شبكاتُ النقلِ والتجارة، وقد جاءَ هذا الدمارُ بعدَ عشراتِ السنينِ من التخلف. وتَحظى المؤسّسات الجديدة المُقامَةُ لتعويضِ غيابِ الدولةِ والفراغِ الذي خَلفَه تدميرُ اقتِصادِ ما قبلَ الحربِ في أحيانٍ كثيرة (وليس دائماً) بشرعيَّةٍ أكبرَ من الحكومةِ عندَ السكّان المحليّين، ولأسبابٍ عدّة:

-عددٌ من المؤسَّساتِ منتخَب، لاسيّما في المناطقِ التي استقرَّت فيها المعارضة، وذلك على الرغمِ من الشوائب التي اتَّسمت بها العمليّاتُ الانتخابيّة في أحيانٍ كثيرة.

-تُدار المؤسَّساتُ من قبل محلِّيّين، وعددٌ كبيرٌ من هؤلاء كان قد عملَ وناضل للدفاعِ عن مجتمعِه من النظام.

-هيَ جزءٌ من مشروعٍ سياسيٍّ أكثرَ طموحاً ومقبولٌ من قِبلِ السكّان (الأكراد، المعارضة).

في الواقع، تتنافسُ هذه المؤسَّساتُ في ما بينِها ومع مؤسَّساتُ الحكومة، لنجدَ إداراتٍ محلِّيَّة تَعتبر نفسَها ــ أو تدَّعي ــ أنَّها الحكومة، بما يتبعُ ذلك من وجودِ أربعةِ برامجَ تعليميَّةٍ على الأقلِّ، وثلاثُ عملات مَتداوَلة كوسيلةِ تبادل. وهكذا، يُرخِّصُ الكردُ لمشاريعَ استثمارية، وقد سنَّوا خلال العامَين الماضِيَين عشراتِ القوانينِ الهادفةِ لتنظيمِ الحياةِ في مناطقِهم. كما يَفرضُ تنظيمُ الدولةِ الاسلاميَّةِ ضرائبَ ويسمحُ باستثماراتٍ وله قوَّة ُشرطةِ خاصَّةٌ به. ولمناطقِ المعارَضة مجالسُ محليّةٌ لكلٍّ ما يهمُّ إدارةَ الحياة اليومية. وتتألّف الحكومةُ المؤقَّتةُ للمعارضةِ من عدّة وَزارات، كما أُنشِئت هيئاتٌ مُكلّفة بتوزيعِ القمحِ والخبزِ وإدارةِ المستشفَياتِ وتوزيعِ المساعَداتِ داخلَ البلاد.

ولا تنفكُّ نفقاتُ هذه السلطاتِ الجديدةِ عن الازدِياد. إذ يقدِّر خبراءُ “المركزِ السوريِّ لبحوثِ السياسات” أنَّ مجموعَ النفقات “العموميَّة” لمناطقِ المعارَضة مُجتمِعة، لتنظيمِ الدولةِ الاسلاميّة والكرد، أي المؤسَّساتِ المُتمركِزة في هذه المناطق، تعادلُ حالياً 13,2% من الناتج المحليِّ الإجماليِّ السوريِّ في 2015، مقابلَ 31,6% في مناطق النظام. وهذا يعني أن النفقاتِ “العموميَّةَ” في المناطقِ غير التابعةِ للحكومةِ تشكّل حاليًّا أكثرَ من ثُلثِ النفقاتِ العموميّة، ممّا يبيّنُ المكانةَ المهمَّةَ التي تَحظى بها أكثرَ فأكثرَ هذه المؤسَّساتُ الجديدةُ المنشأةُ في أنحاءِ البلادِ المقطّعةِ لتحلّ محلَّ الدولة.

لامركزيَّةٌ لا بدَّ منها

لا شكَّ أنّ “استقرارَ” الحدودِ الداخليَّةِ لسوريا خلالَ الأعوامِ الثلاثةِ الماضيَةِ وترسيخَ المؤسَّساتِ الذاتية المُقامة حديثاً، بالإضافة السلطاتِ الجديدةِ للفاعلين الجدد، أمورٌ ستشكِّلُ تحدِّياتٍ خطيرةً في نهاية الصراع، ويجب مواجهتُها. يَرتبط أحدُ هذه التحدِّيات باللامركزيّة. على خلافِ المسألةِ الكرديّة، التي سيتطلَّب حلُّها درجةً متقدِّمةً من الحكمِ الذاتي، فاللامركزيّة تقدّمُ أحدَ الخياراتِ القليلةِ التي قد تؤمن نقطةَ لقاءٍ بين القوى المختلفةِ المنبثقةِ من الصراع. وفعلاً، تجدُ نداءاتٌ لحكمِ محليٍّ أكبرَ صداها في أنحاءِ سوريا؛ وإحدى أهمِّ الصعوباتِ التي تمنعُ توحُّدَ المعارضةِ هي بالتحديد الشعورُ القويُّ بالاستقلاليَّةِ والذي تطوّرَ ضمنَ مختلفِ مجموعاتِ البلاد. وقد عكسَ الصراعُ أيضاً درجةَ الارتِيابِ الذي كُبتَ طويلا، بين المدن، بين المدنِ وأريافِها المحيطة، وبين مختلفِ المناطق. وغالباً ما تربطُ النخبةُ المُدُنيّة، خاصَّةً في دمشق، بين اللامركزيّةِ وبين تقسيمِ البلاد وضياعِ السيادة. وهذا سيولِّدُ حتماً رفضًا من جانبَيْ خطَّ الانقِسام بين المعارضةِ والنظام.

ثمَّةَ مسألةٌ أخرى مرتبِطةٌ جزئيّاً بمسألةِ اللامركزية، وتتعلَّقُ بالتوزيعِ العادل للموارد. فالمناطقُ الأغنى من حيثِ المواردِ الطبيعيّةِ هي أيضًا، كما أشَرنا، الأقلُّ تنمية. ويبدو مُستبعَداً أن تقبلَ هذه المناطقُ من جديدٍ بسيطرةِ دمشق على ثرواتِها كما في الماضي. فالنفقاتُ في المناطقِ الكردية على سبيلِ المثال، مموَّلةٌ الى حدٍّ كبيرٍ بفضلِ استِغلالِ النفطِ في مِنطقتهم. وفي دير الزور، قبلَ ظهورِ تنظيم الدولة الاسلامية، تقاتلَت العشائرُ والمجموعاتُ المحليَّةُ في ما بينِها من أجلِ السيطرةِ على آبارِ البترولِ التي اعتُبِرت “مُستولى عليها” عن غيرِ حقٍّ من قبل دمشق. وإنّ تخصيصَ جانبٍ أكبرَ من المواردِ للمناطقِ سيكونُ مُحارباً من قِبلِ أيَّةِ حكومةٍ مستقبليّةٍ عليها مواجهةُ نقصِ الايرادات، خاصَّةً وأنَّ الأمورَ ستكونُ مرتبِطةً بمجهودٍ مهمٍّ لإعادةِ الإعمار.

بالتوازي، أثبتَ الصراعُ السوريُّ مركزيّةَ المسألةِ الطائفيَّةِ في دولةٍ يُعتبرُ المواطنون فيها مُتساوين. لقد لعبت الحربُ هنا دوراً كاشِفاً للتوتُّراتِ الطائفيَّةِ والعرقية، مبيِّناً خوفَ الأقلِّيّات من الإسلامِ السياسي، وخشيةَ الكردِ من العروبة، وخوفَ المسيحيّين الأشوريّين من الكُرد، إضافة إلى إحساسٍ عميقٍ بالظلم لدى الغالبيّة السنيّة. وبصرفِ النظرِ عن تلك المخاوِف، فلا بدّ من إيجادِ حلولٍ لمسائلِ الهويّات الثقافيّةِ التي بقِيَت طويلاً مقموعة. وأخيراً، يجب التطرُّقُ لمسألةِ بناءِ دولةٍ تحافظُ على مسافةٍ متساوِيَةٍ مع جميعِ مواطنيها، مع ضمانِ حقوقِهم السياسيَّةِ والثقافيَّةِ كأفرادٍ وجماعات، وهي مسألةٌ تبقى إلى هذه الساعة غيرَ محسومة.

نشر المقال في موقع  أوريان 21

انسحابات مصرفية تلوح بالأفق السوري؟

349-7

قام بنك عودة، من أكبر المصارف في لبنان، بتغيير الاسم التجاري لفرعه في سورية، في محاولة منه، على ما يبدو، للابتعاد عن السوق السورية.

وفي رسالة وجهها إلى هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، برر المصرف تغيير اسمه إلى “بنك الائتمان الأهلي”، بالحاجة إلى تعزيز موقع المصرف في السوق المحلية عن طريق خلق تمايز لعلامته التجارية. إلا أن تبريراً آخر قدمه المصرف قد يعكس أهدافه بشكل أفضل: “بسبب موقع بنك عودة ش.م.ل في السوق العالمية، فإن تغيير اسم بنك عودة سورية يجعله أكثر مرونة وقدرة على المنافسة في السوق المحلية”.

في واقع الأمر، تفكير مجموعة بنك عودة ربما يذهب في الاتجاه المعاكس، فالمجموعة تخشى أن ارتباطها بمؤسسة سورية يعيق انتشارها العالمي. وأكدت الإدارة في رسالتها أن مجموعة بنك عودة تبقى مساهماً وإنها ما زالت ممثلة في مجلس الإدارة. وتبدو الإدارة كما لو أنها تريد طمأنة الهيئة، والسوق المصرفية بشكل عام، بأن المصرف لن ينسحب من سورية.

خلال السنوات الماضية تمكنت مجموعة بنك عودة من الانتشار بشكل سريع في المنطقة. ففي عام 2013 افتتحت فرعاً في تركيا الذي سرعان ما نما لدرجة أصبح الآن يمثل قسماً هاماً من أصول المجموعة المصرفية. كما أنها توسعت في مصر والأردن والسودان من بين بلدان أخرى.

ومع ذلك، وبسبب المخاطر السيادية المرتبطة بلبنان، يتم تقييد التصنيف الائتماني للمصرف الذي يزيد من كلفة الاقتراض وزيادة رأس المال ويعيق الاستثمار. ففي الأسبوع الماضي على سبيل المثال، أعلنت وكالة التصنيف “فيتش” أنها خفضت التصنيف الائتماني للمصرف عقب تخفيض مماثل لتصنيف المخاطر السيادية اللبنانية. ويعاني بنك بيبلوس من المصير نفسه.

يمكن أن يكون قرار تغيير العلامة التجارية لفرع سورية جزءاً من سياسة أشمل تتعلق بتخفيف المخاطر. وفي آذار/ مارس، وخلال اجتماع الهيئة العامة غير العادية، أعلن بنك عودة سورية أنه لن يجدد عقود إدارته مع الشركة الأم (مجموعة بنك عودة)، وأن المصرف تتم إدارته بشكل مستقل تماماً. ومع ذلك، فإنه من غير المحتمل أن ينسحب بنك عودة من السوق السورية تماماً. فالفرص المتوقعة من عملية إعادة الإعمار كبيرة طبعا لدرجة لا يمكن تجاهلها.

خلال الأشهر القليلة المقبلة ستكون تحركات المصارف المنافسة تحت المراقبة عن كثب. والواضح أن الاستمرار بالعمل في سورية ينطوي على عدد من المخاطر، وأن القلة القليلة من الشركات الأجنبية التي ما تزال في السوق، كالمصارف، قد تفكر بالانسحاب.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد