نقاش حي حول العقوبات الدولية على سوريا وكيفية تعزيز مكافحة كورونا في ظل العقوبات

فيديو لنقاش حي مع السيد محمد العبدالله من المركز السوري للعدالة والمساءلة حول العقوبات الدولية على سوريا وكيفية تعزيز مكافحة كورونا في ظل العقوبات.

مصائب سوريا الاقتصادية المتزايدة: الأزمة اللبنانية وقانون قيصر، ثم فيروس كورونا

ازدادت آفاق الاقتصاد السوري قتامةً في الأشهر الأخيرة بحلول الأزمة اللبنانية، وسن قانون قيصر، والآن انتشار فيروس كورونا. تبحث هذه الورقة في تأثير هذه التحديات الجديدة على الاقتصاد السوري والسوريين بشكل عام. في حين يصعب تقييم أثرها التراكمي في هذه المرحلة، سيظل سكان سوريا يعتمدون بشكل كبير على الجهود الإنسانية الدولية. ويتوقف مستقبل هذه الجهود في حد ذاتها على البلدان المانحة الرئيسية التي من المرجح أن تخرج من وباء فيروس كورونا منهكة اقتصاديا.

بعد ثلاث سنوات على استرداد النظام مدينة حلب، وهو ما يعد نصرًا رمزياً ومادياً هاماً، لا يزال الاقتصاد السوري لم يسترد عافيته، ويتوقع محللون قليلون تنفيذ أية جهود كبرى لإعادة الإعمار في المستقبل القريب. وفي أوساط الحكومة ودوائر الأعمال والسكان، اعتقاد متزايد بأن المصاعب الاقتصادية ستدوم لفترة طويلة.

لقد انخفضت في الأشهر الأخيرة التوقعات حول الوضع الاقتصادي المتدهور بالفعل، في ظل وجود ثلاث تحديات جديدة: الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية، وقانون قيصر الذي فعلته الإدارة الأمريكية، وانتشار جائحة فيروس كورونا. إن الأثر التراكمي لهذه الصدمات لم نره بعد، لكن على الأقل، فإن استمرار وتزايد وتيرة الجهود الإنسانية سيكون مهماً كل الأهمية. على ذلك، نظراً لضغوط فيروس الكورونا المتوقعة على الدول المانحة الكبرى، فمن المرجح أن تؤدي هذه الضغوط إلى اتساع نطاق أزمة السكان في سوريا وزيادة معاناتهم.

لبنان: بوابة سوريا إلى العالم الخارجي تنغلق

إن لبنان، لا سيما قطاعه المصرفي، كان بمثابة بوابة سوريا الاقتصادية إلى العالم الخارجي منذ أواسط الخمسينيات من القرن العشرين على الأقل، ولقد أدت العقوبات الغربية على دمشق بعد بداية الأزمة في مارس/آذار 2011 إلى تدعيم هذا الدور اللبناني. إن لبنان هو الذي يودع فيه رجال الأعمال والأفراد من سوريا مدخراتهم ويشترون فيه الدولارات، في حين كانت المصارف اللبنانية تُصدرالاعتمادات المستندية وغيرها من تسهيلات السداد التي يحتاجها التجار السوريون لاستيراد السلع إلى السوق المحلية.

لقد غيرت القيود المفروضة من قبل القطاع المصرفي اللبناني – ومعها الأزمات الاقتصادية والمالية التي تواجه هذه الجارة الصغيرة والديناميكية للغاية في نفس الوقت – من قواعد اللعبة.

ما إن بدأت المصارف اللبنانية في تقييد بيع الدولار في أغسطس/آب 2019 – مع منع المودعين من سحب مدخراتهم بتلك العملة – قفز سعر الدولار الأميركي في سوق العملة الصعبة اللبنانية، ثم حدث نفس الشيء في السوق السورية. مع انهيار الليرة اللبنانية، فقدت الليرة السورية بدورها توازنها. بنهاية يوليو/تموز 2019، أصبح ثمن الدولار 606 ليرة سورية في السوق السوداء. ارتفع السعر إلى 635 ليرة بنهاية أغسطس/آب، ليبلغ 1040 ليرة بنهاية يناير/كانون الثاني 2020.

ليست هذه بالظاهرة الجديدة. ففي أواسط الثمانينيات، كان لانهيار الليرة اللبنانية نفس الأثر على العملة السورية.

لم يقتصر الأمر على أن الدولار أصبح غالي الثمن بشكل متزايد، إنما لم يعد أيضاً بمقدرة القطاع المصرفي اللبناني تنفيذ طلبات المستوردين السوريين المالية. الودائع المودعة في المصارف اللبنانية لصالح رجال أعمال سوريين أصبحت محجوبة، والشركات التي أسسوها في لبنان للتعاقد مع المصدرين الأجانب أصبحت بلا نفع.

كانت واردات القمح هي أول ضحية لهذا الموقف الجديد. بنهاية 2019 وبداية 2020، أصدرت الحكومة السورية ثلاث مناقصات لاستيراد نحو 600 ألف طن من القمح، لكن فشلت في توقيع أي عقد شراء لأن المستوردين الأساسيين للقمح – وهم من رجال الأعمال المقربين من النظام – توجد حساباتهم المصرفية في لبنان.1 الخطر هنا ليس بالهين: فنقص القمح، ومن ثم الخبز – وهو بند غذائي أساسي هام للغاية – يهدد الأمن الغذائي لقطاعات كبيرة من السكان في سوريا.

إضافة إلى السلع الاستهلاكية الأساسية، التي يتم استيرادها بصورة متزايدة بسبب الدمار الموسع الذي لحق بالاقتصاد السوري، فإن استيراد المواد الخام ومدخلات الإنتاج الأخرى قد تأثر. كان للعجز في هذه المواد أثره على العمليات الإنتاجية، وعلى توفر السلع في الأسواق، وأيضاً على سوق العمل.

لقد أدى انخفاض سعر العملة إلى تزايد تكاليف السلع المستوردة وزاد من نسبة التضخم، مع خفض القوة الشرائية للسكان.

ومن بين التبعات السلبية للأزمة اللبنانية، الانخفاض الحاد في تحويلات السوريين هناك إلى سوريا. على مدار عقود، كان المزارعون وعمال البناء السوريون في لبنان يبلغ عددهم مئات الآلاف، وقد أسهموا بنسبة مهمة في التحويلات الدولارية إلى الاقتصاد السوري. إن الأهمية النسبية لهذه التحويلات قد زادت أثناء النزاع، ليس فقط بسبب تدفقات اللاجئين، إنما أيضاً بسبب انكماش حجم الاقتصاد السوري ككل. لقد شهدت الأزمة في لبنان بالفعل فقدان العديد من هؤلاء العمال لأعمالهم، في حين تراجع دخل من لم يفقدوا عملهم بعد، مع قياس ذلك الدخل بالدولار. وبسبب غياب البيانات الرسمية، فمن الصعب أن نفهم نطاق هذه الخسائر، وإن كانت وبكل وضوح كبيرة للغاية.

وأخيراً، فإن الأثر النفسي كبير. كان لبنان يمثل صمام أمان للكثير من السوريين، وقد انهار هذا الصمام الآن. من الآثار المباشرة هنا، إرجاء قرارات الاستثمار مع انتظار المستثمرين السوريين – الخاضعين لتقلبات السوق المصرفي اللبناني – حتى يقيّمون خسائرهم.

قد تسعى دمشق إلى الاستفادة من علاقاتها القوية – حسب الزعم – مع الحكومة الحالية في بيروت، لكي تضع يدها على بعض نقودها المحجوبة في القطاع المصرفي اللبناني، لكن فرصها في النجاح هنا محدودة. فالسلطات اللبنانية أمامها أولويات ضاغطة أكثر، ورغم جميع التوقعات والتخمينات، فإن تأثير دمشق في المشهد السياسي اللبناني لا يُقارن بحجمه قبل الانتفاضة التي اندلعت في مارس/آذار 2011.

قد يكون لبعض جوانب الأزمة اللبنانية آثار إيجابية بعض الشيء. فتراجع القوة الشرائية للسكان في لبنان قد يزيد من الطلب على المنتجات السورية، وهي أرخص ثمناً مقارنة بالمنتجات الأخرى التي يستوردها لبنان من بلدان أخرى، وهي الواردات التي تحظى بنصيب كبير من حجم الاستهلاك اللبناني. وسوف تكون السياحة العلاجية (أي اللبنانيين الساعين للرعاية الطبية في سوريا حيث رسوم الرعاية الصحية أقل) خياراً جذاباً لعدد متزايد من اللبنانيين الذين أصبحوا أفقر.

قانون قيصر: عواقب حقيقية طويلة الأجل

إن قانون عقوبات قيصر الذي وقعه الرئيس الأميركي في أواخر عام 2019 سيكون له تبعات كبيرة على المدى المتوسط والمدى البعيد، على الاقتصاد السوري، لكن آثاره قصيرة الأجل ستكون أقل خطورة.

بعد سنوات من ضغط مختلف الجماعات الداعمة للمعارضة السورية، بعد سنوات من المناقشات والمفاوضات في الكونغرس الأميركي بشقيّه، تمت الموافقة على القانون أخيراً كجزء من “قانون تصريح الدفاع الوطني” السنوي، في مطلع ديسمبر/كانون الأول، قبل أن يصدق عليه الرئيس الأميركي في 20 ديسمبر/كانون الأول 2019. صدر القانون على غرار الاسم المستعار للمصور العسكري الذي انشق عن النظام السوري في 2013 وسرّب صوراً لآلاف المحتجزين الذين تعرضوا للتعذيب حتى الموت بسجون النظام.

يضيف القانون إلى قائمة العقوبات الاقتصادية الطويلة التي تم فرضها بالفعل على سوريا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدة دول أخرى منها سويسرا وكندا واليابان وتركيا ودول الخليج. وبسبب تداخل العديد من نصوص ونظم الجزاءات المفروضة، فليس من الواضح إن كان قانون قيصر سيضيف شيئاً ذا بال. سوف أحاول هنا تسليط الضوء على الإجراءات الرئيسية المتصلة بالقانون، وعواقبها.

العقوبات الثانوية

السمة الرئيسية لقانون قيصر هي فرضه لعقوبات على مؤسسات وأفراد من دول عدة بخلاف الولايات المتحدة لها أنشطة اقتصادية مع سوريا، ويُسمى هذا بالعقوبات الثانوية. لذا، بدلاً من استهداف الشركات الأميركية أو أفراد أميركيين لهم علاقات عمل تجاري في سوريا، فقد نص القانون على ملاحقة شركات من روسيا والصين مثلاً، تربطها بالمؤسسات السورية علاقات أعمال تجارية، وهي المؤسسات الخاضعة لعقوبات و/أو ناشطة بقطاعات معينة.

قبل قانون قيصر، كانت هناك عقوبات ثانوية مفروضة على سوريا. فالأوامر التنفيذية رقم 13582 بتاريخ 17 أغسطس/آب 2011 ورقم 13608 بتاريخ 1 مايو/أيار 2012 على سبيل المثال، تسمح للرئيس الأميركي بفرض عقوبات على أشخاص أجانب، أي أفراد ومؤسسات غير أميركيين، يتعاملون مع الكيانات السورية الخاضعة للعقوبات الأميركية.

في الواقع، قلما تم تنفيذ هذه التدابير. أحد حالات تنفيد القرار كانت حالة مصرف “تيمب بنك” الروسي الذي تم إدراجه على قوائم العقوبات في 2014 بعد تقديمه ملايين الدولارات لمصرف سوريا المركزي، وشركة “سيترول” الحكومية لتسويق النفط، علماً بأن المصرف المركزي وشركة تسويق النفط يخضعان لعقوبات أميركية.

لكن بينما تمكّن الأوامر التنفيذية الرئيس الأميركي من إنزال عقوبات بمؤسسات وأفراد معينين، فهي لا تُلزمه بهذا. السمة الرئيسية لقانون قيصر هي أنه يُلزم الرئيس الأميركي بإنزال عقوبات ثانوية معينة.

ورد في القانون تحديداً الأعمال التالية:

  • العقوبات على الأشخاص الأجانب الذين يقدمون دعماً كبيراً إلى – أو تعاملات مالية كبيرة مع – الحكومة السورية أو القوات العسكرية أو المتعاقدين الذين يتصرفون لصالح سوريا أو روسيا أو إيران.
  • عقوبات على الأفراد الأجانب الذين يبيعون أو يوفرون:
    • كميات يعتد بها من السلع أو الخدمات أو التقنية أو المعلومات التي تيسر من أو توسع نطاق الإنتاج النفطي السوري الحكومي المحلي.
    • طائرات أو قطع غيار أو خدمات أخرى تستخدمها القوات العسكرية المرتبطة بالحكومة السورية؛ أو
    • خدمات البناء أو الهندسة لصالح الحكومة السورية.

كذلك يطالب القانون وزارة الخزانة الأميركية بتحديد ما إذا كان مصرف سوريا المركزي مؤسسة مالية يُخشى قيامها بغسيل الأموال، وإن كان كذلك، فهو يطالب الوزارة بفرض عقوبة أو أكثر تتسق مع القوانين الأمريكية، بما يشمل زيادة حجم المراقبة لعمليات المصرف.

العقوبات التي يمكن فرضها على الأشخاص الأجانب تشمل تجميد أصولهم بالولايات المتحدة، وبالنسبة للأفراد أيضاً فمن الممكن فرض حظر على دخولهم الولايات المتحدة. كذلك يسمح القانون للرئيس الأميركي بتعليق بعض أو جميع العقوبات مع توفر شروط معينة، ويجدر بالذكر منها: إذا كفّ العنف ضد المدنيين.

الشركات المستهدفة

يُرجح أن يشهد قانون قيصر خلال الشهور المقبلة زيادة في عدد الشركات والأفراد المدرجة والمدرجين على القوائم السوداء الخاصة بالإدارة الأمريكية، بسبب نشاطهم في سوريا. على سبيل المثال، هناك شركتان روسيتان وقعتا في سبتمبر/أيلول 2019 عقوداً بالتنقيب عن النفط والغاز، وهما “ميركوري” و”فيلادا”، وقد تصبح هاتان الشركتان ضمن الشركات الموقعة عليها جزاءات بسبب الإسهام في الإنتاج النفطي السوري.

ويمكن أن تتضرر أيضاً الشركات التي تسهم في إعادة إعمار سوريا، ومنها شركات هندسية وإنشائية من روسيا وإيران والإمارات والصين ولبنان.

يُعد عدد الشركات الأجنبية الناشطة في سوريا قليلاً للغاية، والشركات الإيرانية – وبعض الشركات الروسية – قد تكون غير مراعية لتهديد العقوبات لأنها إما تعمل في بيئة مثقلة بالعقوبات بالفعل، كما هو الحال بالنسبة إلى الشركات الإيرانية، أو لا تخطط لعمليات وأنشطة مع شركات غربية أو أميركية.

هناك شركات بدأت بالفعل في اتخاذ بعض الاحتياطات. على سبيل المثال، وراء حقيقة أن شركتي النفط الروسيتين “ميركوري” و”فيلادا” مغمورتان لم يسمع بهما أحد من قبل، هو أنها شركات تعمل كواجهة لمصالح روسية أخرى تحاول حماية نفسها من غضب الإدارة الأميركية.

العواقب قصيرة وطويلة الأجل

على المدى القصير، من المهم ألا نبالغ في تقدير أثر قانون قيصر على الاقتصاد السوري، الذي يتضرر حالياً بالفعل من عوامل أخرى كثيرة، منها العقوبات الغربية القائمة. إن عدد الشركات الأجنبية الناشطة في السوق منخفض للغاية، ولا يوجد في المناخ السياسي والقانوني والتجاري السوري القائم ما يشجع على اهتمام كبير من الأطراف الأجنبية على أية حال.

لم يؤد صدور القانون إلى حالة من الذعر في دمشق، ولم يكن له أثر محدد على قيمة الليرة السورية، رغم أن أغلب تجار العملة أخذوا صدور القانون في الاعتبار عند تسعيرها. خلال الشهور المقبلة، من المرجح على سبيل المثال أن يكون للأزمة المالية اللبنانية أثر أكبر على الاقتصاد السوري، مقارنة بقانون قيصر.

لكن على المديين المتوسط والطويل، فالوضع مختلف. حقيقة أن القانوني ستهدف قطاع الإنشاءات يعني الإضرار بأي جهود – ولو محدودة – لبدء أنشطة إعادة الإعمار.

يُرجح أن هناك بعض الشركات الإماراتية التي تأمل في ترجمة التقارب في العلاقات مؤخراً بين دمشق وأبوظبي إلى فرص افضل لها، ولقد تم إجراء زيارات متبادلة من رجال أعمال في البلدين.2 ربما كانت شركات الإنشاءات اللبنانية بدورها تأمل في الاستفادة من بعض أعمال إعادة الإعمار، ولو كانت محدودة. العديد من هذه الأطراف ستعيد النظر في خططها الآن. بالمثل، من المرجح أن تضعف في المستقبل المصالح الصينية في الاقتصاد السوري، وهي ليست كبيرة في الوقت الحالي أصلا.

إذن، ففي حين تعد الآثار قصيرة الأجل محدودة، فإن قانون قيصر سوف يحدّ من أي مصالح للشركات والمؤسسات الأجنبية في الاقتصاد السوري في المستقبل الأبعد، ويرجح أن يؤدي القانون إلى وأد الفرص المحدودة المتبقية لإعادة الإعمار على نطاق واسع في سوريا.

العواقب الوخيمة المحتملة لجائحة الكورونا

في 22 مارس/آذار، أعلنت الحكومة السورية عن أول حالة كورونا في سوريا، وفرضت حظراً على المواصلات العامة مع تصعيدها لإجراءات العزل، واشتملت على إغلاق المدارس والمطاعم ومختلف المؤسسات العامة.

المقلق بصفة خاصة في حالة سوريا هو الحالة المزرية لنظام الرعاية الصحية السوري، الذي نالت منه تسع سنوات من النزاع، واستهداف النظام والقوات الجوية الروسية له بشكل خاص. طبقاً لبعض التقديرات، فإن ما يناهز 50% من المستشفيات العامة في سوريا أصبحت خارج الخدمة. كما أن هناك عجزاً في المعدات الطبية والأدوية، في حين تراجع عدد العاملين بالمجال الطبي بسبب الهجرة.

وهناك خطر جسيم آخر ينبع من الكثافة السكانية العالية للغاية في مخيمات اللاجئين والنازحين داخلياً، فضلاً عن الازدحام الشديد في المراكز الحضرية في سوريا، نتيجة لتدمير عدد هائل من البلدات والمدن، جراء القصف الحكومي بشكل خاص، ما قلل كثيراً من عدد الوحدات السكنية مقارنة بمتوسط عدد من يعيشون في كل بيت. كما يعد نقص وعدم توفر مرافق الصرف الصحي والنظافة الشخصية في عدة مناطق سبباً للقلق.

وكما هو الحال في دول أخرى، فالعواقب الاقتصادية والاجتماعية للجائحة يُرجح أن تكون هائلة.

بحلول أواسط مارس/آذار زادت أسعار المستلزمات الطبية الباهظة بالفعل، لدرجة كبيرة، ورغم مطالبة الحكومة للشركات الحكومية والقطاع الخاص بزيادة الإنتاج للأجهزة والمنتجات الطبية، فمن غير المرجح أن تلبي الشركات بإنتاجها الاحتياجات القائمة.

سوف يضعف أكثر الطلب الاقتصادي الكلي، وهو منخفض حالياً بالفعل، إذ أن جميع قطاعات النشاط التجاري تقريباً قد تضررت، لا سيما قطاعات تجارة التجزئة والنقل والسياحة، فغياب السياحة مثلاً سيؤدي إلى إيقاف مصدر نادر من مصادر العملة الصعبة في سوريا. في الوقت نفسه، سوف تظهر الحاجة إلى إعادة توزيع الموارد الحكومية المحدودة وزيادة مخصصات القطاع الصحي، من أجل تخفيف آثار الجائحة، بدلاً من الإنفاق على قطاعات ضرورية وهامة أخرى.

حتى قبل توثيق الإصابات الأولى بالفيروس رسمياً، راحت الليرة السورية تستأنف رحلتها في السقوط أمام الدولار، ما يعكس العصبية والتوتر المسيطران على سوريا بالفعل. بين 1 و18 مارس/آذار ارتفع سعر الدولار 10 بالمئة في السوق السوداء، وأصبح يُباع بـ 1175 ليرة، مقارنة بـ 1070 ليرة في 1 مارس/آذار.

الوضع الصعب المُنتظر للاقتصاد والمجتمع السوريين

يبدو المستقبل القريب مظلماً للغاية بالنسبة إلى المجتمع والاقتصاد في سوريا.

إذ أن عواقب الأزمة اللبنانية لم يتم الشعور بكامل آثارها بعد، وسوف تكون حادة وكبيرة. إلى الآن، يبدو أن الاقتصاد السوري ليس أمامه بدائل فيما يتعلق بالحصول على الدولار الأميركي وتوفير الواردات المطلوبة.

أما بالنسبة لفيروس الكورونا، لم تقدم الحكومة بعد أية تقديرات بآثار الجائحة على الاقتصاد أو على سلامة وصحة السوريين، لكن بناء على الوضع القائم، يبدو الأمر مقلقاً للغاية. هناك عدد كبير للغاية من السوريين عرضة للخطر، والنظام الصحي يبدو غير لائق بالمرة لمواجة تحديات هذه الجائحة.

يعاني السكان من الإجهاد البالغ، ومن تصاعد معدلات الفقر والغضب واليأس، وهي المعدلات التي ستزيد وتترسخ أكثر. وفي حين يمكن للنظام الاعتماد على روسيا وإيران لمساعدته عسكرياً، فليس بوسع هؤلاء الحلفاء الكثير لتقديمه على الصعيد الاقتصادي.

بينما يتوقع البعض أن هذه الصعوبات ستؤدي إلى اضطرابات، تدفع في النهاية نحو اتساع رقعة التظاهر، فهذه مجرد تخمينات، وعلى كل حال، فمن غير المرجح أن تكون لها عواقب سياسية تُذكر على النظام.

سوف يبقى السكان السوريون مع هذه الأوضاع معتمدين للغاية على الجهود الإنسانية الدولية. ونظراً لضغوط فيروس كورونا على الوضع المالي للدول المانحة الكبرى، أصبح مستقبل المساعدات الدولية الإنسانية في حد ذاته على المحك.

الزمن وحده هو الذي سيخبرنا إن كان النظام سيشعر بالحاجة إلى تقديم تنازلات لتخفيف عزلته الاقتصادية. لكن إذا رأينا أن الماضي مؤشر يمكن القياس عليه، فمن غير المرجح أن يتأثر النظام بمعاناة شعبه.

اقتصاد الحرب السوري

بعد ثلث سنوات على الصراع السوري الذي أودى بحياة حوالي ١٤٠٠٠٠شخص على القل، انهارت معظم قطاعات القتصاد السوري. مع توسع العنف وفرض العقوبات، تم تدمير الوارد والبنى التحتية. وانهار النتاج القتصادي، وفر الستثمرون من البلد. تتخطى نسبة البطالة الخمسي في الائة، ونصف السكان أصبحوا تحت خط الفقر. أما التضخم في أسعار الغذاء فقد ارتفع فوق الائة في الائة، ويتناقص بشكل كبير احتياطي العملت الجنبية الذي تم تجميعه خلل فترة الفورة النفطية القصيرة في التسعينات، كماأنّ العجز في الوازنة ارتفع من ٣% من الناتج الحلي الجمالي في ٢٠١٠ إلى ٣٣% اليوم. كذلك تراجع مؤشر التنمية البشرية إلى العدل الذي كانموجوداً قبل ٣٧عاماً.

يقدرأنّه حتى مع النمو السنوي العام الذي يوازي ٥ % سيتطلب المر ٣٠ سنة كي يعود الناتج الحلي الجمالي في سوريا لرقام العام ٢٠١٠.

يحاجج هذا القالبأنّه في ظلكلّ ما يحصل نجد أنفسنا أمام اقتصاد حرب يرسخ نفسه في البلد، خصوصاً في الناطق التي تسيطر عليها العارضة، مما يخلق شبكات اقتصادية ونشاطات تجارية جديدة هامة تعتمد على العنف الستشري في البلد للستمرار. يقوم اقتصاد الحرب هذا بخلق محفزات جديدة لن يستغلون الحرب للكسب الادي من أجل إطالة أمد هذه الحرب. تعتاش قطاعات هامة من القتصاد اليوم وتستمر بفضل الصراع، وتخلق شبكة واسعة من الشخاص والجموعات الذي ل مصلحة لديهم بانتهاء النزاع. لكن في الوقت نفسه، يتفتت القتصاد السوري مع انقطاع الناطق التي يسيطر عليها النظام وتلك التي تسيطر عليها العارضة عن بعضها البعض. ومع بروز مصالح ومراكز قوى جديدة، أصبح من الصعوبة بمكان تخيل العودة إلى الدولة الركزية القوية التي كانت موجودة قبل النزاع.لكنّ هذا التفتت قد يكون جزء من الحلخصوصاً كطريقة للعمل باتجاه توافق وطني من أسفل الهرم حتى أعله.

أربع مراحل من النهيار

بعد اندلع الصراع في ٢٠١١، تراجع القتصاد السوري على أربع مراحل. الرحلة الولى كانت مباشرة بعد بدء النتفاضة، وشهدت اختفاءسريعاً للسياح، وخسارة كبيرة للثقة الحلية ما أدى إلى تراجع سريع في الستهلك والستثمار. في أيار ٢٠١١، بعد شهرين فقط على أول تظاهرة، تراجعت نسبة إشغال الفنادق في البلد، وتراجع عدد التراخيص الستثمارية التي أصدرتها “وكالة الستثمار السورية” في النصف الول من عام ٢٠١١ بنسبة ٤٣% مقارنة بالفترة نفسها من العام ٢٠١٠.رداً على ذلك، قامت الحكومة برفع الرواتب في القطاع العام، وخفضت من أسعار وقود التدفئة الدعومأصلً. في أيلول ٢٠١١، منعت الحكومة استيراد كل البضائع التي تترتب عليها رسوم جمركية تفوق ٥%، وذلك من أجل توفير ما يوازي الستة مليارات دولر من العملت الجنبية،لكنّها تراجعت عن القرار بعد ١٢يوماً إثر اعتراض من رجال العمال. بدأت الرحلة الثانية في خريف العام ٢٠١١ مع فرض عقوبات غربية،

مجملها أوروبي، على صادرات النفط الخام السوري، ما عزز العزلة الدولية للقتصاد السوري. لقد كان التحاد الوروبي السوق الكبر للخام السوري الثقيل، في عام ٢٠١٠ اشترى حوالي ٩٠% من كل صادرات النفط السورية التي كانت تشكل ٩٠% من كل عائدات سورية من العملت الجنبية. بالتالي، أدت العقوبات إلى هبوط حاد في العائدات الالية. كماأنّ العقوبات الخرى عرقلت الصفقات الدولية: أصبح العديد من الؤسسات الحكومية مثل الصرف الركزي، والصرف التجاري السوري، ومؤسسة النفط السورية على اللئحة السوداء، ومنعت وزارة الخزانة الميركية تقديم أي نوع من الخدمات للقطاع الصرفي السوري، ما أجبر الصارف السورية على اللجوء إلى استخدام عملت أخرى غير الدولر في معاملتها. كذلك فرض كل من التحاد الوروبي والوليات التحدة عقوبات على عدد كبير من الشخاص السوريي، ومن ضمنهم أهم رجال العمال في البلد.

بحلول نهاية العام ٢٠١١، كان الصرف الركزي السوري قد استخدم أكثر من ثلث احتياطه من النقد الجنبي، الذي وصل إلى ١٤ مليار دولر في كانون الول ٢٠١١. لم يعلن الصرف عن حساباته وودائعه منذ ٢٠١١، لكن تقدر احتياطات النقد الجنبي اليوم بما بي مليارين وخمسة مليارات دولر أميركي. لكن، في بداية العام ٢٠١٣، استطاعت الحكومة السورية الحصول على مساعدة من إيران لتمويل الستيراد،وخصوصاً تلك الخاصة بالواد النفطية. هكذا لم يتم تحقيق الهدف العلن للعقوبات الغربية – أي إجبار النظام على القبول بالصلح السياسي.قلّة من الستثمرين الذين وجدوا أنفسهم على اللئحة السوداء انتقلوا إلى صفوف العارضة. في الحقيقة،فإنّ العديد من الستثمرين الذين وجدوا أنفسهم على اللئحة السوداء مقربونجداً من النظام السوري، بسبب الضرورة التجارية أو علقات شخصية، وليسوا مهتمي بإنهاء هذه العلقات.

بدأت الرحلة الثالثة من انهيار القتصاد السوري في صيف العام ٢٠١٢، مع توسع الصراع ليشمل قلع القتصاد السوري أي دمشق وحلب، اللتان تشكلن سوية ٥٠% من القطاع الصناعي في البلد. لقد تأثرت القاعدة الصناعية لهاتي الدينتي بشكل كبير بالعنف الدائر في البلد،خصوصاً في مدنية حلب، ما أوقفتقريباً كل الصادرات الصناعية. لقد كان هذا التوسع في العنفجزءاَ من انهيار أكبر في حكم القانون والنظام مع تزايد التقارير عن الخطف والنهب،خصوصاً في منطقة حلب. أدى ذلك إلى هجرة واسعة للقطاع الصناعي والطبقة الوسطى، إلى تركيا ودول الجوار، حيث يمكن أن يبقوا لفترات طويلة.

أخيراً، بدأت الرحلة الرابعة في ربيع العام ٢٠١٣ مع استيلء العارضة على شمال شرق سوريا، حيث توجد أغلب موارد النفط والحبوب. أدى ذلك إلى انقسام بي الجزء الغربي من البلد (الذي يسيطر النظام عليه ) والجزء الشرقي منها (الذي تسيطر عليه العارضة ). دفعت خسارة الشمال الشرقي الحكومة لزيادة اعتمادها على النتوجات النفطية الستوردة وبالتالي على داعميها الدوليي. من أجل التحايل على العقوبات وتمويل عمليات الستيراد تلك،أمّنت إيران وبشكل أقل روسيا، قروضاميسّرلة، وحتى انها نقلت النفط الى سورية في حاملتها الخاصة. في خلل هذه الرحلة، انهار سعر صرف الليرة السورية إلى أكثر من ٣٠٠ مقابل الدولر الواحد، رغمأنّه عاد وارتفع إلى حوالي ١٥٠ بعد قرار الوليات التحدة عدم توجيه ضربة عسكرية على سوريا.

مرونة في مناطق النظام

رغم الدخول في دوامة الصراع والنهيار القتصادي الكبير،فإنّ أغلب الناطق التي تقع تحت سيطرة النظام – مع استثناء حلب وبعض مناطق حمص – ل تزال تتمتع بالعديد من الخدمات العامة البسيطة مثل الاء، والكهرباء، والتعليم والخدمات الصحية، وكذلك يوجد فيها السلع الساسية مثل الخبز والخضار والفواكه، وكذلك البنزين وغاز التدفئة. حتى أنّه من السهل الحصول على بعض السلع الستوردة مثل الرز والسكر.

هذا التحسن في الناطق التي يسيطر عليها النظام يمكن تفسيره بعدة عوامل.أولً، لقد أدى التراجع في الطلب العام – وهو نتيجة للتراجع في القدرة الشرائية للشعب وفي النشاط القتصادي وانخفاض عدد السكان بنحو ١٥% – أدى إلى تسهيل عمل الحكومة في الستمرار بتأمي السلع والخدمات الساسية.ثانياً، لقد ساهم التراجع في قيمة الليرة السورية بزيادة قيمة احتياطات النقد الجنبي.ثالثاً، اتخذت الحكومة إجراءات مثل زيادة التعرفة الجمركية على السيارات الستوردة من أجل الحفاظ على احتياطات النقد الجنبي – النفاق على استيراد السيارات يمثلواحداً من أهم مصادر الطلب على العملة. كذلك سارعت الحكومة إلى تخفيض النفاق الحكومي العام، مثل النفقات الكتبية، والوقود للسيارات الحكومية، والستثمار كذلك مثل بناء مدارس أو مستشفيات أو طرق أو أنظمة صرف صحي جديدة، وكل ذلك كان يشكل ما بي ثلث ونصف النفاق الحكومي.

كذلك استفادت سورية من ثروتها النسبية في الوارد الطبيعية واقتصادها التنوعتاريخياً. كما لعب النتاج الزراعي الجيد خلل سنوات النتفاضة الثلثدوراًأساسياً في تأمي الخزون الغذائي للمدن. كذلكفإنّ تموين مصانع إنتاج الكهرباء من الغاز الطبيعيالصنّعمحلياً والستخرج من الحقول الوجودة في مناطق نفوذ النظام ساعد في التقليل من فترات النقطاع الكهربائي.

في الوقت نفسه، لقد حصلت الحكومة على دعم كبير تمثل بالساعدة الالية الكبيرة من حلفاءها الحليي والجنبيي. داخل سورية، حصلت الحكومة على مساعدة ومساندة من رجال العمال الذين يرتبطون مع النظام بشبكة مصالح كبيرة،وخصوصاً أقرباء عائلة السد، مثل رامي مخلوف الذي يعتبر أقوى وأثرى رجل أعمال في البلد. وقد ساهم رجال العمال هؤلء في الجهد الحربي الخاص بالنظام، عبر الساعدات الادية الباشرة، أو الساعدات العينية.

يقالمثلًإنّ النظام تلقى مبالغ مالية كبيرة من اثني من رجال العمال وهما محمد حمشو وهو صهر ماهر السد، شقيق الرئيس السوري، ويعمل في قطاعاتعدّة منها التجارة والصناعات العدنية، والنتاج التلفزيوني، وكذلك سمير حسن، الوكيل السابق لشركة نستله في سوريا. كذلك قيلإنّ أصحاب شركات النقل وضعوا حافلتهم بتصرف الجيش لنقل الجنود.

لكن ل يمكننا القولإنّ كل قطاع العمال توحد وراء النظام. على العكس، لقد ساند العديد من رجال العمال العارضة. في صيف العام ٢٠١١، شاركت غرف التجارة في كل من حمص ودرعا ودير الزور بشكل أو بآخر في الضرابات التي دعا إليها الناشطون العارضون، فيما شارك بعض رجال العمال في دمشق في الضراب الذي حصل في كانون الول من ذلك العام. بعض أبرز الشخصيات في قطاع العمال أبعدت نفسها عن النظام من أجل تجنب أي نتيجة سلبية في موضوع العقوبات الدولية، وقد خسرت بذلك صفقات مالية كبيرة وواجهت عقاب النظام الذي أتى على شكل تجميد للصول أو محاكمات باتهامات واهية. لكن قدرة النظام على تأمي مساندة جزء كبير من قطاع العمال عززت من دون شك موقعه. كما من الفيد الشارة إلىأنّ الساعدات الالية للمعارضة كانت ستفيد النظاملنّهاضُخٌت في القتصاد العام للبلد.

كذلك، استفاد النظام من الساندة القتصادية الخارجية. كان للمساعدة اليرانية أهمية خاصة – وهي جزء من التغيير الكبير في العلقة بي الطرفي في السنوات الاضية. في العام ٢٠١٠، كانت التجارية بي الدولتي تصل إلى ٣١٦ مليون دولر، وفق مصادر رسمية سورية، وهي أقل بكثير من الستوى الذي كانت عليه مع الدول التي تدعم اليوم بشكل كبير العارضة. في ذاك العام نفسه، كانت التجارة مع السعودية تبلغ ٣،١ مليار دولر و ٣،٢ مليار مع تركيا.

ومؤشر آخر أيضا حصل في نهاية العام ٢٠١٠، فقد فتحت الحكومة السورية الباب أمام مناقصة دولية لنح الرخصة الثالثة للهاتف الخلوية في البلد. ومن بي الشركات الست التي تقدمت وهي “اورانج” من فرنسا، و”توركسيل” من تركيا، و”كيوتل” من قطر، و”تلكوم” من السعودية، و”اتصالت” من المارات العربية التحدة، و”توسعه اعتماد مبي” من إيران، استبعدت الحكومة الشركة اليرانية فحسب، وهي التي قيل وقتهاإنّها مرتبطة بالحرس الثوري اليراني.

لكن في بداية تموز ٢٠١١، ظهرت تقارير عن مساعدة إيرانية محتملة بقيمة ٨.٥ مليار دولر أميركي على شكل مال نقدي ونفط لنظام السد. ثم في العام ٢٠١٣ منحت إيران قرضيميسّرين لدمشق قيمتهما ٣.٤ مليار دولر أميركي. الول بقيمة مليار دولر كانمخصصاً لتمويل الستيراد والخر لتأمي موارد النفط.

كذلك، يعتقدبأنّ روسيا تؤمن مساندة مالية واقتصادية لدمشق، لكن حجم هذه الساعدة غير واضحتماماً.

احد جوانب التعاون بي البلدين كان محاولة التحايل على العقوبات الوروبية والميركية،خصوصاً على الصارف الرسمية السورية، والنظام الالي بشكل عام. في كانون الول من العام ٢٠١١، بعد أسابيع من العلن عن هذه العقوبات، فتح الصرف الركزي السوري حساباتعدّة بالروبل في مصارف روسية هي VTB، و VEB، و”غازبروم بنك”. استخدمت هذه الحسابات من أجل إيداع الصول التي سحبتها الصارف السورية الرسمية من الؤسسات الالية الوروبية.

في هذا الوقت، قدمت النظمات النسانية الدولية مساعدة اقتصادية كبيرة، بعد أن منعت دمشق عملها إل في الناطق التي تسيطر عليها، ومنعت على سبيل الثال دخول الساعدات عبر الحدود على مناطق العارضةشمالً. هذه الساعدة التي قدمتها النظمات الدولية إلى جانب أهميتها لن حصل عليها، فقد ساعدت على تخفيف عبء عدد من السؤوليات عن كاهل الحكومة. طلبت المم التحدة مساعدات في العام ٢٠١٤ بقيمة ٥،٦ مليار دولر أميركي لسورية، وحتى لو لم تتمكن من جمع البلغكاملً،فإنّه من الرجح أن تقوم الحكومة بوضع مسؤولية الحاجات النسانية للعشب على عاتق المم التحدة، ومنظمات إغاثة أخرى.

بروز اقتصاد الحرب

إذا حافظت السلطات السورية على سياستها بتخفيض النفقات لقل حد ممكن، واستمرت في تلقي الساندة الالية من الحلفاء الحليي والدوليي، تمكنت من الستمرار في دفع الرواتب وتأمي موارد السلع الساسية لؤيديها. لكن الناطق التي تسيطر عليها العارضة وتشكل اليوم ما بي ٣٠ إلى ٤٠ في الائة من البلد، لم تعد لديها أي مؤسسات رسمية، رغمأنّ الرواتب الخاصة بموظفي الدولة ل تزال تدفع. في هذه الناطق، ل يوجد كهرباء، وتختفي السلع، وتوقفتتقريباً كل النشاطات القتصادية الرسمية، ول يتم تعليم الولد ول يتلقون في معظم الحيان لقاحات، وينتشر الفقر والجاعة بشكل واسع.

في هذه الفوضى النتشرة في الناطق التي تسيطر عليها العارضة، برز اقتصاد حربي يؤثر على تطور الصراع وعلى الفترة التي ستلي الحرب. مع انهيار المن، تكون اقتصاد جديد قوامه النهب، والخطف، والتهريب مصدراًمهماً للدخل. تبرز شبكات جديدةكلياً،وأحياناً غير شرعية، وتزداد قوة بعض الجموعات والفراد على حساب الطبقة القتصادية التقليدية. في حلب على سبيل الثال، تم الستيلء على أصول مئات الصانع، وبيعت في مناطق أخرى في البلد أو في جنوب تركيا. في هذا الوقت،طوّر الشمال الشرقي، بموارده الكبيرة من الزراعة ومصادر الطاقة،طوّر حياة اقتصادية خاصة به مع تنامي تجارة نفطية نشطة وإثراء طبقة جديدة من الشايخ القبليي والقادة العارضي.

إنّ توسع اقتصاد الحرب في هذه الناطق عززه الصراع بي فصائل العارضة من أجل السيطرة على مصادر مالية مربحة، مثل الحواجز، وحقول النفط، وإهراءت القمح. لقد كان الصراع على حقول النفط في الشمال الشرقي دموياً،خصوصاً مع دخول فصائل مرتبطة بتنظيم “القاعدة” وقبائل عربية وميليشيات كردية وفصائل محلية في العركة من أجل السيطرة. كانت “جبهة النصرة” و”الدولة السلمية في العراق والشام” (داعش) الكثر فعالية في إدارة مواردهما. ويسيطر التنظيمان الن على العديد من حقول النفط في منطقة دير الزور. كذلكفإنّ داعش استولت على مطاحن تنتج ما يكفي من القمح لطعام مليون شخص في اليوم، واستغلت احتكارها ذاك لجني الرباح.

يكم مصدر آخر للربح للفصائل العارضة في فرض رسوم جمركية عند العابر الحدودية ومراكز التفتيش. على سبيل الثال، يوجد أربع وثلثونحاجزاًأمنياً منتشرة على الطريق بي حلب والحدود التركية التي يبلغ طولها ٤٥ كيلومتراً. في مدينة حلب، حصلت معارك كبيرة بي الفصائل العارضة للسيطرة على حاجز “بستان القصر” الذي يفصل بي الناطق التي يسيطر عليها النظام عن تلك التي تسيطر عليها العارضة، وذلكنظراً إلى الرسوم التي يمكن فرضها على البضائع التي تعبر من هناك. على معبر “باب السلم” على الحدود مع تركيا، فرض “لواء عاصفة الشمال” و”لواء التوحيد” اللذان يسيطران على العبر، فرضا ألف دولر أميركي على كل شاحنة تعبر ابتداء من آب ٢٠١٣. ويقال إنّ “جبهة النصرة” جنتأرباحاً طائلة خلل سيطرتها على الناطق التي تمر فيها أنابيب النفط عبر فرض رسوم عبور،

والسماح للنفط بالستمرار في التدفق إلى الصافي النفطية التي تسيطر عليها الحكومة والوجودة في حمص وبانياس.

كذلك، تبرزفرصٌ تجارية من العارك نفسها. خلل الحصار الذي استمر ستة أشهر لقاعدة “وادي الضيف” قرب إدلب، يعتقدأنّ »كتيبة شهداء سورية « التي ترأسها جمال معروف، أطالت أمد العركة عن قصدلنّها كانت مصدراً للمداخيل من الداعمي الخارجيي. طالا كانت العركة مستمرة كان قائد الجموعة يحصل على مساعدات من مانحي خليجيي لساعدته على إنهاء العركة لصالحه. في الوقت عينه، قيلإنّ قادة العارضة كانوا يحصلون على رشاوى من قبل النظام للسماح له بإدخال الؤن لرجاله في داخل القاعدة.

في الوقت عينه، يمكن رؤية أمثلة عن اقتصاد الحرب هذا في الناطق التي يسيطر عليها النظام، حيث بقيت بعض مظاهر السلطة الركزية. العتماد التزايد للنظام على اليليشيات اجبره على منحها استقللية وقوة محلية متزايدتي، ما يعطيهم الحرية لنهب وسلب الناطق التي تنتقل سيطرتها من العارضة إليهم، وبشكل أقل الناطق التي تقع تحت سيطرتهم الباشرة. في اللذقيةمثلً،حَكَم هلل السد، وهو أحد أقرباء الرئيس السوري، الدينة لشهور ولجأ إلى الخطف لتمويل عملياته. في مدنية حمص، وفي أماكن أخرى، برز سوق للسلع التي سرقت من مناطق العارضة (ويطلق عليه اسم “سوقالسنّة”لنّ الناطق التي تسيطر عليها العارضة يقطنها أغلبية سنية ).

لقد ساهمت العقوبات الغربية بشكل غير مقصود في تطوير اقتصاد حرب. أجبرت العقوبات الفروضة ضد كيانات رسمية ومستثمرين معروفي، أجبرت السلطات على السعي وراء وسائط جديدة لعملياتها الدولية، مما منحأفراداً جدداً الفرصة للثراء. الحكومة تمنح العقود لحد الوسطاء الذي سيفتح شركة في سوريا باسم ل عقوبات عليه، أو شركة واجهة في لبنان. لخفاء تفاصيل هذه العمليات، تستخدم هذه الشركةسمساراً يتعاقد بشكل مباشر معالزوّدين ويصدرأمراً بالدفع من مصرف خارج سوريا في الغالب. في كل واحدة من هذه الراحل، يتم فرض رسوم جمركية، وهوامش جديدة للربح، ما يؤدي الى ربح كبير للوسيط، وارتفاع في سعر السلعة. العقوبات تسمح بالتالي لزبانية النظام بإثراء نفسها على حساب مؤسسات الدولة، مع ارتفاع سعر السلع الساسية للشعب. بعبارات أخرى، تعزز العقوبات عناصر من النظام السوري على حساب الدولة وشعبها.

الهبوط في قيمة الليرة السورية خلقفرصاً جديدةأيضاً.غالباً ما تتقلب بنسبة تصل إلى أكثر من عشرة في الائة من قيمتها في اليوم الواحد، ويعود ذلك إلى مضاربي معروفي مقربي من النظام، ويستفيدون من الفرق بي السعر الرسمي وسعر السوق السوداء لليرة، ليجنوا أرباحا طائلة. لكن الضاربة في هذا القطاع الربح تبقى خطرة.

في تشرين الول ٢٠١٣، قام الصرف الركزي السوري بإغلق شركة زهير سحلول وهو تاجر عملت يعرف باسم “ملك” سوق تبادل العملت، وينسب إليه إنقاذ الليرة السورية في العام ٢٠٠٥ بعد الهبوط في سعرها اثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السبق رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان.

تفكك القتصاد السوري

إلى جانب نمو أشكال جديدة من العمال بسبب الصراع، نشهدأيضاً ظاهرة تفكك القتصاد السوري.إنّ الناطق التي تقع تحت سيطرة النظام السوري – أي الدن الساسية إلى جانب الساحل ومحافظة السويداء في الجنوب – لم تعد موصولة ببعضها البعض. تسيطر الجموعات الكردية السلحة على الشمال الشرقي وعلى جيوب أخرى حول حلب، فيما يسيطر على الناطق الباقية في البلد العشرات من كتائب العارضة الختلفة. في الناطق التي يسيطر عليها الثوار في الشمال، يتم استيراد معظم ما يحتاجه الناس من تركيا (أي السيارات، النتجات النفطية، وبعض السلع الغذائية ). كذلك، يتم بيع النفط الذي يستخرجه الثوار وكل النتجات الزراعية عبر تركيا.

في الناطق التي تقع خارج سيطرة الحكومة، تم إنشاء مؤسسات جديدة للهتمام بالحياة اليومية. في الغوطة إحدى ضواحي دمشق، تدير الجالس الحلية حياة الواطني وتؤمن السلع والخدمات. في مدينة منبج تم إنشاء قوة شرطة ونقابة عمالية. في كانون الثاني ٢٠١٤، تم تشريع اللمركزية في الناطق الكردية (وهي كانت تمارس بشكل فعلي منذ وقت طويل ) مع إنشاء “حزب التحاد الديمقراطي الكردي”، القوى على الرض، لجالس إدارية محلية لدارة الحياة اليومية في ثلث مناطق رئيسة تقع تحت سيطرته، في محيط مدينة القامشلي في شمال البلد الشرقي، وفي جيبي شمالي حلب. في آذار ٢٠١٤، تم العلن عن إنشاء “الجلس العلى للدارة الحلية” وهو تجمع لجالس محلية.

رغمأنّ هذا التجمع كانواحداً من مجموعة أعلن عنها في السنتي الاضيتي، أكد ذلك ترسيخ موضوع اللمركزية. في البيان الذي أعلن من خلله إنشاء الجلس، وردت عبارات عن سعي الجلس للعمل من أجل نقل سورية “من الدكتاتورية الركزية إلى الحرية اللمركزية”.

كانت خسارة الشمال الشرقي لصلحة العارضة في ربيع العام ٢٠١٣ مسألة حساسة بالنسبة للنظام،نظراً إلىأنّ النطقة تحتوي على ثورة البلد من النفط وجزء كبير من موارده من الحبوب والياه.رداً على الخسارة، سعى النظام إلى إعادة توجيه الوارد القتصادية لناطق أكثرأماناً في البلد. أعلنت الحكومة عن مشاريع جديدة في الناطق الساحلية الكثرأماناً وشجعت الستثمرين على النتقال إلى هذه الناطق. تضمنت هذه الشاريع إنشاء مطار مدني في طرطوس (رغم وجود مطار في اللذقية القريبة )، وعدد من الكليات الجامعية، ومصنع لعالجة النفايات الصلبة، ومركز لعالجة التبغ. كذلك، تم توسيع النطقة الحرة في اللذقية من أجل استيعاب الستثمرين الجدد. وفي كانون الثاني ٢٠١٣، استلمت الحكومةقرضاً من إيران لبناء مصنع لنتاج ٦٥٠ ميغاوات من الكهرباء في النطقة الساحلية.

إذا تحققت هذه الشاريع، وهو أمر غير مؤكد، ستزيد من جاذبية الساحل وتمنح النظام قاعدة اقتصادية بديلة للتعويض عن الخسائر في أماكن أخرى.

تزامناً مع هذه التطورات التي تساعد على زيادة اللمركزية،فإنّ قوات العارضة تلقتدعماًخارجياًمهماً لتعزيز استقلليتها وسيطرتها على الراضي التي انتزعتها من النظام. أتى هذا الدعم بطريقتي: مساعدات إنسانية للتخفيف من معاناة الشعب وقد تم تقديمها من دول إقليمية ومنظمات دولية ومغتربي سوريي ومتبرعي من دول الخليج؛ ومساعدة عسكرية، قدمتها بشكل أساسي دول الخليج،وتحديداً قطر والملكة العربية السعودية وتركيا، وكذلك ممولون أغنياء من الكويت والسعودية. وككل العلومات التعلقة بالناطق التي تسيطر عليها العارضة، من الصعوبة بمكان قياس حجم وكيفية توزيع هذه الساعدات.

إنّ كمية التبرعات من قبل الجمعيات الخاصة في الخليج، والتي تصل عبر شبكات غير رسمية،تعقّد الهمة.

على عكس الطرف الحكومي، حيث تبقى التبرعات الخاصة محدودة،فإنّ شبكات خليجية كبرىضخّت مئات الليي من الدولرات للمجموعات العارضة. في الكويت وحدها، بلغت الساعدات مئات الليي من الدولرات، رغمأنّ هذه البالغ قد ل تكون كلها من داخل الدولة. شجعت القواني الرنة فيما يتعلق بتمويل الرهاب العديد من التبرعي الخليجيي لتحويل تبرعاتهم من خلل الكويت. وأبعد من تمويل صراع مسلح،فإنّ هذه الموال استخدمت لتمويل مشاريععدّة في مناطق العارضة، مثل الستشفيات وآبار الياه والخابز.

مع تزايد التفكك وتراجع سيطرة الحكومة الركزية على البلد، استمر وجود بعض التفاعل بي الناطق التي يسيطر عليها النظام وتلك التي تسيطر عليها العارضة. في حلب، بعد أن هددت الهيئة الشرعية التي تتحكم بكل نواحي الحياة الدنية بقطع الياه عن مناطق النظام اذا لم تتحسن التغطية الكهربائية، تم التوصل إلى اتفاق بعنوان “الياه مقابل الكهرباء” بي الطرفي. في إدلب، قيلإنّ فصائل معارضة تسيطر على مخزون القمح عقدت صفقة مع مسئولي الحكومة الحليي الذين يسيطرون على أربع مطاحن. في نيسان ٢٠١٣، برزت تقارير عن عقد صفقة بي جبهة النصرة والحكومة لتزويدها بالنفط بعد سيطرة الجبة على عدد من حقول النفط في دير الزور. قد تمثل هذه الرتباطات القتصادية واحدة من وسائل قليلة ملموسة للتفاهمات الشتركة بي الطراف التحاربة.

رغم ذلكفإنّ الستقللية النسبية التي ربحها الفاعلون الحليون تخلق بشكل واضح مصالح قوية ومراكز قوة من الرجح أن تتصارع في الستقبل مع أي حكومة تريد أن يكون لها مقدار السيطرة نفسه الذي كان لدمشق قبل الحرب. سيكون موضوع السيطرة على الوارد الطبيعية، مثل النفط والاء، أو على العابر الحدودية والر، سيكون مصدراً لنافسة مستمرة. أكثر من ذلك،فإنّ العلقة بي الناطق الختلفة والعاصمة، واعتماد كل منها على الخرى، وكذلك مستوى الستقللية التي ستمنح للقوى الحلية ومستقبل الؤسسات التي أنشأت خلل الحرب ستكون كلها مصادر لخلفاتنظراً إلى عدم رغبة أي من الجموعات والناطق التي تعززت قوتهااخيراً بالتنازلطوعاً عما ربحته.

هل من حل؟

بعد ثلث سنوات على بدء النتفاضة السورية، ل يبدو أي حل في الفق. لقدتحوّلت النتفاضة التي بدأت كنداء من أجل حياة أكثر عدالة، وحرية، وكرامة،تحوّلت إلى حرب أهلية مطولة. ومع تطورها، استغل النظام والتمردون الديناميات التغيرة للتأكيد على قدرتهم الستمرة في تأمي الوارد الخاصة بمعركتهم. لقد أصبح عدد متزايد من الشخاص، من طرفي النزاع، يستفيدون بشكل مادي كبير من الصراع الستمر، مما يعطيهمحافزاًقوياً لطالة العركة التي يستفيدون منها. يعتقد اليومأنّ العديد من الكتائب التمردة تركز جهدهاكلياً على عملياتها التجارية، وقدتخلّت عن القتال ضد النظام. بالنسبة لهؤلء، وغيرهمأيضاً من الفراد والجموعات في طرفي الصراع،فإنّ الحرب الستمرة تخلق اليومفرصاً مربحة لجني الال.

في الوقت عينه،فإنّ سيطرة الدولة الركزية قد أصبحت ضعيفة بشكل قاتل، واستولت قوى وفاعلون جدد على السلطة في البلد. لقد تمكنت مراكز القوى الجديدة تلك من تعزيز قوتها عبر قدرتها على الوصول إلى الوارد القتصادية الساسية، مثل النفط في الشمال الشرقي أو العابر الحدودية على الحدود مع تركيا، مماأمنّ لها الستقللية الادية، وساعد على إمساكها بالسلطة الحلية.

لقد كان السلح البرز بيد أوروبا واميركا في هذه الفترة هو فرض العقوبات. ورغمأنّ هذا السلح كان له تأثير مالي هام على تدفق عائدات النظام إلأنّه لم يؤد إلى النتائج السياسية الطلوبة. لقد فشلت العقوبات بشكل كبير في تحقيق أهدافها السياسية، التي كانت تتمحور حول إجبار النظام على القبول بمطالب شعبه. في الوقت عينه، ساهمت العقوبات بشكل أو بآخر في تنمية اقتصاد الحرب، وذلك عبر تعزيز شبكات الوارد الجديدة التي نشأت لتخطي هذه العقوبات. كما منحت العقوبات نظام السدمخرجاً للثمن الشعبي للصراع: فقد كان لها تأثير إنساني عبر اختفاء الوارد وزيادة كلفة استيراد الطعام، والدوية، والنتجات الخرى مثل معدات مصانع تدوير النفايات؛ وكذلك ساهمت العقوبات في تعزيز اعتماد النظام على الفاعلي الخارجييوخصوصاً إيران.

في ربيع ٢٠١٣، قرر التحاد الوروبي، وباعتراف جزئي منه بهذه التأثيرات، رفع حظره على صادرات النفط السوري بشكل جزئي، للسماح بتصدير الخام من الناطق الواقعة تحت سيطرة العارضة. كان الهدف من ذلك خلق مصادر جديدة للعائدات، والتنمية الحلية، في الناطق التي تسيطر عليها العارضة. لكن في المارسة، كان لهذا الجراء تأثير ضعيفلنّ أحد شروط رفع الحظر كان أن تذهب العائدات إلى “الئتلف الوطني”، الجموعة العارضة العترف بها من قبل الغرب، وتتمتع بسلطة شبه معدومة على الجموعات السلحة التي تسيطر على الرض.

تحتاج أوروبا الن إلى التفكير بشكل جدي بنتائج العقوبات. إذ فيما كان للجراءات التي فرضتتأثيراً ل يمكن عكسه، ينبغي على الدول الوروبية تجنب اللجوء إلى الجراء العتمد وهو فرض عقوبات جديدة لغياب أي بدائل، في حي تريد هذه الدول أن تتخذموقفاً اكبر ضد نظام السد ومناصريه.نظراً إلى الكارثة النسانية العاجلة، يجب على الوروبييأنّ يعيدوا تقييم تأثير العقوبات بشكل دوري. إذ فيما يوجد مخاطر جلية يمكن لزبانية النظام الستفادة من ثغراتها، ل ينبغي أن يعرقل ذلك تطبيق “ليبرالي” لنظام العقوبات على أسس إنسانية. بشكل محدد، يجب التفكير بتخفيض الجراءات الخاصة بالعاملت التجارية والصرفية من أجل تسريع وصول الدواء والطعام.

في هذا الوقت، ورغمأنّ الحرب الهلية هي بشكل أساسي صراع من أجل السلطة السياسية،فإنّه على الوروبيي أن يأخذوا بعي العتبار ظهور مصالح اقتصادية قوية أثناء معالجة ما يمكن القيام به لنهاء القتال. بشكل محدد،فإنّ تفتيت القتصاد السوري يجعل من الصعوبة بمكان التفكير بإعادة بناء الدولة السورية الركزية الخاصة بما قبل النتفاضة. مما ل شك فيهأنّ القوى التي ظهرت نتيجة لقتصاد الحرب ستقاوم كل محاولت إعادة بناء سيطرة مركزية في سوريا، ومن الرجح أن تساند هذه القوى تسوية تعتمد بشكل كبير على استقللية سياسية واقتصادية محلية. رغمأنّ العديد من الوروبيي قد يفضلون إعادة بناء دولة مركزية قوية، لكن ينبغي عليهم التفكير بفترة انتقالية قوامها الدولة غير الركزية.

نظراً إلى قوة الفاعلي الحليي التزايدة، يجب على صانعي السياسات الوروبيي العمل أكثر من أجل تعزيز قدرة الجالس الحلية في البلد. بدأت نتائج هذه الجهود بالظهور، وينبغي الستمرار بها بشكل فعال. ل يجب تركيز الجهود كلها في الساعدات النسانية، بل ينبغي التركيز على تأمي وسائل للستدامة الخاصة بهذه الناطق طالا تبقى فكرة الدارة السياسية الجديدة بعيدة. كذلك، يمكن لنظام سياسي غير مركزي جديد أن يكون جزء من الحل للصراع السوري، ويؤمن وسائل الوصول إلى توافق وطني جديد من أسفل الهرم حتى أعله.

نشر هذا  المقال في مجلة بدايات الفصلية في ربيع/صيف 2014

لا إعادة إعمار في سورية

يعلّق المستثمرون والسياسيون، على امتداد الشرق الأوسط، آمالاً كبيرة على إعادة بناء سورية لتوليد فرص عمل جديدة وإعادة تشغيل اقتصاداتهم التي لحق بها أذى كبير منذ الانتفاضات الشعبية في 2011. وتؤكد تكلفة إعادة الإعمار، التي تقدر بما بين 100 و300 مليار دولار، المصالح الكبيرة جداً التي تمثلها تلك العملية بالنسبة إلى المنطقة ككل.

غير أنه من الناحية العملية، لا يوجد احتمال كبير بأن تحدث أية عملية لإعادة البناء ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، وهو أمر غير محتمل بحد ذاته.

فالدول والمؤسسات التي لديها القدرة المالية، والتي غالبا ما تموّل مثل هذه الجهود المالية الواسعة النطاق، وهي دول الخليج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وعبرها البنك الدولي، خسرت الحرب في سورية، وهي لن تنفق أموالها في بلد تسيطر عليه إيران. أما الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فيريدان التوصل إلى اتفاق سياسي قبل الشروع في تحويل الأموال إلى سورية. وفيما يعتقد البعض أن الخوف من اللاجئين سيدفع الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف إلى دفع الفاتورة، فإن إعادة بناء العلاقات مع النظام السوري ستكلف الاتحاد الأوربي كلفة سياسية عالية، لم يزدها الهجوم الكيماوي في خان شيخون إلا سوءاً.

بالمقابل، فإن الدول التي ربحت الحرب، أي روسيا وإيران، لا تملك الإمكانيات المالية لدفع ثمن إعادة الإعمار. وقد بذل كل من البلدين، منذ 2011، جهوداً كبيرة وأموالاً طائلة في الحرب (وقد حققت روسيا بالفعل مكاسب من وراء قتل السوريين، وذلك من خلال صفقات تصدير أسلحة)، ولكنها لم تقدم سوى القليل جداً من حيث المساعدات الاقتصادية المباشرة، باستثناء إمدادات النفط من طهران.

ويتوقع البعض أن تقوم الصين بملء الفراغ، بيد أن كل الدلائل من بكين تشير إلى انعدام رغبة السلطات الصينية في المشاركة في شكل كبير في بلد يقع في خضم التوترات والصراعات الإقليمية والدولية المختلفة. ولا ننسى أن إيران والمملكة العربية السعودية كليهما مورّدان مهمان للنفط الخام للصين، ما يجعلها تتردد في استعداء أي منهما. أضف إلى ذلك أن الصين كلما استثمرت في بلد من البلدان الناشئة، كحال أفريقيا، كانت تطالب في المقابل بالحصول على الموارد الطبيعية لهذه البلدان، ولكن سورية ليس لديها إلا القليل من هذه الموارد، التي استولت عليها، على أي حال، روسيا وإيران.

ويقول بعض المسؤولين في الحكومة السورية الذين أدركوا حجم العقبات التي يواجهونها، إنهم سيعتمدون على الشراكات بين القطاعين العام والخاص من خلال المستثمرين والمصارف المحلية. والحال أن معظم المستثمرين البارزين غادروا سورية، وليست البنوك في حال يؤهلها لتوفير التمويل. ففي نهاية حزيران (يونيو) 2017، بلغ مجموع الأصول الموجودة للبنوك في القطاع الخاص البالغ عددها 14 مصرفاً، 3.5 مليار دولار فقط، وهو ما يشكل أقل من عشر أصول مصرف واحد كبير في لبنان أو الأردن، مثل بنك عودة أو البنك العربي.

بيد أن المشكلة ليست مالية فحسب، ولكنها تكمن أيضا في فقدان أي استراتيجية شاملة لإعادة الإعمار. ويبدو أن السياسة الوحيدة التي تتبعها الحكومة تعطي الأولوية لمصالح روسيا وإيران من ناحية، ورجال أعمال النظام من جهة أخرى.

ولا شكّ في أن موسكو وطهران تريدان أن تحصّلا ثمن الدعم السياسي والعسكري الذي قدمتاه إلى النظام في السنوات الماضية. وقد اكتسبت روسيا بالفعل، على سبيل المثال، حقوق تطوير مناجم الفوسفات السورية وحقول النفط والغاز، وكثير من عائدات هذه الموارد التي كان يمكن استخدامها لتمويل إعادة الإعمار سيذهب في الواقع إلى شركات روسية. وعندما اجتمعت أخيراً «اللجنة الروسية- السورية المشتركة للتعاون الاقتصادي»، لم تُناقش مشاريع الاستثمار في البنية التحتية السكنية أو شبكات المياه التي تشتد الحاجة إليها، ولكن انحصر النقاش في مشاريع الطاقة وإنشاء خط سكة حديد يربط بين مناجم الفوسفات وميناء طرطوس بهدف خفض تكاليف تصدير الفوسفات لمصلحة الشركة الروسية التي تستخرجه من المناجم.

وفي الوقت ذاته، تستعد إيران لتقديم قرض بقيمة مليار دولار إلى الحكومة السورية (وهو مبلغ ضئيل جداً بالمقارنة مع الاحتياجات الحقيقية للبلاد) شرط أن تُستخدم حصراً لشراء المنتجات الإيرانية. وبالتالي فإن أموال طهران هي مساعدة للشركات الإيرانية بمقدار ما هي دعم للاقتصاد السوري.

من ناحية أخرى، تستثمر الحكومة الأموال المحدودة التي لديها لتمويل المشاريع التي من شأنها أن تفيد رجال الاعمال الموالين لها. ولعل الرمز الأبرز لهذا التعاون هو مشروع «بساتين الرازي» العقاري الواقع في حي المزة بدمشق، والذي تم طرد آلاف العائلات السورية من بيوتها فيه.

ويطلق العديد من السوريين على مشروع بساتين الرازي اسم «سوليدير السوري» بسبب المباني الشاهقة المخطط لها، ولأنها ستكون مخصصة حصرياً لتلك الفئة الضئيلة جداً من السوريين التي تستطيع شراء مساكن باهظة الثمن.

لكن على رغم الطلب الهائل الآن على السكن الشعبي لبناء منازل محل مئات ألوف البيوت التي دمرت خلال الحرب، وعلى رغم قدرات الإقراض المحدودة جداً للبنوك المحلية، أصدرت الحكومة تعليمات لأحد بنوك القطاع العام لتمويل البنية التحتية لمشروع بساتين الرازي، الذي ليست له جدوى اقتصادية مهمة، ولكنه يحقق أرباحاً ضخمة لعدد ضئيل من رجال اللأعمال. وهذا ما تعطي الحكومة الأولوية له.

إن الآمال الكبيرة بوجود حملة لإعادة الإعمار في سورية مبنية، أساساً، على افتراضات زائفة. وآخر مثال على جهود إعادة الإعمار الكبيرة في المنطقة هو لبنان. في تلك الحالة كانت هناك جملة من العناصر: 1) صفقة سياسية تدعمها الأطراف الفاعلة الرئيسية إقليميا ودوليا، 2) الدور البارز لرفيق الحريري، الرجل القوي ذي العلاقات الاقتصادية والسياسية المتينة في جميع أنحاء العالم، 3) رؤية لما يجب أن تقوم عليه إعادة الإعمار، أي إعادة وضع لبنان، وبيروت، كمركز للوساطة بين الشرق الأوسط والغرب، 4) ودعم مالي قوي من دول الخليج والغرب.

في حالة سورية اليوم كل هذه العناصر مفقودة. لذلك، من غير المرجح أن تبدأ إعادة إعمار سورية في أي وقت قريب.

نشر المقال في جريدة الحياة في 26 تشرين الثاني 2017