توتر طائفي وإثني واقتصادي في سوريا: هل اللامركزية هي الحل؟

محاضرة وجلسة نقاش في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت (24 أيار 2017)
​ شاهد الجلسة
 استمع إلى الجلسة

Advertisements

حول سورية ولبنان والنضال ضد إسرائيل

أثارت عبارة المؤرخ اللبناني والناشط الشيوعي السابق فواز طرابلسي حيث وصف سمير القنطار، الأسير السابق في السجون الإسرائيلية، بشهيد المقاومة الفلسطينية واللبنانية، موجة واسعة من الجدل وحتى الغضب لدى أنصار الثورة السورية عموماً، وبين السوريين منهم خصوصاً.

منذ انطلاقة الثورة السورية، أعلن القنطار في مناسبات عدة دعمه للنظام السوري، ساعياً لحشد الدعم له وواصفاً الثوار بالإرهابيين.

حقيقة عدم اشارة الطرابلسي في عبارته الى موقف القنطار من النظام السوري فُهمت كمجازفة للتغطية على كل اؤلئك الذين يدعمون النظام السوري. وبكلمات أخرى، ترجمت مقالة الطرابلسي على النحو التالي: «مهما كان موقفكم من النظام السوري، وطالما أنكم حاربتم اسرائيل يوماً ما وفي مكان ما، فانكم تُمنحون صفة الشهيد».

يعــود السبــب وراء هذا الانفعال الذي أثارته العبارة الى موقع الطرابلسي في الساحة السياسية والثقافية العربية. فهو واحد من المفكرين النادرين والنشطاء السياسيين الذين يظهرون بشكل دائم وضوحاً واتساقاً في مواقفهم من حقوق شعوب هذه المنطقة ومن النضال ضد الظلم والديكتاتورية والصهيونية.

سلط الجدل حول التصريح الضوء، أيضاً، على الكيفية التي يُنظر فيها الى التهديد الاسرائيلي في كل من لبنان وسورية، وعلى دور النضال ضد الصهيونية في اطارالجدل الاوسع حول النضال في سبيل حرية وكرامة الانسان في المشرق العربي.

كان للنضال ضد الصهيونية بالغ الأثر بالنسبة للكثير من اللبنانيين، وبخاصة الناشطين السياسيين امثال الطرابلسي. فقد فقدوا أصدقاء وأقارب ورفاقاً وأخوة سقطوا بالسلاح الاسرائيلي. كما شهدوا كيف دمرت الدولة الصهيونية منازلهم وقراهم ومدنهم. لقد عايشوا العدوان والغزو الاسرائيليين أعوام 1978 و1982 و1996 (قانا) و2006. أما الأجواء والمياه الدولية اللبنانية فتنتهك يومياً من قبل الاسرائيليين.

أما بالنسبة للسوريين فكانت لديهم تجربة مختلفة. فعلى رغم أن العداوة لإسرائيل تشكل جزءاً مهماً جداً من الوعي السياسي لدى جميع السوريين فانهم لم يعانوا، على امتداد 40 عاماً، من مواجهة مباشرة معها ولم يفقدوا أصدقاء ولا أقارب، ولم يروا غزواً اسرائيلياً، ولم يشهدوا تدمير قراهم ومدنهم على يد الاسرائيليين. وهكذا فإنهم إذ يشاركون في رفض اسرائيل، فإنهم لا يرون التهديد الاسرائيلي بالطريقة نفسها التي يراه فيها الكثيرون من اللبنانيين، وهو لم يحمل إليهم نفس المعاناة والمشاعر.

من الناحية السياسية، فإن ما كان الطرابلسي وغيره ممن يحملون القناعات نفسها، يحاولونه منذ سنوات عدة، هو تذكير الجميع بحاجة شعوب المنطقة، والتقدميين منهم بشكل خاص، الى ضرورة استعادة الاهمية للنضال ضد اسرائيل.

ومنذ عقود يبرر النظام السوري القمع السياسي الذي يمارسه ضد شعبه بالحاجة الى رص الصفوف والقتال في سبيل استعادة هضبة الجولان وفلسطين. وفي الثمانينات، وعندما كان السوريون يفتقدون الى كافة البضائع والخدمات، كان النظام السوري يلقي باللائمة على العقوبات الدولية واسرائيل. ومع ذلك، لم يقم باي خطوة جدية لقتال اسرائيل، ولم ير أحد أي سلاح أو مساعدة ترسل الى المناطق السورية والفلسطينية المحتلة.

وبكلمة أخرى، اذا كان النظام السوري قد استخدم فلسطين وهضبة الجولان كمبرر للاستمرار في قمع السوريين، فذلك جعل من القضيتين كبش فداء سهلاً، أي بكلمة أخرى، كانت القضيتان ضحايا للنظام ولم تكونا سبباً في معاناة السوريين.

بالطبع، كانت كلمات الطرابلسي غير مناسبة. لأن اعتبار أحد الداعمين لنظام قاتل «شهيد المقاومة الفلسطينية واللبنانية»، يثير تساؤلات جدية حول المبادىء الاخلاقية والسياسية لهذه المقاومة. مع ذلك، لا يجوز ان يصرف هذا الامر انتباهنا عن النضال ضد اسرائيل، وانه جزء من نضالنا الاكبر لاستعادة كرامتنا. كانت اسرائيل، ومنذ زمن بعيد، حليفاً موضوعياً للنظام السوري، وهذا واحد من أسباب عدة حالت دون سقوط النظام، وهي حليف مباشر لروسيا، أحد أقوى رعاة النظام. وعلى رغم كل ذلك فالنظام السوري، كالعديد من الدول والتنظيمات في المنطقة، يستخدم الصراع ضد اسرائيل كمصدر للشرعية السياسية.

خلاصة القول، في خضم النضال ضد الديكتاتورية والظلم، لا نستطيع نسيان إسرائيل، وإذا أردنا تقرير مستقبلنا، يجب علينا ان نجعل من النضال من أجل فلسطين والجولان نضالنا، وعلينا ألا نترك هاتين القضيتين للنظام ولإيران ولأتباعهم في المنطقة.

نشر المقال في جريدة الحياة

What if our revolution was also a civil war?

It has become increasingly common for western journalists and commentators to describe the Syrian revolution as a civil war. Syrians of all opinions, however, dispute this definition to a large extent. The expression raises, indeed, many parallels with the devastating conflicts in neighbouring Lebanon and Iraq and adopting it means accepting that our country is on the way to a similar fate. For supporters of the revolution, the expression also carries the serious risk of equating the two warring parties in terms of the legitimacy of their struggle. In the eyes of many, when two parties fight a civil war they become equally responsible for the destruction of their country and equally legitimate in their claim to represent the interests of the population.

It needs not be so, however, and reminding everyone that the Spanish conflict, which lasted from 1936 to 1939 and saw republicans on the one side fight fascists on the other, is routinely defined as a civil war, will make it easier to digest this definition. In other words describing a conflict as a civil war does not necessarily mean that the two parties are equally legitimate in their claims to fight for the bettering of their country and population.

What one cannot deny is that Syria is now witnessing a struggle that has turned largely armed; that on both sides the men fighting and dying are overwhelmingly Syrians – although the regional and international dimensions of the conflict are clear to everyone; and that both parties benefit from the support of significant segments of the population.

For us supporting the revolution, it has been difficult to understand how that many Syrians continue to support the regime. Isn’t the struggle for freedom, justice and dignity a legitimate one? Shouldn’t the concepts of democracy and rule of law be accepted by everyone because they are inclusive of all? Don’t regime supporters see the brutality and viciousness exercised by the regime against their fellow countrymen? Don’t they realise that the regime is only fighting in order to continue to rule the country at any cost, including at the cost of depriving all Syrians, including those that support it, from their basic rights to freedom, justice and dignity?

Well, what we have to admit is that the struggle going on in Syria is not only about these issues – and I am not talking here of the international dimensions of the conflict.

Democracy, for one, is seen by many, in particular members of religious and ethnic minorities, as a potential threat. The concept is perceived in the following manner: democracy is strictly about the ballot box; the ballot box means the unchecked rule of the majority; the majority is necessarily Sunni or Arab. As a consequence, from Kurds to the Christians or the Druze, these minorities have largely remained on the sidelines of the revolution.

The struggle for justice and dignity is no less a threat to other segments of the population. The entry into Aleppo of the opposition in the summer of 2012, for instance, was particularly telling of these divides. The conflict between the wealthy city and its underdeveloped and poor rural backyard was laid bare and depending on whose perspective you adopted, Aleppo was either being “liberated” or “occupied”.

As to the Alawites, much has already been written on the subject and on the ties of the community to the Syrian state, its bureaucracy, security services and army, and hence the fear of losing these privileges.

What matters today is that the revolution has uncovered the many fault lines of Syrian society and if Syrians want to overcome them, they will need to find a way to address these divides. The issues at stake that must be debated now, not later, include the rights of the minorities, the role of the central state and the extent of a potential decentralization, the economic and social crisis, and the management of the transition, among many other issues.

None of the above changes the fact that the values for which the revolution is being fought are profoundly fair and legitimate and that the demise of the regime is a condition for any meaningful and lasting solution to the conflict.

However, accepting that our revolution is also, to a certain degree, a civil war, and understanding what political challenges and compromises that entails, are indispensable steps if we want our revolution to succeed and to live together again.

 

Note: An Arabic translation of this article appeared first in September 2013 in An-Nahar, a Lebanese daily

الخلفية الاقتصادية والاجتماعية للثورة السورية

ثمة إجماع عام على أن الانتفاضة التي تجتاح سوريا منذ آذار 2011 هي جزء من حركة إقليمية أعم وأشمل، انطلقت للمطالبة بحكم أفضل وحريات أوسع، ولكن النقاش لم يتناول مسألة إلى أي مدى ساهمت الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة في البلاد في الانتفاضة.

إن السؤال حول ما إذا كان السوريون قد انتفضوا فقط بسبب تعطشهم إلى الحرية والعدالة والكرامة، أم أن المظالم الاجتماعية قد لعبت هي أيضا دورا ذا مغزى في ذلك، يبقى سؤالا مهما على أية حال، إذا ما اراد المرء أن يفهم دينامية الانتفاضة وينتج رؤية اقتصادية قابلة للاستمرار على المدى الطويل.

مع مطلع العام 2011 كانت سوريا قد شهدت على مدى سنوات عدة متعاقبة نموا في الناتج الإجمالي المحلي ما بين 4 و 5 في المئة، وعجزا محدودا في موازين المدفوعات والتجاري والمالي، وسعر صرف مستقرا للعملات الأجنبية، وارتفاعا في حجم الاستثمارات، وتقلصا في حجم التضخم. ولكن هذه الأرقام الماكرو-اقتصادية كانت تخفي، على أية حال، اختلالات عديدة، ولم تكن تعطي صورة واضحة عن الاتجاهات الاقتصاية الأخرى البعيدة المدى التي لا بد من أخذها في الحسبان كي نتمكن من فهم افضل لدينامية الثورة.

إن مستوى نمو الناتج الإجمالي المحلي على سبيل المثال يمكن أن يعتبر عاليا بالمقاييس الغربية ولكنه غير كاف على الإطلاق بالمقاييس السورية. في الحقيقة، بالنسبة لمعظم المحللين فإن سوريا بحاجة إلى معدل نمو بنسبة 8 في المئة من أجل خلق فرص عمل للقادمين الجدد إلى سوق العمل. ولكن مستوى نمو الناتج الإجمالي المحلي كان عاجزا، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، عن الوصول إلى هذه النسبة، وهو ما كان يعني زيادة مطّردة في البطالة على مدى ثلاثين عاما متصلة.

أما بالنسبة لعجز الميزانية المحدود فقد جاء بصورة رئيسية بسبب تقلص الاستثمارات الحكومية مما أدى إلى القصور المستمر في تطوير البنية التحتية السورية. أما بالنسبة للميزان التجاري فإن من الثابت أنه كان دائما معتمدا على صادرات النفط، والتي شكلت في العام 2010 نسبة 46 في المئة من إجمالي الصادرات السورية. بيد أن النقص السريع في مخزون النفط السوري يشكل مصدرا حقيقيا للقلق في المستقبل. هذا بينما كانت استثمارات القطاع الخاص تتركز في القطاع العقاري وقطاع الخدمات، وتنأى بنفسها عن الصناعات البعيدة المدى والتي تستخدم أعدادا كبيرة من العمالة، كصناعة النسيج التي شهدت إغلاق أعداد كبيرة من مصانعها في العقد الأخير. وفي النهاية، ومع أن الاستثمارات الأجنبية التي جذبتها سوريا كانت في حالة صعود، إلا أنها بقيت أقل من الاستثمارات التي يجتذبها بلد مثل الأردن، الذي لا يتجاوز عدد سكانه خُمسَ سكان سوريا، ولا يمتلك أيا من مواردها الطبيعية.

الفورات والانتكاسات الاقتصادية

إن نظرة إلى الاتجاهات الاقتصادية البعيدة المدى تساعدنا في وضع الأمور في سياقها. في العام 1946، كانت سوريا عضوا مؤسسا في الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة (GATT)، وهي السلف الصالح لمنظمة التجارة العالمية – من بين ثلاثة وعشرين بلدا فقط في العالم كله. وفي العام 1950، عندما كانت الجزائر لا تزال تحت الحكم الفرنسي وكانت غالبية دول “العالم الثالث” تكافح من أجل استقلالها، كانت سوريا تتمتع باقتصاد مزدهر وحياة سياسية نابضة بالنشاط. ومن ثم جاءت ثلاثة عقود متوالية من استثمار الدولة في البنية التحتية وفي قطاعي الصحة والتعليم، ما أدى إلى ارتفاع مؤشرات التنمية للبلد. وفي السبعينات، كان مؤشر التنمية البشرية – وهو مؤشر وضعته الأمم المتحدة مركب على قياس العمر المتوقع للإنسان ومستوى التعليم ومستوى الدخل في بلد ما – يرتفع في سوريا بنسبة هي من بين أعلى المعدلات في العالم. وفي عام 1983، كان مستوى الدخل الإجمالي القومي للفرد الواحد 1901 دولار، أي أعلى من نظيره التركي الذي كان 1753 دولارا، ويكاد يلامس الدخل القومي للفرد في كوريا الجنوبية الذي كان في حدود 2187 دولارا للفرد. ولم يكن ذلك موغلا في الزمن – ثلاثون سنة فقط.

إن البحث في الفترة التالية خلال ثمانينات القرن الفائت هو أمر في غاية الأهمية من أجل تقفي الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها سوريا اليوم. ففي بداية عقد الثمانينات، تقلص الاقتصاد السوري بحدة، وكان ذلك يعود جزئيا إلى الانخفاض الحاد في أسعار النفط دوليا، كما يعود إلى تقلص التحويلات والمساعدات من دول الخليج. وجفت الاحتياطات النقدية من العملة الأجنبية، ما أدى إلى تدهور سريع في قيمة الليرة السورية بدأ في عام 1986، العام الذي شهد بداية تدهور الطبقة الوسطى السورية. وقد ترافق ذلك مع تقلص سريع في الإنفاق الحكومي الذي كان يشكل العمود الفقري للاقتصاد السوري. ومنذ ذلك الوقت، لم يتعافَ البلد ابدا.

وفي القسم الأخير من عقد الثمانينات لاحت بارقة أمل عندما بدأت سوريا باستخراج النفط من حقول جديدة في المنطقة الشمالية الشرقية بالقرب من مدينة دير الزور. وقد تلا ذلك فورة قصيرة، ما أزكى الأمل في أن تقوم الدولة بقيادة مرحلة التعافي من خلال الاستثمار مجددا في البنية التحتية والانفتاح الاقتصادي. ولكن العكس هو ما جرى: فقد أعطت العائدات الجديدة من النفط هامشا ماليا جديا للسلطة لكي تناور، ومصدرا جديدا لكسب العملة الأجنبية، وهو ما أدى في النهاية إلى تقلص الضغط على السلطة لكي تنفتح جديا. وهكذا ضاع عقد التسعينات.

صادف العقد الأول من القرن الجديد مع وصول بشار الأسد لخلافة أبيه في الرئاسة. وقد شهد هذا العقد انخفاضا جديدا في صادرات النفط، ما هدد الوضع المالي للحكومة، فبدأت إصلاحات اقتصادية جدية. وقد اهتم التحرير التدريجي للاقتصاد الذي كان موجها نحو قطاع الخدمات بتحديث الإطار التشريعي للاستثمار، وخفض الضرائب على الشركات الخاصة، وأزال عوائق عديدة كانت موجودة أمام التجارة، وشجع استثمارات القطاع الخاص في الصناعات الحديثة.

وقد شجعت هذه التطورات على قيام قطاعات مصرفية وتأمينية حديثة، وذلك مع دخول ما يزيد على الثلاثين مصرفا ومؤسسة مالية إقليمية إلى السوق في سوريا. وقد جاء بناء الأسواق المغلقة (المولات) ودخول شركات إدارة الفنادق العالمية دليلا إضافيا على توسع قطاعي التجارة والسياحة. وأكثر من ذلك، فقد أُعطيت امتيازات إلى شركات دولية خاصة لإدارة مرفأي طرطوس واللاذقية. وقد نتج عن ذلك كله فورة عامة في قطاع الخدمات. بيد أن سياسة التحرر الاقتصادي هذه قد ترافقت مع أخطاء نموذجية لمسيرات مشابهة حدثت في أماكن أخرى من الدول النامية.

سلبيات الانفتاح

تم تطبيق اتفاقات التجارة مع تركيا وبعض الدول العربية، على سبيل المثال، من دون ما يكفي من الضمانات لحماية أو تطوير الصناعات السورية. وأدى خفض التعرفة الجمركية إلى غزو الأسواق السورية بمنتجات أجنبية، ما أدى إلى إخراج أعداد لا حصر لها من المصانع والورشات من سوق العمل، بينما لم توضع آليات صحيحة كافية لتشجيع وتطوير الصادرات وتحسين شروط المنافسة.

وأهم من ذلك وأسوأ انسحاب الدولة من دعم القطاع الزراعي. فبينما كان هذا القطاع وعلى مر عقود من الزمن مساهما رئيسيا في الناتج الاقتصادي وفي سوق العمل، كان عليه في العقد الأخير أن يواجه انحدارا في الدعم في أحلك الظروف – وسط الجفاف الخطير الذي تعرضت له سوريا.

في العام 2008، وبعد ثلاث سنوات من الجفاف المتواصل، أعلنت الحكومة زيادة أسعار المازوت ثلاثة اضعاف – وهو الوقود الذي يسخدمه المزارعون في مجمل نشاطهم. وبعدها بسنة، في العام 2009، أعلنت الحكومة زيادة أسعار السماد بنسبة تراوح من 50 إلى 350 في المئة. وكان من شأن اندماج تأثير هذين العاملين – الجفاف وسوء اتخاذ القرارات – ان يؤدي الى تدهور نسبة مساهمة القطاع الزراعي في الناتج العام المحلي من 25 في المئة عام 2003 إلى 16 في المئة عام 2010، أي بنسبة ثلث مساهمته في الناتج الاقتصادي للبلاد في ما يقارب سبع سنوات فقط. وفي وقت من الأوقات تدهور انتاج القمح إلى النصف وهو الذي يعد الغذاء الرئيسي للسكان.

إن أزمة القطاع الزراعي تلك أدت، في ما أدت إليه، إلى هجرة مئات الآلاف من المناطق الشرقية إلى ضواحي الطبقة العاملة في المدن غرب سوريا، بما في ذلك دمشق ودرعا وحمص.

لقد تقاطعت هاتان الأزمتان التوأمان في قطاعي الزراعة والصناعة – أو أزمة “العالم العامِل” كما يسميها أحد المثقفين السوريين – في العديد من المناطق الريفية وضواحي المدن السورية. ولقد عكست جغرافيا الانتفاضة السورية إلى حد بعيد تأثير هاتين الأزمتين. فقد بدأت الاحتجاجات في مدينة درعا، الواقعة في قلب منطقة زراعية واسعة، كانت أعداد كبيرة من النازحين قد لجأوا إليها قادمين من مناطق الجفاف في شمال شرق سوريا. وسرعان ما سرت النقمة في ريف إدلب وحلب سريان النار في الهشيم، حيث تعتمد الحياة اعتمادا كبيرا على الزراعة، وفي ضواحي الطبقة العاملة في حمص وريف دمشق، وهي موطن العديد من الحرفيين الذين فقدوا مصدر رزقهم بسبب عملية تحرير التجارة.

لا شك في أن نضال السوريين من أجل حياة أفضل كان مدفوعا بتعطّشهم للكرامة والعدالة والحرية. ولكن لكي لا نرتكب أي خطأ ينبغي التنبه إلى أن القمع وانعدام العدل الذي تشعر به فئات واسعة من السوريين لا يمكن فهمه ما لم نأخذ في الحسبان ظلاله الاقتصادية. إن الفقر والنزوح الإجباري وفقدان الممتلكات والتدهور التدريجي لشروط العيش الكريم هي جميعا عوامل مساهمة في الإحساس بفقدان العدل وانعدام الكرامة، ومن هنا في اندلاع الثورة السورية.

نشر المقال في جريدة النهار

The problem with Syria’s peace plan

The UN envoy to Syria, Lakhdar Brahimi, will meet US and Russian negotiators on Friday to discuss his peace plan for the country. But Bashar al-Assad’s speech, delivered last week, has probably spelled the end of the Brahimi initiative, at least in its present form. What amounted to a dismissal of the plan by the Syrian president has actually created a sense of relief in some segments of the opposition, which feared that the international community was doing deals at its expense. It is important to understand why this is the case if any future plan for a negotiated exit from the crisis is to have a chance of success.

First, Brahimi makes no mention in his plan of the future status of the presidency or security services, the only two real centres of power in Syria. The Syrian government itself is little more than an assembly of technocrats and civil servants with no power base or authority to speak of. As long as any mention of the future role of the security services, and in particular of their command structure, is omitted, any interim government would be toothless and the opposition would reject the plan. Had the plan mentioned, for instance, the dissolution of the security services and entrusted international peacekeeping forces to take charge of security matters, or announced the unification of these services under a single command that would report to the minister of interior of the new government, we would have seen a different reaction from the opposition.

Second, Brahimi addresses the crisis as if it were mainly a conflict between two parties that have competing agendas and leaders: hence, his definition of the conflict as being a civil war and his plan for a power-sharing agreement. There are some respects in which the conflict in Syria is a civil war, but this definition certainly doesn’t cover all of its aspects. Syria’s revolutionaries do not claim to have a specific ideology or agenda – something for which they have been blamed in the west. They have no leaders to speak of and, most importantly, they do not define their struggle as one for power but one for a change in the way power is exercised.

Obviously many opposition politicians do what politicians around the world do – they spend more time jockeying for position than representing the interests of their constituents; many others have their own clear or less-clear agendas, or those of their foreign sponsors. But the bottom line is that the only source of political legitimacy in the opposition is the acceptance of the essence of the revolution: a fight for dignity and justice, for better governance, for a freer political system, for the accountability of government officials and for the rule of law. This explains, for instance, the fact that the call by Islamist fighting groups in Aleppo last November for the establishment of an Islamic state was swiftly rejected by activists and large segments of society, forcing these groups to backtrack. The message of activists was basically: “You are here to protect us, not to tell us what political system will govern us.”

One could argue here that it is the strictly “diplomatic” approach – which regards the two parties as having competing but equally legitimate interests, and in which any suspension of fighting and any power-sharing deal is seen as a success – that must be faulted. The opposition has now largely acknowledged the need for a negotiated settlement but it understands negotiation as being aimed at an orderly, gradual and peaceful transition to a new political system, and not at splitting the assets of the state between two warring parties or granting political legitimacy to the regime.

Thirdly, there is a total absence of the concept of justice in Brahimi’s plan and statements. Justice, one would have thought, would be particularly important in the case of Syria, which has seen the violent death of more than 60,000 of its citizens. However, the need for justice is political as well as moral.

When the conflict ends and the issue of disarming the fighters comes to the fore, the formal political opposition will need to show that one of the key goals of the revolution, justice, has been attained, even if not as neatly as it would have wanted. That will be an important, if not sufficient, argument to spur the disarmament of fighters; it would be politically short-sighted and foolish to expect them to give up their arms after all the losses they and their families have suffered without a minimal application of justice.

This perceived lack of justice, more than anything else, carries the risk of a potential “Somalisation” of the country. The chances for a negotiated settlement of the Syrian crisis are growing increasingly dim. But if the international community wants to give negotiation a chance to succeed it cannot afford to close its eyes on key aspects of the conflict.

 

Note: This article appeared first on 10 January 2013 in the Guardian