تجديد منظومة الفساد في سورية

349 (1)

أعلن رئيس مجلس الوزراء السوري، وائل الحلقي، أن حكومته سوف تتبع استراتيجية اقتصادية جديدة سماها “التشاركية الوطنية”، التي ستحل محل نموذج اقتصاد السوق الاجتماعية. وفي اجتماع عقد في مجلس الشعب السوري، يوم الأحد 7 فبراير/شباط، قال الحلقي إن الوقت قد حان لاعتماد “الجيل الثالث من الاقتصاد السوري”، بعد “جيل القطاع العام” و”جيل اقتصاد السوق الاجتماعية”.

منذ بداية الانتفاضة الشعبية، في مارس/آذار 2011، فشلت السلطات السورية في وضع سياسة اقتصادية متماسكة، بعد إقالة عبد الله الدردري، في وقت مبكر، وهو الراعي الرئيسي لنموذج “السوق الاجتماعية”. والآن يحاول الحلقي، على ما يبدو، تقديم إطار عام للسياسات الاقتصادية في الأشهر والسنوات المقبلة، تحت مسمى التشاركية الوطنية.

من الناحية العملية، يتضمن خطابه تفاصيل قليلة عن أهداف أو سياسات هذه الاستراتيجية الجديدة، إلا التفاهات العامة التي يقولها مسؤولو سورية في هذه المناسبات، مثل الحاجة إلى “فضح الفاسدين والمفسدين وتطهير المجتمع منهم”، “الحفاظ على القطاع العام”، التركيز على “الوضع المعيشي للمواطنين بمختلف شرائحهم، من خلال الاستمرار في توفير احتياجاتهم من السلع الأساسية”، و”إشراك جميع المواطنين السوريين داخل القطر وخارجه في عملية البناء والتنمية”.

الشراكة بين القطاعين 

ذكر الحلقي، مع ذلك، إقرار قانون التشاركية بين القطاعين العام والخاص، في وقت سابق من هذا العام، كمرجع لهذه الاستراتيجية الجديدة، وبالتالي، ربما استوحى اسم الاستراتيجية الجديدة من هذا القانون.

قانون التشاركية، الذي تمت الموافقة عليه، بعد أكثر من ست سنوات من صياغته الأولية، يخول القطاع الخاص إدارة الأصول المملوكة من الدولة وتطويرها في جميع القطاعات الاقتصادية، باستثناء عقود استكشاف واستثمار الثروات الطبيعية (النفط). القانون يثير انتباه أعوان النظام وغيرهم من الأفراد ذوي الصلات الجيدة معه، حيث سوف ينتزعون الأملاك العامة بشروط ميسرة إلى حد كبير، على حساب مصلحة الدولة ومواطنيها.

عدم وجود بيئة قانونية مناسبة ونظام قضائي مستقل وشفافية واسعة يترك، في الواقع، القليل من الشك في الشروط التي يمكن بموجبها توقيع عقود تشاركية بين دولة ضعيفة جداً ورجال أعمال مرتبطين بالنظام.

إذا كانت الحكومة جادة في تحديد استراتيجية اقتصادية جديدة، فإن الأسابيع المقبلة ستشهد تصريحات من مسؤولين حكوميين، ومقالات من قبل خبراء اقتصاديين في الصحف المحلية لتبرير ذلك.

ومع ذلك بالنظر إلى تاريخ السلطات السورية والتفاصيل القليلة جداً في كلمة الحلقي، فمن المرجح أن الاستراتيجية الوطنية الجديدة هذه سوف تكون موجهة في الغالب إلى توفير أفضل الشروط لنقل الأملاك العامة الأكثر قيمة لعدد قليل من رجال النظام.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

عنق النظام السوري تلتف على الاقتصاد

349 (4)

أظهرت الحكومة السورية، في الأسابيع الماضية، استعجالاً واضحاً في المصادقة على قوانين وقرارات متنوعة في المجال الاقتصادي. فمنذ عشرة أيام، جرى سنُّ أربعة قوانين متعلقة بقضايا اقتصادية، من ضمنها قانون حول التشارك بين القطاعين العام والخاص، وآخر حول إعفاء أصحاب الأعمال المشتركين لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية من الغرامات والفوائد. في الوقت نفسه، وفي الأسابيع الأخيرة من عام 2015 صدرت عدة قوانين تعالج التخطيط العمراني والإيجار وضرائب الدخل. وفي كانون أول/ديسمبر أيضاً، تم تعيين العديد من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام في المجلس السوري للمعادن والصلب.

هناك ثلاثة عوامل تفسر الجهود الحكومية الأخيرة. أول هذه العوامل مالي، ثانيها سياسي والعامل الثالث اقتصادي-سياسي:

مالياً، تواجه الحكومة نقصاً حاداً في القطع الأجنبي وتراجع العوائد الضريبية. ولذلك كان العديد من القوانين المقرة أخيراً يهدف إلى تعويض هذا النقص وهذا التراجع. فعلى سبيل المثال، بهدف زيادة العوائد الضريبية لجأت الحكومة إلى مضاعفة ضريبة الدخل، كما تم إعفاء المتخلفين عن تسديد الضرائب المترتبة عليهم من غرامات التأخير شرط سدادها خلال فترة قصيرة، كما تم فرض قيود على منح إجازات الاستيراد بهدف تقليص الطلب على القطع الأجنبي.

سياسياً، ومنذ انطلاق الثورة، كان أحد أهداف النظام الرئيسية ضمان استمرارية عمل المؤسسات والخدمات الحكومية والحفاظ على مظاهر الحياة الطبيعية كونها تمثل مصدراً هاماً لشرعيته. ويزداد أهمية هذا الأمر الآن بشكل خاص، حيث أصبح اعتماد النظام على إيران وروسيا واضحاً للعيان. وبالطبع إصدار القوانين، على وجه الخصوص، هو جزء أساسي من الصلاحيات، وبالتالي شرعية الدولة.

العامل الثالث، يتجلى في محاولات رجال الأعمال المقربين من النظام وضع أنفسهم في مواقع تسمح لهم الاستفادة بأكبر قدر ممكن من عملية إعادة الإعمار المحتملة. وفي حين ما تزال الكثير من الشكوك تلف العملية السياسية، فإن بعض أشكال الاتفاق لم تعد مستحيلة، ويمكن أن تبدأ حملة إعادة الإعمار بعد فترة وجيزة. فهنا، يقوم النظام بإصدار قوانين تسهل للقطاع الخاص الاستثمار وإدارة الأراضي (أحد آخر أصول البلاد الثمينة) وكذلك تلزيم مشاريع البنى التحتية. وهذا ما يفسر قانون التخطيط العمراني، وكذلك قانون التشارك. وعلى نحو مماثل، يمكن تفسير وضع النظام رجالاته في المناصب الهادفة كما هو الحال في مجلس المعادن والصلب.

والنتيجة، فإن النظام إذا ما اضطر للتنازل عن بعض سلطته السياسية، فإنه يبدو عازماً على الحفاظ على أكبر قدر ممكن من سلطته المالية والاقتصادية.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد