الحسكة : منجم الزراعة والنفط السوريين

ضمن خريطة الصراع الدائر في سوريا، ظلت الجزيرة قيد الانتظار، هذه المنطقة التي تقع على الحدود ما بين دولتين إقليميتين رئيسيتين، وهي الأغنى بالموارد الطبيعية والأكثر تنوعاً عرقيأ.
الجزيرة، المتوافقة إلى حد ما مع محافطة الحسكة، كانت واحدة من أهدأ المناطق السورية منذ بدء الاحتجاجات، ويعود ذلك إلى تسوية بين النظام وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (DUP) بحيث يكون لكل من الجانبين تواجد عسكري في المنطقة دون أن يتعرض أي منهما للآخر.
يتركز التواجد العسكري الكردي بصورة رئيسية في مدينة القامشلي والمناطق المحيطة بها، فيما تواجد الحكومة أقوى في الحسكة. أما المناطق الجنوبية للمنطقة فتسيطر عليها الدولة الإسلامية في العراق والشام حيث تشن منها هجمات منتظمة على القوات الكردية.
بالإضافة إلى العرب، يسكن في منطقة الجزيرة عدد كبير من الأكراد والآشوريين إضافة إلى الأرمن. ويبلغ العدد الإجمالي لسكان المنطقة حوالي 1.6 مليون نسمة بمن فيهم حوالي 200.000 يسكنون في كل من الحسكة والقامشلي.
في وقت مبكر من هذا العام، قام حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الذراع السوري لحزب ب. ك. ك. PKK بتأسيس مجلس حكم ذاتي لإدارة شؤون البلاد في مدينة القامشلي وما حولها. وتمت تسمية أعضاء هذا المجلس بالوزراء، الأمر الذي أثار مخاوف من أن الأكراد شرعوا باتخاذ خطوات تدريجية باتجاه الانفصال، رغم ما أعلنه حزب الاتحاد الديمقراطي بأن الأمر لا يتعدى سعيه لتأسيس حكم ذاتي موسع.
تقليدياً، شكّل النفط والزراعة الركيزتان الأساسيتان لاقتصاد منطقة الجزيرة. فأكبر حقول النفط في سوريا تتركز هناك، في حين تشكّل محاصيل القمح والقطن التي تتم زراعتها في هذه المنطقة الجزء الأكبر من الإنتاج الإجمالي السوري لهاتين المادتين.
إضافة إلى ذلك تنشط في تلك المنطقة أيضاً حركة تجارية متواضعة وهي تشكّل ممراً لتهريب بعض البضائع عبر الحدود العراقية والتركية.
في القامشلي يوجد مطار يتم استخدامه بشكل رئيسي للرحلات الداخلية، رغم استخدامه أحياناً في رحلات دولية إلى السويد، حيث تقطن جالية كبيرة من الأكراد والآشوريين، إضافة إلى أرمينيا.
لا وجود في المنطقة لأي نشاط صناعي تقريباً، كما ينعدم وجود أي خدمات مالية أو سياحية فيها. وقد عانت بصورة دائمة من انعدام الاستثمارات الحكومية واعتبرت، حتى قبل قيام الاحتجاجات، بأنها واحدة من أكثر المناطق المهمشة من قبل الحكومة المركزية.
بعد قيام الاحتجاجات، عانت منطقة الجزيرة من تدهور عام في نشاطها التجاري عبر الأراضي السورية. لكن إنتاج النفط تواصل وإن كان بمستوى أقل من ذي قبل. لذلك ظل المازوت وباقي مشتقات النفط متوفراً لسكان المنطقة بأسعار زهيدة.
ورغم تراجع مستوى الإنتاج الزراعي إلا أنه ظل كافياً لسد حاجة السكان وبأسعار أقل من باقي المناطق في البلاد.
الرواتب التي تدفعها الحكومة للموظفين المدنيين تشكل أيضاً مصدراً آخر للعائدات في تلك المنطقة.
من منظور اقتصادي، كان للتسوية التي أبرمتها الحكومة مع الحزب الديمقراطي الكردي آثار إيجابية كبيرة. فقط ساعدت على تفادي الدمار الذي تسببت به الحرب؛ وأتاح استمرار عمل الخدمات التي تقدمها الحكومة إلى جانب المساعدات الدولية التي يقتصر وصولها على المناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة. حيث تصل المساعدات الدولية إلى منطقة الجزيرة من العراق.
لكن رغم كل ذلك، يعاني الاقتصاد من انعدام الرؤى طويلة الأمد. فالتسوية بين الحكومة والأكراد ترتكز على أفق قصير الأمد، دون إعطاء صورة مستقبلية واضحة: هل سيعودون لكنف النظام؛ هل سيكون حكمهم ذاتياً؛ هل سيحصل تدخل تركي، إلخ…
الحياة في الجزيرة قيد الانتظار. لذلك، لا ينبغي بناء توقعات بأن تشهد تزايد نشاط اقتصادي في المستقبل القريب، فهي، خلافاً للمنطقة الساحلية، مثلاً، لم تشهد أي تدفق استثماري هام على صعيد القطاع الخاص.

Advertisements

عندما يفسد النفط الثوّار

اندلعت إشتباكات حادة في منطقة دير الزور أخيراً بين جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام، فضلاً عن مختلف الفصائل الثورية من أجل السيطرة مجدداً على منابع النفط. في الحقيقة، تعد دير الزور واحدة من أهم المناطق السورية إنتاجاً للنفط، تليها محافظة الحسكة. ويهدف القتال الدائر بين الفصيلين التابعين للقاعدة في جزء منه إلى السيطرة على آبار النفط الرئيسة في دير الزور.

إذ منذ أشهر والقتال الدائر على منابع النفط في المنطقة الشمالية يأخذ طابعاً عنيفاً جداً بين المجموعات المتصارعة على الأرض، وكانت ثمة محاولات عدة للتوسط من أجل وقف هذه المعارك. ففي  تشرين الثاني الماضي، على سبيل المثال، تم تسريب وثيقة تتضمن رسالة بعثت بها جبهة النصرة ولواءان آخران تابعان لدولة العراق والشام تتعلق بتسوية نزاع على حقل نفطي.

كان العمل في قطاع النفط في المنطقة الشمالية الشرقية مربحاً لدرجة أنه تم إنشاء سوق خاصة به قرب منبج، وهي بلدة تقع على مقربة من الحدود التركية. من هناك، يتم تصدير النفط إلى تركيا أو بيعه إلى مناطق أخرى في البلاد.

لقد تسببت الإيرادات الكبيرة التي تحققها تجارة النفط في إفساد العديد من المجموعات التي كان يفترض بها في الأصل أن تستغل هذه الأموال لشراء أسلحة وتمويل العمليات العسكرية ضد النظام.

بدلاً من ذلك، يستخدم العديد منهم المال الآن لإثراء أنفسهم ولشراء مريدين وأتباع لهم.
كما أظهرت تقارير مختلفة حول تجارة النفط أن اتفاقاً تم إبرامه بين الجماعات المسلحة مثل جبهة النصرة والحكومة وافق بموجبه الطرفان على أن يستمر تدفق النفط إلى الحكومة مقابل المال. كما أظهرت وثيقة آخرى اتفاقاً تم إبرامه مطلع العام 2013 بين “ي بي جي”، وهي مجموعة مسلحة تابعة لإحدى المجموعات الكردية السورية ووزارة النفط.

يمكن أن يتم بيع النفط بأسعار مختلفة استناداً إلى منطق العرض والطلب. ففي بعض المناطق تم بيعه بسعر 30 دولاراً للبرميل الواحد. ويتم تكرير النفط أحياناً بإستخدام تقنيات تكرير بدائية. إذ تم في مدينة القامشلي، على سبيل المثال، بيع ليتر المازوت المكرر بهذه الوسائل البدائية بـ 30 ليرة سورية، أي بنصف سعره الرسمي في المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام.

كل ذلك يجعل إدارة منابع النفط مشكلة أساسية بالنسبة إلى المعارضة السورية لأن الصراع على النفط يبدد الجهود التي يفترض توجيهها لقتال النظام ويخلق فوضى وانقسامات في المناطق المعارضة.

لو أن “الائتلاف الوطني السوري” تمكن من السيطرة على منابع النفط لكان ذلك فرصة له ليمتلك مصادر تمويل خاصة. ففي الربيع الماضي، سمح الاتحاد الأوروبي للمعارضة السورية بتصدير النفط الخام إلى أوروبا، ما أعطاها شكلاً من أشكال الحكم الذاتي أمام دول المنطقة التي تعتمد عليها في تمويلها.

للأسف، وعملياً، لا يملك الائتلاف سيطرة حقيقية على مجريات الأرض في المنطقة الشمالية الشرقية وليست لديه القدرة للوصول إلى منابع النفط. وبسبب ذلك فإن السيطرة على موارد النفط أصبحت بالنسبة إلى العديد من كتائب الثوار غاية بحد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة من وسائل المواجهة مع النظام السوري.