محاولة تفكيك ألغاز النفط السوري

349 (6)

يرسم التقرير السنوي الذي نشرته وزارة النفط السورية أخيراً، صورة جيدة عن حالة قطاع النفط السوري. أحد الاستنتاجات هو ارتفاع كلفة تداعيات الحرب على قطاع النفط. فمع نهاية العام 2015 خسرت صناعة النفط السورية ما يعادل 60.4 مليار دولار، وهو رقم مذهل يعادل الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في عام 2010، أي العام السابق على اندلاع الثورة.

مع نهاية شهر أيلول/ سبتمبر كانت الكلفة الإجمالية للحرب في قطاع النفط تقدّر بـ48 مليار دولار، ما يعني أن إجمالي خسائره خلال ثلاثة أشهر قد ارتفعت بـ12 مليار دولار أو بنسبة 25%.

وبحسب وزير النفط، سليمان العباس، يعود هذا الارتفاع في كلفة الحرب إلى تكثيف الهجمات التي يشنها التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية. ويبدو هذا الادعاء واقعياً إذا أخذنا بالاعتبار قول الناطق العسكري الأميركي في تشرين الثاني/ نوفمبر أن القوات الأميركية أرادت أن تلحق ضرراً أكبر بالبنى التحتية التي يسيطر عليها داعش. وقد جرى بشكل خاص استهداف حقل عمر، وهو أحد أكبر حقول النفط في سورية، بالإضافة إلى استهداف كامل منطقة دير الزور، ما أدى إلى رفع الثمن الرهيب الذي تدفعه هذه المنطقة المهملة في هذه الحرب المستمرة.

الاستنتاج الآخر، وبحسب كلمات عباس، هو أن التوريدات الإيرانية من النفط الخام ساعدت في استقرار كمية المشتقات النفطية المطروحة في السوق. فهناك الآن ثلاث ناقلات ترسو شهرياً في ميناء بانياس لتزود مصفاتي بانياس وحمص بالنفط الخام.

تؤكد هذه الأنباء معلومات وكالة الطاقة الدولية، التي أشارت إلى استيراد سورية خلال العام الماضي قرابة 60.000 برميل يومياً من النفط الخام الإيراني. إذا أضفنا إلى هذه الكميات 10.000 برميل/ يومياً تنتجها الحقول الواقعة تحت سيطرة النظام، فإن كميات النفط الخام المطروحة في المناطق الخاضعة للحكومة والتي تؤمّن من إيران ومما هو متاح من الإنتاج المحلي تكون حوالي 70.000 برميل/ يومياً.

ومع ذلك، فإن مصفاتي بانياس وحمص قامت في 2015 بتكرير 4.2 ملايين برميل من النفط، أي ما يقارب 98.000 برميل يومياً. وبكلمة أخرى، تشتري الحكومة من مصادر غير معروفة كميات إضافية تقدّر بـ28.000 برميل يومياً. إذا أردنا تفسير هذا الأمر، فإننا نكون أمام أحد خيارين: إما أن الحكومة تستورد هذه الكميات الإضافية من مصادر أخرى، أو أنها تشتري النفط الخام من الدولة الإسلامية أو من حزب الاتحاد الديمقراطي. سواء كان الخيار هو الأول أو الثاني، فإن الحكومة لم تصرّح عن المصدر لأسباب سياسية محتملة.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

إقتصاد الساحل السوري: إستقرار الإستثناء

أعلنت وزارة الإدارة المحلية هذا الأسبوع عن تأسيس منطقتين صناعيتين بالقرب من مدينة اللاذقية، من المفترض أن تستضيفا استثمارات جديدة في قطاع الصناعة التحويلية.

حقيقة الأمر، وبرغم الصراع الدائر في البلاد، إلا أن المنطقة الساحلية السورية استفادت في الأشهر القليلة المنصرمة من تزايد في حجم الإستثمارات. ففي العام 2013، على سبيل المثال، شهدت مدينة طرطوس تسجيل 501 شركة جديدة مقابل 326 شركة في العام 2012، أي بزيادة بلغت 54 في المئة. وبرغم أن معظم الاستثمارات الجديدة تكون في قطاع التجارة، إلا أن عدد المصانع المفتتحة حديثاً بالقرب من مدينتي اللاذقية وطرطوس في ازدياد مستمر.

يعتمد اقتصاد المنطقة الساحلية تقليدياً على عدد من القطاعات وهي المرافئ والسياحة خلال فصل الصيف وزراعة الحمضيات والتبغ والصناعات الخفيفة، بالإضافة إلى صناعة تكرير النفط في بانياس.

لكن مع اتساع رقعة الحرب لتشمل مناطق أوسع من البلاد، اجتذبت المنطقة الساحلية عدداً من المهجرين، خصوصاً من مدينة حلب. ففي صيف العام 2012 وبعد وصول الموجتين الأولى والثانية، وهما الموجتان الأهم من النازحين إلى المنطقة، توقع معظم الناس أن الحرب ستضع أوزارها قريباً لذلك لم يظهر إلا عدد قليل من المستثمرين. لكن مع استمرار الحرب، قرر رجال الأعمال استثمار مدخراتهم، فيما بدأت العائلات شراء بيوت خاصة والانتقال إليها من البيوت المستأجرة.

في الوقت الحالي، تجني المنطقة الساحلية مجموعة من الفوائد نتيجة الأوضاع العامة السائدة في البلاد. فحالة الأمان التي تعيشها توفر شيئاً من الإستقرار للمستثمرين، كما أن فيها عدداً كبيراً من المستهلكين سواء أكانوا سكانها الأصليين أو النازحين الذين وفدوا إليها بأعداد كبيرة. أما المصانع هناك فلا تجد لها الكثير من المنافسين لأن الإنتاج قد توقف في معظم أنحاء البلاد، بالإضافة إلى أن الصادرات يمكنها الاستفادة من انخفاض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار، ما يرفع تنافسية المنتجات السورية في أسواق التصدير.

استفادت المنطقة الساحلية أيضاً من الاهتمام الخاص الذي توليه لها الحكومة في الفترة الماضية. ففي السنوات الثلاث الأخيرة تم الإعلان عن إطلاق عدد من المشاريع الجديدة التي تتضمن افتتاح كليات جديدة في مدينة طرطوس، ومشروع سكن شبابي بالقرب من اللاذقية ومعمل لمعالجة النفايات الصلبة في طرطوس.

  لذلك يمكن القول إن  المنطقة الساحلية هي المنطقة الوحيدة في سوريا التي بدأت بعد ثلاث سنوات من انطلاق الاحتجاجات تشهد تباشير شكل من أشكال الاستقرار الاقتصادي.

هذا الأمر سيقود إلى بعض التكهنات بأن المنطقة الساحلية سوف تشهد ازدهاراً اقتصادياً قد يكون مقدمة لمشروع يجري الإعداد له حالياً يفضي إلى انفصال هذه المنطقة عن باقي الأراضي السورية.

لكن ثمة العديد من المعوقات التي تقف في طريق قيام ازدهار حقيقي منها مثلاً معاناة السكان من انخفاض قوتهم الشرائية بسبب سياسة الإفقار العامة المطبقة على البلد في السنوات الثلاث الأخيرة، أو مشكلة انقطاع التيار الكهربائي وغيرها من الأمور التي لم تستقر بعد وعدم استقرار توريد مدخلات التصنيع. وليس خافياً في المرحلة الحالية أن خطر إمتداد رقعة الحرب إلى المنطقة ما زال احتمالاً قائماً ما يشكل حجر عثرة أمام قيام استثمارات أكبر هناك.

أما في ما يتعلق بخطر ما قد يؤدي إليه هذا الازدهار من فصل هذه المنطقة عن بقية الأراضي السورية، فتجدر الإشارة إلى أن الدولة المركزية السورية لا تزال حتى الآن الجهة التي تضم العدد الأكبر من الموظفين في المنطقة، فالعديد من المواطنين يعملون إمّا في دوائرها المدنية أو في أجهزة مخابراتها، لذلك لا مصلحة للمنطقة الساحلية بالذات، وأكثر من بقية المناطق، أن تنفصل عن الأجزاء الأخرى من البلاد.

سوريا لا تحتمل التقسيم

فيما يتزايد النقاش حول مخاطر التحلل المستقبلي والتقسيم وتوسّع الطابع اللا مركزي لسوريا بإتجاه الخطوط الطائفية والإثنية، فإن الجوانب الإقتصادية لتحوّل راديكالي كهذا قلّما نوقشت.

إحدى المناطق في سوريا التي تخطر على البال فوراً لدى الحديث عن اللامركزية/ التقسيم هي المنطقة الشمالية الشرقية، التي يقطنها، إلى حد كبير، الأكراد. من وجهة نظر إقتصادية، فإن المسألة الكردية حسّاسة بشكل كبير، لأن المنطقة الشمالية الشرقية تعتبر موطن الإحتياطي الأكبر من النفط الخام في البلاد.

في الواقع، وفيما أسهمت الحقول المجاورة لدير الزور والذي تسكنه أكثرية عربية في إنتاج القسم الاكبر من نفط سوريا في التسعينات، فان الانتاج هناك تراجع من 400 ألف برميل في اليوم العام 1996 إلى حوالي 100 ألف في بداية العام 2011. في الغضون، تستخرج الحقول حول الحسكة قرب المنطقة الكردية أكثر من 250 ألف برميل في اليوم من النفط، وتحتفظ بغالبية إحتياطي البلاد؛ هذه الحقول تقع اليوم إلى حد كبير تحت سيطرة حزب الإتحاد الديموقراطي الكردي.

إلى جانب النفط، فان المنطقة الشمالية الشرقية تحوز على غالبية محاصيل القمح والقطن في سوريا. في 2011، كانت محافظة الحسكة مصدر 30% من إنتاج القمح السوري و35% من إنتاج القطن.

 الأصول الإقتصادية الحقيقية لهذه المنطقة، والتي من شأنها تشجيع الكرد على مزيد من التشدّد في مطالبتهم بالحكم الذاتي،  تجد ما يوازنها في الأهمية المعطاة لها للإقتصاد السوري ككل، الذي يشكل دافعاً لأي حكومة مركزية سورية لكي تحافظ على سيطرتها على المنطقة الشمالية الشرقية.

كما يعتبر الساحل السوري إحدى المناطق المهمة في النقاش الدائر حول اللا مركزية / التقسيم،  حيث تعيش غالبية من العلويين. وفيما رفعت مسألة الدولة العلوية المستقلة خلال الإنتداب الفرنسي، فإن الموضوع مات مذّاك ليعود إلى الحياة مجدداً خلال الأشهر الأخيرة مع تنامي النبرة الطائفية للنزاع.

وتحوي المنطقة الساحلية بعض المرافق الإقتصادية، مثل مرافئ سوريا الوحيدة، ومصفاة للنفط في بانياس ومطاراً في اللاذقية. كما أن إحتياطي الغاز في البحر بمقدوره أن يوفّر فرصاً مهمة للمستقبل، على الرغم من ان طاقتها المحتملة لم تخضع للقياس بعد.

مع ذلك فان المنطقة لا تنتج الكهرباء، في حين يقتصر التصنيع على الصناعات الخفيفة وزراعة التبغ وثمار الحمضيات. ويجادل البعض بان المنطقة الساحلية قد تستنسخ لبنان الذي نجح في البقاء مستقلاً برغم قلة موارده. لكن، المنطقة الساحلية ليس لديها مجتمع مغترب كبير كما في لبنان، أو  ثروة بشرية مهمة فضلاً عن الدراية العالية المستوى في القطاعات المالية والسياحية والتعليمية والصحيّة.

على ان نموذجي المنطقة الشمالية الشرقية والساحل السوري لا يوفّران جواباً نهائياً حول فرص النجاح الإقتصادي لأي قوى إنفصالية في سوريا. كما أنها توضح وجود توازن بين القدرات الإقتصادية لهذه المناطق، ما قد يشجعها على السعي لمزيد من الحكم الذاتي،  وتالياً على إعتماد بقية المناطق السورية عليها، الامر الذي بدوره يجعل الحكم الذاتي أمراً أكثر تعقيداً.

وقد أدركت السلطات السورية حساسية المسألة. فقامت في الأشهر الأخيرة الماضية بالإعلان عن مجموعة من المشاريع الجديدة في المنطقة الساحلية، تحديداً في مدينة طرطوس، ومن ضمنها بناء مطار جديد، وكلية للطب، ومصنع لمعالجة النفايات.

والوقت مناسب اليوم للمعارضة كي تظهر انها مدركة للتحديات المستقبلية، وتالياً على بلورة رؤية إقتصادية لسوريا تأخذ بالإعتبار المخاوف الحقيقية التي ترفعها الديناميكيات الإنفصالية والحاجات إلى حفظ مصالح المجتمع السوري ككل.