المستثمرون السوريون يستوطنون الخارج

من بين جملة الشركات التي أنشأها مستثمرون أجانب في تركيا العام الماضي، تحتل الشركات التي تضم بين مؤسسيها سوريين المرتبة الأولى في إشارة واضحة إلى أن معظم هؤلاء المستثمرين السوريين يخططون للبقاء هناك بصورة دائمة.

وفقاً لبيانات التقرير الصادر عن اتحاد غرف  التجارة التركية (TOBB)، تم في العام الماضي تأسيس 3875 شركة لمستثمرين أجانب، 489 أو 12.6 في المئة منها تضم بين مؤسسيها مساهماً سورياً على الأقل. يليهم الألمان، الذين يشاركون في تأسيس 394 شركة ثم الإيرانيون الذين يساهمون في تأسيس 280 شركة.

لم يقدم هذا التقرير قيمة رؤوس أموال هذه الشركات كما أنه لم يعط معلومات عن حجم هذه الاستثمارات.

ويعكس العدد الكبير للمستثمرين السوريين أهمية الجالية السورية في تركيا، التي ازداد عددها في العام الماضي بسبب العنف المنتشر في سوريا، ما أجبر العديد من السكان على الهروب.

ارتفع عدد السوريين المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من 174598 في 1 كانون الثاني 2013 إلى 560428 في نهاية العام. لكن المستثمرين في الشركات الجديدة ليسوا من هؤلاء اللاجئين، بل هم سوريون آخرون فروا من بلدهم، خصوصاً أولئك الذين كانوا يسكنون في حلب وفي مناطق شمال سوريا.

وتنطوي حقيقة احتلال السوريين للمرتبة الأولى على أهمية خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار جاذبية الاقتصاد التركي وحجمه، الذي يأتي في المرتبة السابعة عشرة في العالم.

في السنوات التي سبقت الاحتجاجات، ازدهرت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين سوريا وتركيا وتطورت العلاقات التجارية بين حلب وجنوب تركيا على وجه الخصوص. وقد استفاد المستثمرون من اتفاقية التجارة الحرة التي تربط بينهما ومن رفع القيود على تأشيرات الدخول الذي هدف في حينه إلى تقوية الروابط بين البلدين.

الآن وبعد ثلاث سنوات من بداية الاحتجاجات، يتضح جلياً أن المغتربين السوريين يخططون للبقاء طويلاً في البلدان الجديدة التي استقروا فيها. وقد سجلت بلدان أخرى مثل مصر والأردن وجود عدد كبير من المستثمرين السوريين على أراضيها.

فيما كان العديد من أولئك الذين فروا في البدايات يأملون بأن فترة ابتعادهم عن البلاد لن تطول، أصبح الكثيرون يدركون الآن أن الصراع ربما يدوم طويلاً وهم يحاولون التكيف مع وضعهم الجديد.

مع ذلك، فإن ثمن التخطيط لبناء المستقبل قد يكون على حساب العودة.

فرجال الأعمال الذين كلفتهم الحرب خسارات فادحة، يخاطرون باتخاذ قرار إعادة استثمار رؤوس أموالهم في مشاريع جديدة وفي بلد جديد. وحين يقرر رجال الأعمال استثمار رؤوس أموالهم، يستغرق التخطيط لذلك وقتاً طويلاً، ما يعني أنهم لن ينهوا كل ما يقومون به ليعودوا بمجرد انتهاء الحرب.

حتى وإن تم اليوم توقيع اتفاق لإنهاء الصراع، إلا أن الهدوء لن يعود ليعم كامل البلاد قبل أشهر، وربما سنوات. وإلى ذلك الحين، سيتم تأسيس المزيد من الشركات في الخارج وسيصبح القائم منها أكبر وأكثر استقراراً.

أما لجهة عملية إعادة إعمار سوريا وعودة رؤوس الأموال المهاجرة، فهذه تعتبر خسارات.

مع ذلك كله، يمكن اعتبار هذا الأمر فرصة تسمح لرجال الأعمال السوريين من خلال هذه الاستثمارات ببناء رؤوس أموال وشبكات علاقات جديدة كما تزودهم بالمعرفة. وهذا سيكون مفيداً لدى عودتهم إلى سوريا، إذا ما قرروا العودة يوماً.

مصير حلب الدراماتيكي

سجل الحصار الأخير الذي فرضته المعارضة السورية على المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة في حلب، ما أدى إلى تقارير عن مجاعة في هذه المناطق، تراجعاً جديداً في نصيب ثاني أكبر مدينة سورية.

ففيما ظلت حلب في العام ونصف العام الأولين من الثورة على هامش  الحراك الشعبي  فإن دخول المعارضة إلى المدينة في صيف العام 2012 غيّر الأمور بشكل جذري. فقد أدى القتال في المدينة إلى توقف الإنتاج الصناعي، وإلى تدمير البنية التحتية والأبنية وإلى نقص في منتجات عديدة، من ضمنها الغذاء والأدوية. هذه الأحداث شكلت خطوة جديدة في هذا المسار التراجعي البطيء والمتدرج، الذي على ما يبدو لا رجعة فيه لمدينة ظلت لقرون الأكبر والأكثر قوة وثروة في سوريا.

تراجع حلب بدأ في العام 1920 عندما أدى ترسيم  حدود سورية إلى قطع صلاتها مع المناطق التابعة لتركية، ثم عينت دمشق كعاصمة للدولة السورية الناشئة حديثاً. تبع ذلك تأميمات نهاية الخمسينات وبداية الستينات التي جرّدت البورجوازية السورية المتمركزة أساساً في حلب من أراضيها و ممتلكاتها، ما أجبرها على الفرار برأسمالها المتبقي إلى لبنان واوروبا وأميركا الشمالية.

في بداية السبعينات إختل التوازن بدرجة أكبر لمصلحة دمشق مع إزدياد مركزية الدولة السورية المفروضة من قبل الرئيس حافظ الأسد. هكذا أدى قرب رجال الأعمال المتمركزين في دمشق من مركز السلطة في  إثرائهم بشكل هائل، على حساب منافسيهم الحلبيين.

فقط، بعد ثلاثة عقود، عندما وصل بشار الأسد إلى السلطة وشرع في إنتهاج سياسة التحرير الإقتصادي والتجاري، بدأت المدينة بإستعادة ثروتها المفقودة. وعلى الرغم من أن دمشق أيضاً إستفادت من هذا الإنفتاح – على سبيل المثال المراكز الرئيسية لكل المصارف وشركات التأمين التي تم تأسيسها منذ العام 2003 قائمة في العاصمة – قامت حلب بالبناء على اللبرلة الإقتصادية وعلى تحسن الروابط مع الجار التركي في تعزيز التجارة والسياحة والإستثمار. غداة عقود من التهميش، رأت حلب مشاريع الأعمال فيها تنتعش من جديد وتسعى وراء الإستقرار والهدوء – لا مع إنتفاضة ترادف اللاإستقرار والإضطراب.

غير ان إمتداد الإنتفاضة إلى المدينة الصيف الماضي لم يؤدِ إلى تخريب تعافي المدينة البطيء فحسب. وإنما كشف الإنقسام الكبير بين المدينة وبين ريفها، المؤلف من مئات القرى التي تقع في قعر المؤشر الإقتصادي – الإجتماعي السوري. وقد اظهرت قوى المعارضة التي دخلت المدينة إهتماماً طفيفاً بالإرث الثقافي والتاريخي للمدينة كونها اعتبرت أنها إستغلتهم لزمن  طويل. في الغضون، كثر في المدينة وبدلاً من ان يعتبروا هؤلاء محرّرين نظروا إليهم كغزاة.

 يخدم مصير حلب كمثال جيّد على التحديات العديدة التي تنتظر السوريين. فتاريخها ومعاناتها في الأشهر الـ12 الأخيرة يجب ان يشجعا النقاش حول النموذج الإقتصادي السوري المستقبلي، وحول دور الدولة، كما حول الصلات بين العاصمة والمحافظات، فضلا عن التوازن بين الإنتاج والتجارة.

بالنسبة الى حلب، سواء خسرت مجدداً من أي تغيّر مستقبلي كما حصل إبان غالبية التحولات الدراماتيكية في القرن الماضي، أو نجحت في التكيف مع الاوضاع الناشئة، فان ذلك كله سيعتمد على قدرة نخبها على الأخذ بالإعتبار خطوط الصدع  العديدة التي تخترق المدينة والتي إنكشفت الآن.