اقتصادات تقسيم سورية

التفتت الذي تشهده سوريا، يزيد من صعوبة تقديم صورة واضحة عن الإتجاه الذي يسير وفقه تطور إقتصادها.

نظراً لحقيقة أن الوضع الإقتصادي يختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى. فقد أصبح من الصعب جداً تقديم تقديرات دقيقة تتعلق بالمؤشرات الاقتصادية الرئيسية، بما في ذلك التضخم، والميزان التجاري أو مستويات انتاج القمح والنفط.

فالمناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة تواجه ظروفاً متفاوتة. فبعضها، مثل الغوطة الشرقية، ترزح تحت الحصار والقصف اليومي من قبل الحكومة، مما يجعل إقامة أي نشاط تجاري مستقر فيها أمراً شبه مستحيل. فيما نجد أن المناطق الأخرى تعيش ظروفاً متغيرة، حيث تمر عليها أسابيع من الهدوء يتبعها نوبات من العنف، كما يحدث في الشمال الشرقي. وتشهد بعض المناطق الريفية حالة أكثر إستقراراً حيث يسعى السكان فيها إلى تنظيم أمورهم.

أما المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة فقد شهدت دماراً أقل بكثير وهي تعيش حالة من التجانس تفوق بدرجات ما تعيشه بقية المناطق. لكن على الرغم من ذلك، نجد أن الأنماط الإقتصادية الرسمية في هذه المناطق أضعف بكثير مما كانت عليه قبل سنتين، أما الجزء المتنامي من الإقتصاد فهو الجزء غير الرسمي. فثمة سوق سوداء الآن لكل شيء تقريباً، كالعملة الصعبة ومنتجات النفط… وحتى الخبز.

في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، نجد شحّاً في معظم المواد، وحين تكون متوفرة نجدها تباع بأسعار أغلى بكثير من تلك التي حددتها الحكومة. وفي دمشق أو في الساحل، على سبيل المثال، ما زالت مختلف المنتجات الغذائية، بما في ذلك الخبز والسكر ومشتقات النفط تُباع بأسعار مدعومة، على الرغم من أن نشوء السوق السوداء حتى في هذه المناطق يعني أن العديد من هذه المواد لا يمكن توفرها إلا بأسعار أغلى بكثير من السعر الرسمي. من هنا، وفي حين توقف معدل التضخم الرسمي في سوريا عند نسبة 68 بالمئة في شهر أيار/ مايو، إلا أن هذا الرقم لم يكن ليعني الكثير بالنسبة إلى معظم السوريين الذي يواجهون مستويات أعلى بكثير من ارتفاع الأسعار.

في الوقت نفسه، نجد أن تقدير مستويات محاصيل الحبوب أو منتجات النفط، التي يتم إنتاجها بصورة رئيسية في مناطق الشمال الشرقي الواقعة تحت سيطرة المعارضة، هو أمر شبه مستحيل أيضاً. كما أنه من الصعوبة بمكان تحديد أرقام التجارة الخارجية السورية نظراً لخضوع بعض المعابر الحدودية لسيطرة الحكومة فيما تخضع معابر أخرى لمجموعات المعارضة. إن ما يشهده السوريون هو ترسيخ لتجزئة بلدهم ونشوء اقتصاد حرب. فظاهرة التهريب آخذة في التزايد من كل مكان، سواء من لبنان أو العراق أو تركيا، فيما نجد أن السلب والنهب والإختطاف قد أصبحت ظواهر اعتيادية في الحياة اليومية وفي العمل.

القمح الذي تستهلكه دمشق لم يعد يأتي من مناطق الشمال الشرقي، بل من الأسواق الدولية. والأسمدة التي كانت توفرها الحكومة لمزارعي الحسكة، يتم استيرادها الآن من تركيا.

يوماً بعد يوم تتزايد صعوبة الحديث عن اقتصاد سوري متكامل يعمل وفق إطار قانوني وتنظيمي موحد. بدلاً عن ذلك، نشهد نشوء اقتصادات قد تكون معتمدة على بعضها في بعض الأحيان، وقد لا تكون.

على السوريين أن  يدركوا ما الذي قد تعنيه مثل هذه التغيرات على مستقبل بلدهم. فالتفتت الذي يشهده الاقتصاد السوري قد لا يؤدي إلى تقسيم بلدهم ، لكنه قد يكون الخطوة الأولى نحو هذا التقسيم.

Advertisements

سوريا لا تحتمل التقسيم

فيما يتزايد النقاش حول مخاطر التحلل المستقبلي والتقسيم وتوسّع الطابع اللا مركزي لسوريا بإتجاه الخطوط الطائفية والإثنية، فإن الجوانب الإقتصادية لتحوّل راديكالي كهذا قلّما نوقشت.

إحدى المناطق في سوريا التي تخطر على البال فوراً لدى الحديث عن اللامركزية/ التقسيم هي المنطقة الشمالية الشرقية، التي يقطنها، إلى حد كبير، الأكراد. من وجهة نظر إقتصادية، فإن المسألة الكردية حسّاسة بشكل كبير، لأن المنطقة الشمالية الشرقية تعتبر موطن الإحتياطي الأكبر من النفط الخام في البلاد.

في الواقع، وفيما أسهمت الحقول المجاورة لدير الزور والذي تسكنه أكثرية عربية في إنتاج القسم الاكبر من نفط سوريا في التسعينات، فان الانتاج هناك تراجع من 400 ألف برميل في اليوم العام 1996 إلى حوالي 100 ألف في بداية العام 2011. في الغضون، تستخرج الحقول حول الحسكة قرب المنطقة الكردية أكثر من 250 ألف برميل في اليوم من النفط، وتحتفظ بغالبية إحتياطي البلاد؛ هذه الحقول تقع اليوم إلى حد كبير تحت سيطرة حزب الإتحاد الديموقراطي الكردي.

إلى جانب النفط، فان المنطقة الشمالية الشرقية تحوز على غالبية محاصيل القمح والقطن في سوريا. في 2011، كانت محافظة الحسكة مصدر 30% من إنتاج القمح السوري و35% من إنتاج القطن.

 الأصول الإقتصادية الحقيقية لهذه المنطقة، والتي من شأنها تشجيع الكرد على مزيد من التشدّد في مطالبتهم بالحكم الذاتي،  تجد ما يوازنها في الأهمية المعطاة لها للإقتصاد السوري ككل، الذي يشكل دافعاً لأي حكومة مركزية سورية لكي تحافظ على سيطرتها على المنطقة الشمالية الشرقية.

كما يعتبر الساحل السوري إحدى المناطق المهمة في النقاش الدائر حول اللا مركزية / التقسيم،  حيث تعيش غالبية من العلويين. وفيما رفعت مسألة الدولة العلوية المستقلة خلال الإنتداب الفرنسي، فإن الموضوع مات مذّاك ليعود إلى الحياة مجدداً خلال الأشهر الأخيرة مع تنامي النبرة الطائفية للنزاع.

وتحوي المنطقة الساحلية بعض المرافق الإقتصادية، مثل مرافئ سوريا الوحيدة، ومصفاة للنفط في بانياس ومطاراً في اللاذقية. كما أن إحتياطي الغاز في البحر بمقدوره أن يوفّر فرصاً مهمة للمستقبل، على الرغم من ان طاقتها المحتملة لم تخضع للقياس بعد.

مع ذلك فان المنطقة لا تنتج الكهرباء، في حين يقتصر التصنيع على الصناعات الخفيفة وزراعة التبغ وثمار الحمضيات. ويجادل البعض بان المنطقة الساحلية قد تستنسخ لبنان الذي نجح في البقاء مستقلاً برغم قلة موارده. لكن، المنطقة الساحلية ليس لديها مجتمع مغترب كبير كما في لبنان، أو  ثروة بشرية مهمة فضلاً عن الدراية العالية المستوى في القطاعات المالية والسياحية والتعليمية والصحيّة.

على ان نموذجي المنطقة الشمالية الشرقية والساحل السوري لا يوفّران جواباً نهائياً حول فرص النجاح الإقتصادي لأي قوى إنفصالية في سوريا. كما أنها توضح وجود توازن بين القدرات الإقتصادية لهذه المناطق، ما قد يشجعها على السعي لمزيد من الحكم الذاتي،  وتالياً على إعتماد بقية المناطق السورية عليها، الامر الذي بدوره يجعل الحكم الذاتي أمراً أكثر تعقيداً.

وقد أدركت السلطات السورية حساسية المسألة. فقامت في الأشهر الأخيرة الماضية بالإعلان عن مجموعة من المشاريع الجديدة في المنطقة الساحلية، تحديداً في مدينة طرطوس، ومن ضمنها بناء مطار جديد، وكلية للطب، ومصنع لمعالجة النفايات.

والوقت مناسب اليوم للمعارضة كي تظهر انها مدركة للتحديات المستقبلية، وتالياً على بلورة رؤية إقتصادية لسوريا تأخذ بالإعتبار المخاوف الحقيقية التي ترفعها الديناميكيات الإنفصالية والحاجات إلى حفظ مصالح المجتمع السوري ككل.