سر مشاريع الساحل السوري

349 (1)

تستمر حكومة بشار الأسد بالإعلان عن استثمارات جديدة في كل من محافظات اللاذقية وطرطوس تقدر بمليارات الليرات السورية في محاولة منها لاسترضاء مؤيديها في هاتين المحافظتين.

فعلى سبيل المثال، وخلال الأسابيع الأخيرة أعلنت الحكومة حزمة من الاستثمارات بقيمة تقارب 30 مليار ليرة سورية (حوالي 85 مليون دولار) في المحافظات الساحلية.

وخلال زيارته الأخيرة للمنطقة، أعلن رئيس مجلس الوزراء السوري وائل الحلقي، عن استثمارات بقيمة 4.5 مليارات ليرة سورية في محافظة اللاذقية. تتضمن هذه الاستثمارات ثلاثة مشاريع كبرى هي: مشروع بناء 320 وحدة سكنية في اللاذقية، مشروع قناة مياه بطول 44 كم ومشروع توسيع جامعة تشرين بتكلفة 750 مليون ليرة.

ومن جهة أخرى، أشارت الصحف السورية، في الأسابيع الأخيرة، إلى مشاريع أخرى تشمل تحسينات في مطار باسل الأسد بقيمة 371 مليون ليرة، إضافة إلى إطلاق وصلة سكة حديدية بين مدينتي اللاذقية وجبلة في 16 من تشرين الثاني/نوفمبر.

وفي الشهر الماضي، وبمناسبة الاحتفال بذكرى حرب تشرين، قام الحلقي بتدشين الأعمال بعدة مشاريع في محافظة طرطوس بقيمة 16 مليار ليرة خصص منها قرابة 7 مليارات ليرة لتوسيع معمل الإسمنت، في حين كانت بقية المشاريع عبارة عن مطحنة بقيمة 1.5 مليار ليرة، مستودعات تخزين النفط وغيرها من المنشآت النفطية في مصفاة بانياس بقيمة 750 مليون ليرة، إنشاء جامعة في طرطوس بقيمة مليار ليرة، توسيع نبع السنّ بمبلغ 700 مليون ليرة، ومجمع سكني بقيمة 1.2 مليار ليرة.

إضافة إلى ما سبق ذكره، قال مدير شركة كهرباء طرطوس، وهي شركة تابعة للمؤسسة العامة لتوليد الكهرباء التابعة لوزارة الكهرباء، إن شركته تقوم حالياً بتطوير مشاريع البنية التحتية لشبكة كهرباء المحافظة بقيمة 10 مليارات ليرة.

تبلغ القيمة الاستثمارية الإجمالي لهذه المشاريع ما يقارب 30 مليار ليرة سورية، وهي أكبر، على سبيل المثال، من ميزانية وزارة الموارد المائية للعام المقبل (البالغة 19 مليار ليرة)، وأكبر من موازنة وزارة الإدارة المحلية (20 مليار ليرة).
في واقع الأمر، بعض هذه المشاريع قد أنجز منذ زمن بعيد، وبعضها الآخر في بداية العمل به وعلى الأرجح أنها ستعاني الكثير من التأخير بسبب نقص التمويل المتوفر لدى الحكومة. وفي الوقت نفسه، يتولى القطاع الخاص بعضاً من هذه المشاريع، كمشروع تطوير معمل إسمنت طرطوس الذي تعهدته مجموعة فرعون.

وبكلمة أخرى، من الواضح أن الإعلان عن هذه المشاريع يحمل هدفاً سياسياً ويرمي إلى إظهار استمرار التزام الحكومة بتحسين وضع سكان المناطق الساحلية، وهي معقل النظام، إذ تشكل هذه الأرقام صدمة عند مقارنتها بالاستثمارات التي تخصصها الحكومة لبقية المحافظات.

في الواقع، لم يتم الإعلان عن مشاريع جديدة في أي محافظة أخرى. في بداية تشرين الثاني، قالت الحكومة إنها ستقدم مساعدة مالية لمدينة حلب بما يكفي لتغطية نفقاتها، إلا أنها، وعلى الرغم من أن عدد السكان في مدينة حلب يفوق، حتى في الظروف الحالية، عدد السكان في اللاذقية وطرطوس، فإن المخصصات المالية لها اقتصرت على مبلغ 500 مليون ليرة، أي ما نسبته 2% فقط من قيمة المشاريع المعلنة في المنطقة الساحلية.

ويبدو أنه حتى داعمو النظام يركزون اهتمامهم على المنطقة الساحلية كما ظهر خلال المقابلة الأخيرة التي أجريت مع الملحق التجاري الروسي في دمشق، والذي أعلن عن عدة مشاريع استثمارية مشتركة بين روسيا وسورية كانت في معظمها مخصصة للمنطقة الساحلية. كما أعلن عن التسهيلات المقدمة للمستثمرين الذين ينقلون أعمالهم من أجزاء أخرى من سورية إلى الساحل إضافة لإنشاء مناطق صناعية بالقرب من مدينتي اللاذقية وطرطوس لجذب استثمارات جديدة فضلاً عن مشروع لبناء مطار جديد قرب مدينة طرطوس، والذي، في نهاية المطاف، لم يتحقق.

وإذا قارنا بين المنطقة الساحلية وبقية مناطق سورية فإن الفارق الكبير الوحيد سنجده في استمرار إرسال المنطقة الساحلية لشبابها للقتال إلى جانب النظام لمساعدته على الاستمرار في البقاء، وهذا الاختلاف الوحيد كاف لتبرر الحكومة إعلان كل هذه المشاريع.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

إقتصاد حلب: عقود لإستعادة العافية

يحتاج إقتصاد حلب إلى عقود كي يستعيد عافيته.
صحيح أن حلب كانت من المدن التي شاركت متأخرة في الإحتجاج ضد النظام، لكن يمكن القول إنها اليوم واحدة من أكثر المناطق المتضررة بويلات الحرب.

غالباً ما كان يُطلق على حلب، في ما مضى، عاصمة سوريا الإقتصادية، لكنها عملياً فقدت هذا الموقع منذ فترة طويلة، خصوصاً بعد وصول حافظ الأسد إلى سدة الرئاسة، وما تبع ذلك من حالة مركزية قوية للدولة السورية وإلى إنشاء العديد من الشركات الكبرى في القطاع العام، والتي تقع في العاصمة السورية حصراً.

مع ذلك، من الصعب إجراء مقارنة دقيقة بينها وبين دمشق، المنافس التاريخي لمدينة حلب، لأن الإحصاءات السورية تقدّم بيانات عامة عن المحافظات مجتمعة، ناهيك عن أن التقسيمات الإدارية تعتبر دمشق وريفها محافظتين منفصلتين، فيما حلب وريفها محافظة واحدة.

حتى إنطلاق الإحتجاجات، كانت حلب لا تزال مركزاً صناعياً كبيراً لا يقل أهمية ربما عن دمشق، ومركزاً رئيسياً لتوزيع المنتجات الزراعية القادمة من الجزيرة ومن الغاب ومن ريفي إدلب وحلب. كما استفاد المستثمرون في حلب من الإنفتاح الذي شهده سوق التجارة مع تركيا ومن الموقع الجغرافي لمدينتهم ليلعبوا دوراً هاماً في استيراد وتوزيع البضائع التركية في الأسواق السورية. وبرغم كل ذلك، ظل حضور الدولة في اقتصاد المدينة محدوداً.

لكن بعد إمتداد الصراع إلى حلب في صيف العام 2012، بدأت المدينة تعاني جداً. فخلال أسابيع قليلة انقسمت إلى قسمين، وتم تدمير آلاف المصانع أو نهبها كما تم عزل المدينة عن ريفها، الأمر الذي قطع خطوط التجارة بين المدينة ومحيطها. وهكذا، في غضون أسابيع خسرت المدينة القطاعين الرئيسيين اللذين كانت تعتمد عليهما في اقتصادها، وهما قطاع الصناعة وقطاع تجارة المنتجات الزراعية. كما شهد ذلك الصيف الهجرة الأوسع التي شملت رجال الأعمال وأفراد الطبقة الوسطى.

ومنذئذ، لا تزال حال المدينة في تدهور مستمر وهي لا تزال منقسمة وتعاني من ويلات الحرب.

في الجزء الواقع تحت سيطرة المعارضة، وبرغم القصف المكثف الذي يشنه النظام بالبراميل المتفجرة لتدميره وإفراغه من السكان، يحاول المجلس المحلي تنظيم وإدارة حياة السكان عبر تأمين المواد الغذائية والخدمات الأساسية، لكن الفعاليات الإقتصادية لا تزال في حدودها الدنيا، ولا توجد أي شركات تمارس أي نوع من النشاط الهام. في هذا الجزء من المدينة الاعتماد يكون على مساعدات المغتربين والمساعدات التي يقدمها المجتمع الدولي، بالإضافة إلى بعض الأنشطة التجارية البسيطة التي تتم مع بعض الأجزاء الشمالية من البلاد. ثمة العديد من المنتجات تصل إلى المدينة من تركيا، كما أن بعض الموظفين المدنيين ما زالوا يتقاضون رواتبهم من الدولة.

أمّا في الجزء الذي يسيطر عليه النظام، فالدولة حاضرة ومعظم الخدمات التي تقدمها ما زالت متوافرة، رغم أن السكان يشكون من حالة التهميش التي يعانون منها مقارنة مع مناطق أخرى من البلاد. ويعتبر هذا الجزء من المدينة تاريخياً أكثر ثراء من الجزء الذي تسيطر عليه المعارضة، لذلك فهو يعيش ظروفاً أفضل بقليل. مع ذلك، يتعرض السكان هنا أيضاً إلى قصف عشوائي تشنه المجموعات التابعة للمعارضة.

وتشكل الأنشطة الإجرامية التي ظهرت في المدينة، إثر اندلاع الحرب عنصراً هاماً من عناصر اقتصاد حلب اليوم. فهذه المدينة ومحيطها تعد من أكثر المناطق التي عانت من حالات الخطف والنهب والتهريب، وبرغم أن الوضع قد تحسن قليلاً في الأشهر الأخيرة، إلا أن اقتصاد الحرب ما زال حاضراً بقوة فيها.

أضف إلى ما سبق، فإن الأمر المثير للقلق هو مستوى التدمير الهائل الذي طال المدينة، ما يجعل إعادة إعمارها بعد نهاية الحرب، أمراً في غاية الصعوبة. وبناء عليه يمكن القول إن اقتصاد حلب يحتاج إلى عقود طويلة كي يستعيد مستواه الذي كان عليه قبل الحرب.

مستقبل حلب قاتم

تؤكّد بيانات جديدة صادرة عن الحكومة السورية أن القدر الأكبر من الدمار الذي طال البلاد كان من نصيب حلب، ما يثير التساؤلات حول مستقبل هذه المدينة السورية الكبيرة.

وتبين الإحصاءات الأولية الصادرة عن وزارة الصناعة أن ما لا يقل عن 1200 مصنع ومعمل تابع للقطاع الخاص تم تدميرها في المراكز الصناعية الرئيسية في سوريا في السنوات الثلاث الأخيرة التي شهدت الصراع المسلح. وقد تم نشر هذه البيانات في تقرير صدر عن وزارة الصناعة يوم الأحد بتاريخ 2 كانون الثاني، لكن تغطيته اقتصرت على المصانع الموجودة في دمشق وريفها وحلب وحماة.

لا يفرّق التقرير بين المصانع التي طالها تدمير جزئي أو كلي، لكنه يقدر قيمة الدمار بحوالي 254 مليار ليرة سورية.

حتى الآن تتحمل حلب القدر الأكبر من الدمار مع 866 مصنعاً مدمراً فيها، وتقدر قيمة الأضرار بحوالي 206 مليارات ليرة سورية أي ما يعادل 81 بالمئة من القيمة الكلية للأضرار. تأتي بعدها دمشق وريف دمشق ـ وهما محافظتان منفصلتان ـ دمر فيهما 267 مصنعاً، ثم تأتي حماه التي دُمِّر فيها 59 مصنعاً. وتبلغ قيمة الأضرار التي لحقت بهذه المدن حوالي 46 مليار ليرة و2 مليار ليرة على التوالي.

وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن التقرير لم يأت على ذكر الدمار الذي حل بمدن أخرى مثل حمص، وهي مركز صناعي كبير شهد حجماً هائلاً من الدمار، يمكننا أن نستنتج بأن العدد الفعلي للمصانع المدمرة يفوق ما ذكره التقرير بكثير.

حتى صيف العام 2012، تمكن القطاع الصناعي في حلب وباقي المناطق في البلد من الصمود أمام تدهور الاقتصاد نتيجة تعليق العمل بإتفاقية منطقة التجارة الحرة مع تركيا وتراجع قيمة الليرة السورية، حيث كان هذان العاملان سبباً في تقليص حجم المنافسة الأجنبية وتحسين القدرة التنافسية لتصدير المنتجات المصنعة في سوريا.

لكن في صيف العام 2012 امتدت الحرب إلى حلب. وفي غضون أسابيع، انقسمت المدينة إلى مدينتين، وأثر القتال على كامل المدينة ومحيطها، وصدرت الكثير من التقارير التي تحدثت عن النهب والدمار الذي حل بها.

مذ ذاك تفاقمت معاناة المدينة الشمالية جراء استمرار الحرب في قلب المدينة ومحيطها. واستمر النظام في استخدام المروحيات لقصف المناطق التي تقع خارج سيطرته من المدينة بالبراميل المتفجرة. ففي الأثناء، يشعر المواطنون الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في حلب أنهم يعيشون في عزلة جراء انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وقطع المياه وخطوط الهاتف وشبكة الإنترنت، بالإضافة إلى غلاء تكاليف الحياة إلى حد كبير.

ثمة شكوك كثيرة حول مستقبل حلب.

لقد تم تفريغ المدينة إلى حد كبير من رجال الأعمال ومن الطبقات الوسطى التي كانت تعج فيها. كما شهدت حلب القديمة دماراً واسعاً جعلها بحاجة إلى زمن طويل بعد نهاية الحرب لتستعيد جاذبيتها السياحية. لقد فقدت قاعدتها الصناعية.

سوف تنهض حلب بعد هذه الحرب مدينة مختلفة تماماً عما كانت عليه قبلها. فهي من بين جميع المناطق الأخرى في البلاد الأكثر تأثراً والأكثر ضعفاً بعد فقدانها جميع المقومات الرئيسية التي كانت تتمتع بها من قبل.

نهاية الصادرات السورية

 ثمة مجموعة من العوامل أدت إلى استمرار التدهور في الصادرات السورية في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام. أهم هذه العوامل ثلاثة: تدمير قدرة سوريا الإنتاجية وتعطيل الطرق التجارية والعقوبات الاقتصادية.

 إيهاب اسمندر رئيس هيئة تنمية وترويج الصادرات، وهي مؤسسة حكومية سورية، قال لجريدة “الوطن” الأحد الماضي أن صادرات سوريا غير النفطية قد انحدرت بنسبة 50 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري. فإذا شملنا صادرات النفط، تصل نسبة التدهور إلى 90 في المائة. ولكن اسمندر تجنب تقديم أرقام حقيقية حول حجم الصادرات، بينما لا تثير الأرقام والتقديرات التي تقدمها الهيئة التي يرئسها سوى الشك. على سبيل المثال، قالت الهيئة إن الصادرات السورية تدنَّت خلال العام 2012 إلى 185 مليون دولار أميركي فقط، مقارنة مع 11.35 مليار دولار أميركي العام 2010 و7.21 مليارات دولار العام 2011.

ولكن مسؤولا سورياً آخر كان قد قال في شهر أيار (مايو) الفائت أن صادرات سوريا إلى العراق بلغت في العام 2012 ما قيمته 33 مليار ليرة سورية (تقريباً 440 مليون دولار أميركي)، وهو ما مثَّل نصف إجمالي الصادرات السورية، التي يسهل تقديرها إذن بمبلغ 880 مليون دولار أميركي فقط.

وعلى الرغم من هذه التباينات في الأرقام، فإن الواضح أن  قاعدة التصدير السورية قد انحدرت بشكل كبير خلال العامين الماضيين.

وكانت الصادرات السورية قد نالت ضربة كبيرة في نهاية العام 2011 بسبب العقوبات الأوروبية على الصادرات النفطية، التي كانت  تذهب نحو 90 في المائة منها  إلى الاتحاد الأوروبي قبل الأزمة. وبرغم أن سوريا يمكن أن تتحول إلى أسواق بديلة، إلا أن العقوبات باتت تطال ناقلات النفط التي تنقل النفط السوري الخام وشركات التأمين وإعادة التأمين التي تؤمن على تلك الناقلات. ومن المعروف أن النفط السوري ثقيل يصعب تكريره، مما يتسبب بصعوبات إضافية أمام الحكومة السورية في إيجاد زبائن محتملين آخرين. ولأن الصادرات النفطية السورية تشكل نسبة 40 في المائة من إجمالي الصادرات، فمن الطبيعي أن يكون تأثير العقوبات فادحاً على الميزان التجاري والعائدات السورية من العملات الأجنبية.

وتلقت الصادرات السورية صفعة أخرى عندما امتدت الحرب لتصل في صيف 2012 إلى مدينتي حلب ودمشق، وهما المركزان الاقتصاديان الأكبر في البلاد. وحتى ذلك الحد كان الصناعيون السوريون قد نجحوا في الاستفادة من بعض الجوانب الجانبية للانتفاضة، وبخاصة انخفاض قيمة الليرة السورية، ما جعل المنتجات السورية منافسة في أسواق التصدير. إلى ذلك، استفاد المصدرون السوريون أيضاً من ان العراق، الذي كان في السنوات الأخيرة السوق الرئيسية لصادراتهم الزراعية والصناعية، رفع القيود على الصادرات السورية، بما في ذلك ضبط الجودة ، في محاولة منه لمساعدة الاقتصاد السوري. ولكن وصول أحداث العنف إلى المدينتين الكبريين أدى إلى تحطيم ونهب قطاعات واسعة من المؤسسات الصناعية، وبخاصة في مدينة حلب.

أخيرا، جاءت الضربة الإضافية للمصدِّرين السوريين من الفوضى التي باتت تعم البلاد في الأشهر الأخيرة، ومن سيطرة المعارضة على المناطق الشرقية حيث توجد مصادر النفط، ومن القتال الدائر على المنافذ الحدودية. ووصلت العلاقات التجارية بين سوريا وكل من تركيا والعراق تقريباً إلى مستوى الصفر، ولم يتبق من منفذ حدودي يمكن وصفه بـ”الآمن” سوى المنافذ مع لبنان، وكذلك مرفأي اللاذقية وطرطوس.

ولعل أهم تأثير سلبي لهذا التراجع في الصادرات هو شبه نهاية دخول أي عائد من العملات الأجنبية إلى سوريا، ما اضطر الحكومة إلى إنفاق معظم مخزونها من العملات الأجنبية التي راكمته خلال عقود عدّة وإلى الاعتماد على حلفائها، وبخاصة إيران، للحصول على قروض بالعملات الأجنبية.

ولكن التأثير على المدى الطويل ليس أقل مدعاة للقلق. إن استئناف التصدير بعد انتهاء الحرب سيتطلب إعادة سيطرة الحكومة المركزية على مواردها النفطية وإعادة بناء القاعدة الصناعية المدمرة. ولا يبدو أن أياً من هذه المتطلبات ممكنة التحقق في المدى المنظور بعد انتهاء الحرب.

تداعي الصناعة السورية

 تتسبّب الحرب الدائرة في سوريا بدمار هائل للقطاع الصناعي، الأمر الذي من شانه ان يقوض بشكل ملحوظ جهود إعادة الإعمار.

في مقابلة مع صحيفة الوطن المؤيدة للنظام الأسبوع الماضي، قال رئيس المدن الصناعية أن الأضرار الواقعة على المصانع في المناطق الصناعية الأربع، دمشق وحلب وحمص ودير الزور تناهز حوالي 190 مليار ليرة سورية.

حتى صيف العام 2012 نجح الإقتصاد السوري في إحتواء، إلى حد ما، الآثار السلبية الناجمة عن الثورة، وقد أفاد الصناعيون، على سبيل المثال، من إنخفاض قيمة الليرة السورية لتحسين تنافسية منتجاتهم في السوق المحلية وأسواق الصادرات على السواء، وبالتحديد إلى العراق. غير ان توسع النزاع إلى دمشق وحلب شكل بداية التدمير الهائل لإمكانات سورية الإنتاجية.

ألوف المصانع وورش العمل يعتقد اليوم أنها دمرت أو نهبت، فيما مئات المصانع في حلب فككت وأعيد بيعها في جنوب تركيا.

إلى جانب التدمير المادي لمصانع عدة، فان الناتج الصناعي السوري إنخفض أيضاً، بفعل عوامل كثيرة متنوعة واجهها الصناعيّون. وقد عزز العنف بصورة ملحوظة أكلاف التوزيع والإمداد وجعل من الصعب جداً على العاملين أن يبلغوا مراكز عملهم. وقد فرضت الإنقطاعات في التيار الكهربائي والنقص في الفيول على مصانع عدة إيقاف إنتاجها لفترات طويلة من الزمن. في الغضون، إرتفعت أسعار المواد الأولية المستوردة نتيجة إنخفاض سعر صرف الليرة.

هذه الحالة المخيفة أجبرت صناعيين كثراً على ترك البلاد وإعادة التموضع في المنطقة.

في شباط الفائت، على سبيل المثال، قالت “مؤسسة الأعمال الدولية والإستثمار” المصرية أنها تتوقع إستثمارات بقيمة 2 مليار دولار من المستثمرين السوريين، وبالتحديد في صناعة النسيج. في الوقت الراهن، أعلن مجلس الإستثمار الأردني أنه يتوقع إستثمارات بقيمة مليار دولار من المستثمرين السوريين هذا العام. إلى ذلك، قال وزير الصناعة اللبنانية فريج صابونجيان أن عشرات الصناعيين السوريين قدموا طلبات لتنفيذ مشاريع في لبنان.

في أعقاب هذه التطورات، تبدو سوريا اليوم تحت تهديد جدّي قد تتعرض خلاله إلى نزع التصنيع. وتفرض إعادة تموضع الصناعيين في الخارج تحدياً جدياً للمستقبل، لأن المشاريع في القطاع الصناعي تعتبر إستثمارات طويلة الأمد، لذا يغدو من المستبعد جداً عودة أي من تلك المشاريع الصناعية إلى سوريا، بعد إستثمار كميات كبيرة من الأموال في هذه الأسواق الجديدة.

أيضاً، وفيما لم يكن القطاع الصناعي السوري بالأهمية التي يفترضها الكثيرون – في 2010، على سبيل المثال، شكلت الصناعة 7% فقط من الناتج المحلي، أقل بكثير من الزراعة والتجارة – فان الحكومة قدّرت أن الناتج الصناعي سينمو سنوياً بـ13% فقط بين 2011 و2015.

هذه الجهود ضاعت اليوم تماماً. فوفق تقديرات تقرير جديد صادر عن المركز السوري لأبحاث السياسة إنخفضت حصة الصناعة في الناتج السوري إلى 2.41% فقط في 2012، وهي الحصة الأصغر بين بقية قطاعات الأعمال السورية.

لأنها تخلق قيمة مضافة ملحوظة، وتشجع البحث والتنمية، وتولدت عائدات من التصدير وفرص عمل كثيرة، كان يفترض بالصناعة أن تكون مفتاح إعادة إعمار سوريا. غير ان موتها المحتمل يضيف تحدياً جديداً إلى التعافي السوري.