أموال الحكومة السورية.. ديون تتراكم

تبحث الحكومةُ السورية استدانةَ أموال جديدة من إيران لمساعدتها في تمويل وارداتها من المواد الغذائية. ووفق صحيفة “تشرين”، قَبِل رئيس الوزراء وائل الحلقي إجراءَ مفاوضاتٍ مع الإيرانيين بطلبٍ من وزارة الإقتصاد التي طالبت باستدانة أموالٍ إضافية خاصةً لشراء السكّر، الرز وسلع غذائية أخرى.

وقد زودت إيران سوريا، العام الماضي، بمبلغٍ ائتماني قدره مليار دولار أمريكي لتمويل وارداتها. ونهاية حزيران الماضي، كانت مؤسسات الدولة السورية قد أرسلت طلبات تمويل جديدة. وبالتالي، تطالب الحكومة الآن بتمويل إضافي. وليس واضحا بعد المبلغ التي تحاول الحكومة استدانته، لكن هذه المسألة تثير أسئلةً حول الوضع المالي للحكومة وحول مستوى احتياطها من النقد الأجنبي.

منذ بدء الثورة، قبل أكثر من ثلاث سنوات، تُطرح أسئلةٌ حول قدرة الحكومة على تغطية نفقاتها في ضوء الدمار الذي لحق بالإقتصاد والعقوبات الغربية على قطاعها النفطي.
ومنذ بداية العام الماضي، تدعم إيران الحكومة السورية لتمويل وارداتها من النفط عبرَ قرض قيمته 3.6 مليار دولار، إضافة إلى الخط الائتماني بمليار دولار. ولذا تبيّن منذ أكثر من عام أن مستوى احتياطي العملة الأجنبية لدى الحكومة السورية منخفضٌ بالرغم من صعوبة التحقق من مستوى هذا الاحتياطي بسبب قلة البيانات التي يصدرها مصرف سوريا المركزي.

لكن، في الوقت نفسه، استطاعت الحكومة الاستمرار في دفع رواتب موظفيها وفي توفير السلع والخدمات الرئيسية، تاركة انطباعاً لدى السوريين بأنها لا تزال تملك المال الكافي لدفع نفقاتها المحلية.
في الأسابيع الأخيرة، ظهرت علامات تشير إلى أن الحكومة تواجه بعض المشاكل، فقد ارتفعت أسعار المنتجات والخدمات، ولاسيما الخبز، بشكل لافت. فمثلاً ارتفع سعر الخبز (الذي كان يُعتبر خطاً أحمر) بنسبة 67%، بينما شهدت موادٌ أخرى كالسكّر، الرز، الماء والكهرباء زيادةً لا تقل عن 100%.
علاوةً على ذلك، وفي كلام له دلالة مهمة، أشار الرئيس السوري بشار الأسد في خطاب القَسَم إلى أهمية دفع الضرائب فقال إنّ “الظروف أظهرت الكثير من الأشخاص الذين لا يمتلكون ضميرا فيتهربون الآن من دفع الفواتير وتسديد الضرائب وغيرها وكل هذه المشاكل تراكمت لتؤدي إلى حالة اقتصادية صعبة”.

هكذا يتضح أن الحكومة تواجه صعوبات في دفع ثمن وارداتها وفي إنفاقها المحلي. ليس هذا مفاجئاً إذا عرفنا أن الحكومة لا تتمتع بأي دخْل تقريباً منذ أشهر عدة وأنّ الصادرات تكاد تكون معدومة.
هذه التوترات أثارت إشاعات في دمشق تفيد بأن قيمة الليرة السورية قد تنخفض، سواءٌ بسبب التضخم الذي سيزداد بعد ارتفاع أسعار العديد من السلع أو بسبب احتمال لجوء الحكومة إلى طباعة العملة.
إنْ حدث ذلك، فسيواجه السوريون المزيد من المآسي.

سوريا تعود إلى الثمانينات

منع مرسوم رئاسي صدر في 4 آب عقد المعاملات التجارية بعملة غير العملة السورية. ويتضمن المرسوم الرقم 54/2013 منع تسعير أي سلعة أو خدمة تباع في سورية بعملة غير الليرة. وتتضمن العقوبات على إنتهاك القانون عقوبة الحبس لمدة تراوح ما بين 6 أشهر إلى 3 سنوات، فضلاً عن الأعمال الشاقة من 3 إلى 10 سنوات علاوة على الأتعاب المالية.

ويهدف هذا القرار إلى كبح الإنخفاض الذي تشهده الليرة والنمو الحاصل على مستوى السوق السوداء للعملات الأجنبية. فقد ارتفع الدولار في السوق السوداء من 47 ليرة في آذار 2011 إلى 200 ليرة حالياً، في حين يبيعها البنك المركزي بسعر 107 ليرات.

فعدم إستقرار الليرة يدفع عدداً متزايداً من التجار لتسعير منتجاتهم والتعامل بالدولار.

ويمتلك هذا القرار بمنع التعاملات بالعملات الأجنبية رمزية كبيرة. قبل عشر سنوات بالتحديد، في تموز 2003، وفيما كانت تقوم بتحرير الإقتصاد، ألغت الحكومة القانون 24، الذي يعاقب بقسوة المتعاملين بالعملات الأجنبية. فالقانون الذي وضع في التنفيذ منذ العام 1986، كان أكثر تشدداً من النص المصدق يوم الأحد، لأنه يمنع أيضاً حيازة، وليس فقط التعامل بالعملات الأجنبية.

إلى جانب الرمزية، يأتي القرار كجزء من قرارات كثيرة أقرتها الحكومة خلال العامين الأخيرين تتعارض مع سياسات اللبرلة إبان العقد الفائت، وتعيد سوريا إلى أجواء بداية الثمانينات.

 إذ زادت الحكومة الرسوم الجمركية ومنعت القطاع الخاص من إستيراد منتجات متنوعة؛ وعادت المؤسسات المدارة من الدولة كلاعب في السوق، من خلال تقاضي رسوم على توزيع مختلف المنتجات الإستهلاكية؛ كما ان نظام القسيمة القاضي بتوزيع السكر والأرز على السكان تعرض للتوسيع ليشمل سلعاً أخرى كالشاي والبرغل والسمن والزيت النباتيين؛ وفي الأشهر القليلة الأولى من الإنتفاضة رفعت الحكومة أجور موظفيها وعززت الإعانات لمختلف شرائح المجتمع، ومن بينهم المزارعين.

الصعوبات التي يواجهها الإقتصاد السوري تتنامى بسرعة في ظل أجواء من الحصار تهيمن بإزدياد، بفعل عزلة الحكومة الدولية – بغض النظر عن الدعم المستمر لبعض الحلفاء – وبفعل أيضاً التراجع الحاد في إحتياطيها للعملات الأجنبية.

وتقدم الحكومة قراراتها على أساس أنها مؤقتة، وكإبطال لقراراتها التحريرية السابقة. مع ذلك، وبفعل خطورة الوضع ثمة نقاش ضعيف بالنسبة لآثارها طويلة الأمد، وبالنسبة لما إذا كانت جزءاً من رؤية أشمل تتعلق بكيفية إعادة بناء الإقتصاد.

عندما مرّ القانون 24 في العام 1986 تم تلقيه من قبل العديدين كسيف مسلط على رقاب لا من يملكون العملات الأجنبية فحسب، وإنما من يخرجون من صف المسؤولين السوريين الكبار.

وبصرف النظر عن المنطق الإقتصادي الكامن وراء منع المعاملات بالعملات الأجنبية، فانه من الصعب اليوم تبديد المخاوف، كما في مطلع الثمانينات، من إستخدام القرارات الإقتصادية كوسائل ضغط سياسية، وإضطهاد.