قمح سورية بيد حلفاء النظام

349 (3)

لجأت سورية، في نهاية شهر كانون الأول /ديسمبر، إلى شراء كمية 200 ألف طن من القمح من روسيا حيث تحاول الحكومة تلبية حاجة السوق المحلية وتعويض انخفاض الكميات التي يؤمنها المزارعون.

وفقا لوكالة رويترز للأنباء، وافقت المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب على شراء القمح من تجار روس. وهذه هي المرة الثانية، في غضون أربعة أشهر، التي توقع سورية خلالها على عقود لشراء القمح، إذ سبق واستوردت في أكتوبر/ تشرين الأول كمية 200 ألف طن من القمح.

بحسب المعلومات المتوافرة، قامت سورية عام 2015 باستيراد 650 ألف طن من القمح. وإلى جانب الشحنتين الأخيرتين، اشترت في ربيع العام نفسه 150 ألف طن، بينما قدمت الحكومة الروسية صيف العام نفسه كمية 100 ألف طن من القمح مجاناً.

وفي حين كانت سورية، في غالبية سنوات ما قبل الثورة، مكتفية ذاتياً من القمح، فإن نتائج الحرب أرغمتها على استيراده بكميات كبيرة. لا يعود الأمر إلى سوء المواسم فقط بل إلى أسباب تتعلق بإمكانية نقل المحصول من المنطقة الشمالية الشرقية حيث تتركز زراعة القمح، إلى الغرب حيث تعيش غالبية السكان، ما يجعل استيراده أقل تكلفة بالنسبة للحكومة.

إذ تفرض الدولة الإسلامية إتاوات عالية على عبوره مما يجعل ثمن المحصول المحلي مرتفعا جداً، وبالنتيجة لم تتمكن الحكومة أن تشتري من المزارعين المحليين سوى كمية 400 ألف طن فقط، أي ما يعادل خمس إجمالي المحصول.

وفي الوقت نفسه، كانت أسعار القمح في السوق العالمية قد شهدت تراجعاً على مدار السنوات والأشهر الماضية. ففي غضون شهرين فقط، انخفض المدفوع من قبل الحكومة لاستيراد القمح بحوالي 11%، إذ انخفض سعر طن القمح من 192 يورو في شهر تشرين الأول/ أكتوبر إلى 170 يورو في شهر كانون الأول/ ديسمبر.

إن حاجة الحكومة السورية إلى استيراد القمح تضعها أمام تحديات مالية وسياسية حقيقية. فمن الناحية المالية، يستنزف الاستيراد الاحتياطي الحكومي المحدود أصلاً من العملات الأجنبية، وكذلك فإن الاستيراد يستنزف خط الاعتماد الذي فتحته الحكومة الإيرانية لسورية. أما سياسياً، فإن الاستيراد يجعل الحكومة السورية أكثر اعتماداً على حليفيها: إيران، التي تمول عمليات الاستيراد، وروسيا التي تقدم القمح.

وفي حين قد يتمنى البعض أن يشكل هذا الأمر وسيلة ضغط بيد هاتين الدولتين على الحكومة السورية، فإنه يجب على المرء أن يأخذ دوماً بالاعتبار النتائج الإنسانية الخطيرة الناجمة عن استخدام القمح أو غيره من المنتجات الغذائية، أداة سياسية، حتى لو كان هذا الاستخدام ضد عدوك.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

Advertisements

روسيا في سورية: امتهان الخداع

Russia

يثير الانخراط الروسي المتزايد في الحرب السورية شائعات بمساهمة روسية أوسع في الاقتصاد السوري. وقد أشارت تقارير نشرتها الصحافة السورية أخيراً إلى مخططات روسية ترمي إلى استثمار مليارات الدولارات في الاقتصاد السوري، وتظهر استعداد روسيا لتقديم مساعدات مالية للحكومة السورية.

بالإضافة إلى ذلك، وفي مقابلة مع صحيفة الوطن السورية المقربة من النظام، ذكر الملحق التجاري في السفارة الروسية لدى دمشق، إيغور ماتفيف، لائحة طويلة من المشاريع التي يمكن للبلدين التعاون فيها. تتضمن هذه المشاريع معملاً لمولدات الطاقة، وإقامة محطة لمعالجة المياه، والاستثمار في قطاع السياحة، ومشاريع في مجال البُنى التحتية، إضافة إلى تشجيع الصادرات السورية من خلال إنشاء قرية صادرات وواردات روسية في سورية. والملفت للنظر أن معظم هذه المشاريع المذكورة في مقابلة ماتفيف مطروح إقامتها في محافظتي اللاذقية وطرطوس.  مشروع واحد فقط، وهو عبارة عن محطة طاقة كهربائية جديدة، مطروح خارج المنطقة الساحلية وبالقرب من دمشق.

لكن وعلى الرغم من كل هذه الأقاويل، الحقيقة أن قليلاً من هذه المشاريع قابل للتنفيذ.

فروسيا لم تكن مصدراً للاستثمار في الأسواق الخارجية، وباستثناء قطاع الطاقة لم تُعرف أي استثمارات روسية مهمة في أي مكان من الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك، يتعرض الاقتصاد الروسي حالياً إلى ضغوط قوية ناجمة عن انخفاض أسعار النفط، والعقوبات الغربية. وبذلك لا يبدو أن باستطاعة موسكو تقديم المساعدة المطلوبة أقله بشكل كافٍ.

وفي الوقت نفسه فإن الحكومة السورية في حال من الإفلاس وغير قادرة على الدفع للشركات الروسية لتقوم بتنفيذ أي مشروع في سورية.

من الممكن أن تمنح الحكومة السورية الشركات الروسية بعضاً من العقود، كإقامة محطات الطاقة أو التنقيب عن النفط والغاز في المياه السورية. إن أياً من هذه المشاريع لن يبدأ الآن بالتأكيد، ولكن سيكون بإمكان الروس تنفيذ هذه المشاريع بعد انتهاء الحرب، أو استخدامها كورقة للمساومة مع أي حكومة سورية مستقبلاً.

إذاً لماذا كل هذه الضجة حول انخراط روسيا اقتصادياً في سورية؟ ولماذا الخطط لإقامة تلك المشاريع حصراً في اللاذقية وطرطوس؟

من الواضح أن الهدف من كل هذه الضجة هو سياسي. يريد البلدان إظهار عمق التعاون بينها، وأنه شامل ويرتكز على استراتيجية بعيدة الأمد. كما يمكن أن يكون الهدف رفع معنويات مناصري الأسد في المنطقة الساحلية بتقديم الوعود لهم بمستقبل زاهر تبقى فيه روسيا ملتزمة بالنظام، حتى وإن خسر دمشق وتراجع إلى الساحل السوري.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

روسيا والغاز السوري

قام نائب مدير شركة سيوز نفط غاز Soyuzneftegaz ، وهي شركة نفط وغاز روسية، بزيارة دمشق الأسبوع الماضي حيث التقى بكل من وزير النفط والثروة المعدنية سليمان العباس، ، ورئيس الوزراء وائل الحلقي.

وحسب سانا، الوكالة الرسمية السورية للأنباء، بحث المسؤولون السوريون مع مندوب الشركة الروسية مسائل تتعلق بـ”النفط والتنقيب في المياه الإقليمية السورية.” ويُذكر أن الشركة تجري منذ أسابيع محادثات مع الحكومة السورية حول التنقيب في المياه السورية، وفي لقاءات الأسبوع الماضي تم نقاش العقبات التي تواجه هذه المحادثات.

يعود نشاط شركة سيوز نفط غاز Soyuzneftegaz في السوق السورية إلى ما قبل العام 2011، حيث كانت تجري تنقيبات في المنطقة الشرقية من البلاد على الحدود العراقية. هناك، حفرت بئرين من دون اكتشاف أي نفط أو غاز فيهما. لكنها منذ ذلك الحين، وعلى غرار جميع شركات النفط العالمية العاملة في سورية، علقت عملياتها في البلاد.

ثبت في السنوات الأخيرة أن الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط يحتوي على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي. وفي حين بدأت كل من إسرائيل ولبنان وقبرص بإجراء الدراسات وعمليات التنقيب، تأجلت جهود السلطات السورية بسبب الصراع الدائر في البلاد. ولم تكشف الحكومة عن أي أرقام أو تقديرات لمستوى الكميات المحتمل وجودها في المياه السورية.

قبل بدء الاحتجاجات، نظمت الحكومة جولتين للمناقصات بخصوص التنقيب في المياه الإقليمية، لكن أياً منهما لم ينجح. الجولة الأولى كانت في عام 2007، لكنها فشلت في اجتذاب الشركات العالمية المهتمة وذلك بسبب التكاليف العالية للتنقيب في المياه الإقليمية من جهة، وبسبب شح المعلومات المتوافرة في ذلك الحين حول احتياطيات الغاز المحتملة من جهة أخرى.

الجولة الثانية من المناقصات  تم تنظيمها في نهاية آذار 2011، أي بعد أيام من بدء الاحتجاجات، وفشلت أيضاً في اجتذاب الشركات لأن سوريا غدت مكاناً خطيراً لا يمكن الاستثمار فيه.

لعل توقيت المحادثات الجارية بين الحكومة السورية والشركة الروسية في خضم الصراع الدموي يبدو مثيراً للدهشة.

لكن من المفيد معرفة أن أكبر مساهم في الشركة الروسية هو البنك المركزي الروسي، أي والحالة هذه، فإن عمليات Soyuzneftegaz  سيوز نفط غاز تأتي إلى حد ما ضمن الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية التي وضعتها السلطات الروسية.

منذ بدء الاحتجاجات، شكلت الحكومة الروسية حليفاً أساسياً لحكومة بشار الأسد، حيث وقفت معه في وجه معظم بلدان المجتمع الدولي. وهكذا فإن الوصول إلى منابع الغاز هذه يمكن أن يكون واحداً من التنازلات التي تتوقعها موسكو من السلطات السورية في مقابل الاستمرار في دعمها.

في حال اكتشاف سوريا لاحتياطيات كبيرة في مياهها، فإن الغاز سيشكل نعمة كبرى للبلد حين تأتي مرحلة إعادة الإعمار. لهذا، فإن التفكير المنطقي يؤكد أن على السلطات السورية عدم تقديم الكثير من التنازلات من احتياطياتها.

لكننا رأينا ما حدث في المحادثات الخاصة بالأسلحة الكيميائية، إذ تخلى النظام السوري خلال 24 ساعة عما يمثل سلاح الردع الرئيسي لديه ضد إسرائيل، فيما لم يبدِ خلال عامين ونصف العام أي استعداد لتقديم أي تنازل لشعبه.

وتبقى الحقيقة الواقعة أنه سواء تخلى لإسرائيل أم لروسيا، وسواء كان تنازله عن أسلحته الكيميائية أم عن الغاز الطبيعي، فإن كل شيء في سوريا يخضع  لأولوية واحدة: استمرار نظام الأسد في السلطة.

سوريا: لا حرب على الطاقة

التنافس على موارد الطاقة لعب دوراً أساسياً في الصراع على السلطة في الشرق الأوسط خلال نصف القرن الماضي. غير ان اهميته في الصراع السوري تبقى أصعب من تقويمها بشكل كافٍ.

في الواقع تقع سوريا عند تقاطع طرق صادرات الطاقة، حيث تمر أنابيب عديدة عبر أراضيها، أو انها قيد الإنشاء. أهم هذه المشاريع مرتبط بإيران وقطر وتركيا.

أحد هذه المشاريع يحمل إسم أنبوب الغاز الإسلامي (IGP) الذي وقّع في بداية العام 2011 ووظيفته نقل الغاز من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان، ومن ميناء طرطوس في سوريا إلى الأسواق الأوروبية. عندما ينجز نهائياً، سيمكنه نقل ما سعته 110 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً من إيران، من بينها 20 مليون متر مكعب ستباع إلى سوريا و25 مليوناً للعراق. وسيتجنب  هذا الأنبوب تركيا.

المثير للإهتمام أن الغاز المستجر مصدره حقل مشترك بين إيران وقطر، والذي يعتبر أكبر حقل غاز في العالم. ويطلق على هذا الحقل حقل جنوبي فارس في إيران، وحقل غاز الشمال في قطر.

قطر، التي قامت بوتيرة أسرع بتطوير جانب الحقل العائد إليها، نقل عنها أيضاً انها تملك مشروعاً لبناء أنبوب سينقل غازها عبر تركيا ومن هناك إلى الأسواق الأوروبية. لكن قطر تدرس خيارين، أحدهما سيمر عبر السعودية والأردن وسوريا ومن ثم تركيا، في حين من المفترض ان يمرّ الآخر عبر السعودية والكويت والعراق وتركيا.

وعلى الرغم من ان هذه الحقائق تشير إلى منافسة محتدمة بين البلدين، من الصعب أن نستخلص منها نتائج واضحة بالنسبة لآثارها على الصراع في سوريا.

إيران، على سبيل المثال، ليست حتى اللحظة منافساً قويا لقطر، لأن الدول الأوروبية رفضت توقيع أي عقود طويلة الأمد مع طهران. وفي غياب عقود شراء مع الإتحاد الأوروبي، والتي تعتبر اكبر سوق للغاز الطبيعي، من الصعب على إيران ان تصبح منافساً جدياً. بالإضافة إلى ذلك، ستكون سعة الأنبوب صغيرة جداً مقارنة مع إستهلاك الإتحاد الأوروبي، الذي يبلغ حالياً 1.5 مليار متر مكعب في اليوم.

فضلاً عن ذلك، ليس ضرورياً أن يستخدم الانبوب القطري الأراضي السورية، كما ستكون الدوحة في حاجة إلى موافقة السعودية من اجل وضع أي من خياريها أعلاه موضع التطبيق. وتجدر الإشارة إلى انه في السنوات السابقة على الصراع، لم تسجل أي مفاوضات بين سوريا وقطر حول المشروع، على الرغم من العلاقات الجيدة جداً التي كانت بين البلدين.

ثمة نقاشان أيضاً يقلصان من أهمية الجغرافيا السياسية للطاقة في الصراع السوري. الأول، أنه إذا سعت إيران لتطوير إمكانات مهمة لتصدير الغاز فان أول وأهم منافس لها هي روسيا. في الواقع، أوروبا تعتمد اليوم بصورة متزايدة على الغاز الروسي، وموسكو تستخدم ذلك كرافعة لقوّتها في علاقاتها مع الإتحاد الأوروبي. روسيا كانت أصلاً واحدة من أهم المعارضين لخط أنابيب نابوكو، الذي كانت مهمته نقل الغاز من إيران عبر تركيا إلى اوروبا.

أيضاً، إذا كان للطاقة هذه الأهمية في الصراع السوري، يغدو على المرء أن يتوقع من النظام ان يسلط الضوء عليها بشكل متكرّر. ففي عامي الإنتفاضة، لم ياتِ النظام تقريباً على ذكر مسألة أنابيب الغاز كسبب لإنخراط دول إقليمية في الصراع.

ثمة شكوك طفيفة في ان يؤدي النزاع السوري إلى مضاعفات على مشاريع الطاقة الإقليمية. غير انه من الصعب، جعل هذه القضية السبب الرئيسي للمنافسة الإقليمية على الصراع في سوريا.