قطع شريان دمشق

تسبب إغلاق المعارضة السورية في الأسبوع الماضي لأوتوستراد دمشق ـ حمص بنقص حاد في مادة البنزين في العاصمة.

بعدما تمكنت القوات الحكومية منذ حوالي عشرة أيام من إحكام سيطرتها على مدينة قارة، التي تقع في جبال القلمون إلى الشمال من دمشق بالقرب من الطريق الدولي الرئيسي الواصل بين شمال سوريا وجنوبها، حاصرت قوات من المعارضة مدينة دير عطية، وهي مدينة قريبة تقع على الجهة المقابلة من الطريق.

نشوب معركة في القلمون كان متوقعاً منذ مدة بعد ادعاءات الحكومة بأنها تتهيأ لاستعادة البلدات العديدة التي سقطت في أيدي المعارضة بما فيها قارة ورنكوس ويبرود والنبك.

وتلعب منطقة القلمون دوراً مهماً بالنسبة إلى المعارضة بوصفها بوابة إلى لبنان، ومصدراً للإمدادات والاتصالات مع مدن حمص ودمشق والغوطة.

لكن، وعلى الرغم من أنه كان من المتوقع أن تحرز القوات الحكومية نصراً في معركة القلمون، إلا أن القتال الدائر فرض، وللمرة الأولى منذ بداية الاحتجاجات قبل سنتين ونصف، قطع الطريق الدولي وقطع كل الطرق بين دمشق وشمال البلاد، الأمر الذي أدى إلى قطع الإمدادات عن العاصمة السورية.

للطريق الدولي أهمية عسكرية كبيرة، لكنه يعد أيضاً طريق الإمداد الرئيسي للسلع التي تصل إلى دمشق وضواحيها، حيث يعيش حالياً ما يزيد عن 4 ملايين نسمة. مجمل الجزء الجنوبي من البلاد بما في ذلك محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة تأثر عملياً بهذا القطع.

ومن ضمن السلع التي تأثرت مشتقات النفط، كالبنزين، والفيول (أو المازوت)، اللتين يتم توريدهما من مصفاتي النفط الوحيدتين في البلد والموجودتين في حمص وبانياس، أو من الواردات التي تأتي عبر مرفأي طرطوس وبانياس. لكن يجدر القول أن العديد من المنتجات الأخرى كالطعام والأدوية التي يتم توريدها من الساحل ومن الشمال الشرقي تأتي عبر هذا الطريق الرئيسي.

وفيما يتجلى نقص البنزين من خلال الطوابير الطويلة على محطات الوقود، لم يتم الإبلاغ حتى الآن عن نقص في السلع الأخرى. لكن إذا ما استمر إغلاق الأوتوستراد، يغدو من المهم مراقبة توافر السلع الأخرى في الأسواق.

 دمشق غير منقطعة تماماً عن العالم، ومن الواضح أن الطريق المؤدية إلى الحدود اللبنانية ما زالت بيد الحكومة ـ فيما الأوتوستراد المتجه جنوباً إلى الأردن غير آمن. ولا شك أيضاً في أن النظام سيبذل قصارى جهده في الأيام والأسابيع المقبلة لاستعادة السيطرة على الطريق؛ لكن سواء استمر إغلاق الطريق أم لا، فقد أبرز هذا الأمر إحدى أهم نقاط ضعف العاصمة السورية، خصوصاً لناحية إمدادها بحاجاتها الضرورية من الغذاء والمحروقات، هذا فضلاً طبعاً عن كشفه ضعف الحكومة في السيطرة على الخط الرئيسي لإمداداتها، سواء العسكرية أو الاقتصادية.

Advertisements

روسيا والغاز السوري

قام نائب مدير شركة سيوز نفط غاز Soyuzneftegaz ، وهي شركة نفط وغاز روسية، بزيارة دمشق الأسبوع الماضي حيث التقى بكل من وزير النفط والثروة المعدنية سليمان العباس، ، ورئيس الوزراء وائل الحلقي.

وحسب سانا، الوكالة الرسمية السورية للأنباء، بحث المسؤولون السوريون مع مندوب الشركة الروسية مسائل تتعلق بـ”النفط والتنقيب في المياه الإقليمية السورية.” ويُذكر أن الشركة تجري منذ أسابيع محادثات مع الحكومة السورية حول التنقيب في المياه السورية، وفي لقاءات الأسبوع الماضي تم نقاش العقبات التي تواجه هذه المحادثات.

يعود نشاط شركة سيوز نفط غاز Soyuzneftegaz في السوق السورية إلى ما قبل العام 2011، حيث كانت تجري تنقيبات في المنطقة الشرقية من البلاد على الحدود العراقية. هناك، حفرت بئرين من دون اكتشاف أي نفط أو غاز فيهما. لكنها منذ ذلك الحين، وعلى غرار جميع شركات النفط العالمية العاملة في سورية، علقت عملياتها في البلاد.

ثبت في السنوات الأخيرة أن الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط يحتوي على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي. وفي حين بدأت كل من إسرائيل ولبنان وقبرص بإجراء الدراسات وعمليات التنقيب، تأجلت جهود السلطات السورية بسبب الصراع الدائر في البلاد. ولم تكشف الحكومة عن أي أرقام أو تقديرات لمستوى الكميات المحتمل وجودها في المياه السورية.

قبل بدء الاحتجاجات، نظمت الحكومة جولتين للمناقصات بخصوص التنقيب في المياه الإقليمية، لكن أياً منهما لم ينجح. الجولة الأولى كانت في عام 2007، لكنها فشلت في اجتذاب الشركات العالمية المهتمة وذلك بسبب التكاليف العالية للتنقيب في المياه الإقليمية من جهة، وبسبب شح المعلومات المتوافرة في ذلك الحين حول احتياطيات الغاز المحتملة من جهة أخرى.

الجولة الثانية من المناقصات  تم تنظيمها في نهاية آذار 2011، أي بعد أيام من بدء الاحتجاجات، وفشلت أيضاً في اجتذاب الشركات لأن سوريا غدت مكاناً خطيراً لا يمكن الاستثمار فيه.

لعل توقيت المحادثات الجارية بين الحكومة السورية والشركة الروسية في خضم الصراع الدموي يبدو مثيراً للدهشة.

لكن من المفيد معرفة أن أكبر مساهم في الشركة الروسية هو البنك المركزي الروسي، أي والحالة هذه، فإن عمليات Soyuzneftegaz  سيوز نفط غاز تأتي إلى حد ما ضمن الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية التي وضعتها السلطات الروسية.

منذ بدء الاحتجاجات، شكلت الحكومة الروسية حليفاً أساسياً لحكومة بشار الأسد، حيث وقفت معه في وجه معظم بلدان المجتمع الدولي. وهكذا فإن الوصول إلى منابع الغاز هذه يمكن أن يكون واحداً من التنازلات التي تتوقعها موسكو من السلطات السورية في مقابل الاستمرار في دعمها.

في حال اكتشاف سوريا لاحتياطيات كبيرة في مياهها، فإن الغاز سيشكل نعمة كبرى للبلد حين تأتي مرحلة إعادة الإعمار. لهذا، فإن التفكير المنطقي يؤكد أن على السلطات السورية عدم تقديم الكثير من التنازلات من احتياطياتها.

لكننا رأينا ما حدث في المحادثات الخاصة بالأسلحة الكيميائية، إذ تخلى النظام السوري خلال 24 ساعة عما يمثل سلاح الردع الرئيسي لديه ضد إسرائيل، فيما لم يبدِ خلال عامين ونصف العام أي استعداد لتقديم أي تنازل لشعبه.

وتبقى الحقيقة الواقعة أنه سواء تخلى لإسرائيل أم لروسيا، وسواء كان تنازله عن أسلحته الكيميائية أم عن الغاز الطبيعي، فإن كل شيء في سوريا يخضع  لأولوية واحدة: استمرار نظام الأسد في السلطة.

سوريا: نهاية حقبة اقتصادية

 شهدت مدينة دمشق في نهاية تشرين الأول الماضي إغلاق المطعم الأخير من سلسلة مطاعم “كي إف سي” KFC في سوريا.

وإذا كان افتتاح هذه المطاعم في العام 2006 يرمز إلى بداية مرحلة جديدة في سوريا، فإن إغلاقها يرمز بجلاء إلى نهاية هذه المرحلة.

لدى افتتاحها، غدت السلسلة الأميركية الوحيدة لمطاعم الوجبات السريعة في البلاد، قبل أن يتبعها افتتاح سلاسل أخرى مثل “كوستا كوفيه” Costa Coffee و”لا بريوش دوري” La Brioche Doree  و”سيغافريدو” Segafredo.

والحال أن افتتاح مطاعم “كي إف سي” KFC كان واحداً من الأمور العديدة التي ترمز إلى تحرر الاقتصاد والتجارة في سوريا في العقد الذي سبق الثورة ومثالاً على نماذج جديدة للاستثمار والاستهلاك انتشرت في تلك الفترة.

ساعد تحرير الاقتصاد على نشوء قطاعات جديدة للعمل، كالبنوك وشركات التأمين والسياحة. وقد شهد تحرير التجارة، الذي أتاح استيراد كل أنواع المنتجات الاستهلاكية التي كانت محظورة إلى حينه، كالملابس وأدوات التجميل، إنشاء متاجر كبيرة للتسوق ومراكز لتجارة التجزئة بشكل عام.

ومع ازدياد نسبة الثراء في المدن، ظهرت أعمال جديدة توفر أجوراً أعلى وتجتذب أختصاصيين من ذوي المهارات الرفيعة، ما وسّع حجم الطبقة الوسطى العليا وزاد ثراءها. وقد سعت هذه الفئة الجديدة من المستهلكين إلى تقليد الطرائق الغربية في الاستهلاك، بالطريقة ذاتها التي انتشرت فيها هذه النماذج في أنحاء منطقة الشرق الأوسط. عملياً، تعبّر المناطق التي تتوزع فيها فروع مطاعم “كي إف سي” KFC في دمشق عن نموذج زبائنها: فهي تقع في أبو رمانة وساحة الميسات والقصاع ومتجر داماسكينو، أي أنها كلها توجد في المناطق الغنية من العاصمة السورية.

على أن لإفتتاح “كي إف سي” KFC جانبا رمزيا يتعلق بنموذج الاستثمارات التي دخلت إلى سوريا. حيث كان حجم الاستثمار الأجنبي الكبير في العقود السابقة يأتي من دول الخليج ويركز في معظمه على قطاعي العقارات والخدمات. في حالة KFC، الشركة هي امتياز من شركة أمريكانا، وهي شركة مقرها الكويت وتابعة لمجموعة الخرافي. وتشمل بقية الامتيازات التي تملكها مجموعة أمريكانا في الشرق الأوسط: بيتزا هات Pizza Hut، باسكين روبينز Baskin Robbins، هارديز Hardee’s وكوستا كافيه Costa Coffee.

وحسب التقارير الصحافية، فإن السبب الذي دعا رسمياً إلى إغلاق الشركة هو اقتصادي بحت. إذ تواجه KFC صعوبات في شراء الدجاج من السوق المحلية، بعد أن أدى تدمير مزارع الدجاج إلى خفض الإنتاج المحلي، فيما غدت تكاليف الدجاج المستورد مرتفعة جداً بسبب تراجع سعر صرف العملة السورية. كل ذلك جعل الوجبات التي يتم تقديمها إلى الزبائن في المطاعم غالية جداً وبدأت السلسلة تشهد خسارة في الزبائن والنقود.

إغلاق KFC يشير إلى حد ما إلى إفقار الطبقة الوسطى العليا في سوريا وإلى حقيقة أن شريحة واسعة منها غادرت البلاد حيث عمل العديد من هؤلاء السوريين على إعادة بناء حياتهم في بلدان المنطقة وحول العالم. مدن مثل بيروت ودبي هي حالياً مليئة بالسوريين الذين كانوا سابقاً يعملون في البنوك وشركات السياحة أو العقارات، وهم الآن يبحثون عن عمل. وأغلب الظن أن العديد من هؤلاء لن يعودوا ثانية إلى الوطن.

صحيح أن على السياسات الاقتصادية المستقبلية في سوريا أن تركز توجهاتها نحو قطاعات تم إهمالها في العقد الماضي، كالزراعة والصناعة، لكن في الوقت ذاته ينبغي للمرء أن يدرك دائماً،  بغض النظر عن وجود رموز مثل سلاسل مطاعم الوجبات السريعة العالمية، أن عملية إعادة بناء سوريا لن تتم بنجاح دون عودة أبناء الطبقة الوسطى العليا والأختصاصيين ذوي الخبرات الرفيعة إليها.

لا شرعية لإعادة الإعمار السورية

في الأشهر الأخيرة الماضية أعلنت وزارة الإسكان والتنمية العمرانية السورية مرات عدة، أنها تعمل على التخطيط لإعادة إعمار 157  منطقة من مناطق السكن العشوائي في كل أنحاء البلاد.

هذا وقد تعهدت الحكومة السورية منذ سنوات عدة بالعمل من أجل إيجاد حل لهذه المناطق العشوائية التي تزنّر كل المدن الكبيرة في البلاد. ووجدت دراسة أجريت في العام 2004 أن عدد المنازل التي بنيت في المناطق العشوائية في سوريا يمثل نحو 38 في المئة من مجموع الوحدات السكنية في البلاد.

والحال، أن هذه الظاهرة كانت منتشرة بصورة واسعة في حلب التي كانت تضم 341000 وحدة سكنية عشوائية، أي 41  في المئة من مجموع الوحدات السكنية في المحافظة، وفي دمشق وريف دمشق، حيث كانت هناك 317000  وحدة سكنية عشوائية تمثل 35 في المئة من مجموع الوحدات السكنية في المدينة والمحافظة.

  على الرغم من أن الناس الذين يعيشون في مناطق السكن العشوائي لا يملكون سندات ملكية رسمية، إلا أنهم يحصلون على مجموعة من الخدمات الحكومية.  وقد أظهر مسح أجراه المكتب المركزي للإحصاء في كانون الثاني العام 2008 وجمع بياناته من3010  وحدات سكنية في المناطق العشوائية في جميع أنحاء البلاد، أن99.2  في المئة من الوحدات التي أجري عليها المسح تم ربطها بشبكة الكهرباء الوطنية، وتم ربط 96.9  في المئة من هذه الوحدات بشبكة الماء و94.3  في المئة بشبكة الصرف الصحي و65.6  في المئة بشبكة الخطوط الهاتفية.  وقال93  في المئة من المشاركين في الاستطلاع أن ثمة مدارس ابتدائية على مسافة قريبة من مساكنهم.

 نظرياً، ينبغي أن تكون لإعادة إعمار المناطق العشوائية تأثيرات إيجابية كثيرة. فهي ستؤدي في المقام الأول إلى تحسين طبيعة الظروف المعيشية.  في الواقع، وعلى الرغم من أن الخدمات الحكومية تتوفر لهذه المناطق إلا أنها غير منظمة ومزدحمة، وغالباً ما تكون حالة شبكات الصرف الصحي فيها سيئة. كما ينبغي أن تتضمن عملية إعادة الإعمار تمكين سكان هذه المناطق من امتلاك سندات ملكية رسمية.  كما يمكن لهذه العملية إذا ما تمت تحت إشراف إدارة ناجحة، أن تؤدي إلى تحسين شبكة النقل من وإلى مراكز المدينة التي بنيت حولها هذه المناطق.

لكن عملياً، ثمة العديد من الشكوك حول نية الحكومة في إنجاز هذا المشروع.
في الواقع، إن أي عملية لإعادة الإعمار سوف ينظر إليها على أنها فرصة للمستثمرين وثيقي الصلة بالنظام من أجل كسب المال. وقد كان القطاع العقاري قبل الانتفاضة واحداً من بين القطاعات التي جذبت استثمارات القطاع الخاص حيث كان العديد من المقربين من الشخصيات القيادية في النظام يعملون فيه.

الأمر الأهم هو أن ثمة شكوكاً حول الدوافع السياسية لدى السلطات. ففي كانون الأول الماضي أعلنت الحكومة أن إعادة إعمار المناطق العشوائية سوف تبدأ من أحياء كفرسوسة والقدم تليها جوبر. كلّ هذه المناطق التي ينبغي، وفقاً لتصريحات الحكومة، أن يتم تدميرها ثم إعادة بنائها، هي مناطق داعمة للمعارضة، في حين ثمة مناطق أخرى للسكن العشوائي، وهي داعمة للنظام، غير مدرجة على قائمة إعادة الإعمار مثل عش الورور ومزة 86.

ليس من الواضح ما اذا كانت الحكومة لا تزال تعطي الأولوية لهذه المناطق ولكن ما هو واضح أن مشاريعها ليست محط ثقة كبيرة. لا شك في أن الحرب الدائرة تعني أن أي مشروع لإعادة البناء غير قابل للتحقق في الأفق المنظور، ولكن في حال البدء بمشاريع كهذه، ثمة سؤال يطرح نفسه في أذهان الكثيرين: كيف يمكن لحكومة أحدثت هذا الدمار الواسع في بلادها أن تحظى بشرعية إعادة بنائها؟

رؤية اقتصادية لسوريا

 تجاوزت الخسائر التي تكبدها الاقتصاد السوري منذ بداية الثورة السورية حتى شهر حزيران مستوى 100 مليار دولار، وفقاً لتقرير صدر مؤخراً.

وفي حين أن الأرقام في هذه الوثيقة التي نشرها “المركز السوري لبحوث السياسات” ليست مفاجئة، غير أنها بمثابة تذكير للعواقب الدراماتيكية للحرب على الثروة الاقتصادية للبلاد وعلى مستوى معيشة السكان.

وقد تأثرت القطاعات الاقتصادية كافة، خصوصاً في التجارة والنقل والنفط والصناعات التحويلية. كما ارتفع في نهاية النصف الأول من هذا العام، عجز الموازنة الى 33 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في حين لم يتجاوز الـ3 في المئة في العام 2010؛ وزاد الدين العام إلى 72 في المائة من الناتج المحلي، فيما تجاوزت البطالة نسبة 50 في المئة من اليد العاملة؛ كذا، يقبع 10 ملايين سوري تحت خط الفقر بما في ذلك 4.4 ملايين، يصنفون ضمن الفقراء جداً.

وانخفض مؤشر التنمية البشرية، وهو مؤشر يقيس مستوى التنمية، إلى مستواه في أوائل الثمانينات. هذا التراجع في مؤشر التنمية البشرية هو إلى حد كبير نتيجة تأثير الأزمة على قطاع التعليم. ووفقاً للتقرير بلغت نسبة التسرب من المدارس 50 في المئة في نهاية النصف الأول من هذا العام.

هذه الأرقام مذهلة وتأكد على الصعوبات اللتي سيواجهها الاقتصاد السوري عندما تبدأ عملية إعادة الأعمار. وستتفاقم هذه الصعوبات بسبب عدم ضمور احتياطات العملة الأجنبية واغتراب شرائح واسعة من مجتمع الأعمال والطبقة الوسطى.

على الرغم من عدم وجود تفاصيل حسب المحافظات فمن الواضح أن الاختلافات بين المناطق كبيرة، ولكن من خلال تسليط الضوء على العواقب الهائلة من الصراع، يساعد التقرير أيضاً في توفير الإنطباع بضرورة التوحد في مواجهة الكارثة السورية. والحال ان التدمير الهائل، والخسائر الواسعة جداً، والمعاناة الإنسانية العميقة كلها تخلق شعوراً يلح على أهمية التضامن بين السوريين للخروج من نفق الأزمة المظلم.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ بالنسبة للسوريين، وتحت حجة أن الوقت غير مناسب للمساءلة، ان يرفضوا التعلّم من الدروس الماثلة في العامين الماضيين. وتشمل هذه الدروس فهما أفضل لأسباب وخلفيات الثورة، خصوصاً جذورها الاقتصادية والاجتماعية؛ فضلاً عن التأكد من أن إعادة إعمار سوريا لن تتم على عجل وعلى رخص. إلى جانب ضرورة انتاج رؤية واضحة للمكان الذي تتجه سوريا اليه. فالكلفة الاقتصادية والاجتماعية، بالاضافة طبعاً إلى الكلفة الانسانية، التي تكبّدها السوريون خلال العامين الماضيين كانت كبيرة جداً، ومن الملح جداً ألّا تذهب هدراً.

والحال أن النقاش حول المستقبل الاقتصادي لسوريا يجب ألا يقتصر على السياسات والقوانين والمؤسسات التي ستعتمد بعد بروز سلطة سياسية جديدة في نهاية النزاع. بدلاً من ذلك، ينبغي لأي رؤية اقتصادية واضحة أن تأخذ بالإعتبار مصالح مختلفة، وأن تستجيب للتحديات الاجتماعية والاقتصادية لسوريا. أكثر من ذلك، يجب على المواضيع الأخيرة أن تكون جزءاً من النقاش حول كيفية إنهاء الصراع.

بطبيعة الحال، لا يمكن تخفيف معاناة السوريين الهائلة من دون اعتماد حلول طارئة، بما في ذلك وقف إطلاق النار. ولمّا كانت الثورة السورية حدثاً تاريخياً كبيراً فان من الواجب على مؤيديها ان ينتجوا رؤية على المدى الطويل تضع مصالح السوريين في محلّها الصحيح.