لا نهاية لارتفاع الدولار في سورية

يستمر الدولار في ارتفاعه في السوق السوداء داخل سورية. وبرغم تدخل المصرف المركزي، إلا أنه من الواضح ألا شيء يوقف ارتفاع العملة الأميركية. في شهر كانون الثاني/يناير من عام 2015، كان معدل تداول الدولار عند حدود 210 ليرات سورية. ولكنه ارتفع في شهر شباط/فبراير إلى 240 ليرة، و280 ليرة في نيسان/أبريل، ثم 290 في شهر أيار/مايو، ثم إلى 320 ليرة في آب/أغسطس، وإلى 330 ليرة في أيلول/سبتمبر، ليبلغ 350 ليرة في أكتوبر/تشرين الأول.

انتشار الإشاعات

وبهدف تخفيف الضغط على عملته، يكرر مصرف سورية المركزي القول بأن مكاسب الدولار تعود إلى المضاربين، وإلى الإشاعات التي تنتشر على شبكة الإنترنت، ولا ترتبط بوضع الاقتصاد السوري. إضافة إلى التصريحات، لجأ مصرف سورية المركزي إلى ضخ بعض من احتياطاته من العملات الأجنبية في السوق، كما قام برفع معدل الصرف الرسمي للدولار، بهدف تقليص الفارق بين معدل الصرف الرسمي وقيمة الدولار في السوق السوداء.

وبالرغم من ذلك، ولأسباب عديدة، تعود إلى فترات سابقة، فإن أيا من إجراءات المصرف لم تساعد في تدهور قيمة الليرة التدريجي، وعلى الأرجح سيستمر الأمر مستقبلاً.

أولاً، وقبل كل شيء، دمرت الحرب قدرات البلاد التصديرية، بما في ذلك صناعة البترول والسياحة، وهما يعتبران مصدرين رئيسين للعملة الأجنبية. ونتيجة لهذا الواقع، تحول ميزان الدولة التجاري، وكذلك ميزان المدفوعات، وبفارق كبير، إلى السالب. ولم تعد تشكل قيمة الصادرات سوى عشر قيمة الواردات فقط.

إضافة إلى ذلك، تبقى معدلات التضخم عالية. إذ إن معدل التضخم السنوي في شهر أيار/مايو كان يقف عند حدود 40% قبل الارتفاع الأخير في أسعار الخبز والمنتجات النفطية بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر الحالي، وبانخفاض القوة الشرائية لليرة السورية، فإن التضخم يقلل من قيمتها نسبة إلى الدولار.

أما على المستوى النفسي (السيكولوجي)، ففي كل مرة يخسر النظام مواقعه على الأرض لصالح المعارضة، كان ضعف الليرة السورية يزداد. وبهذا يبدو من الواضح أنه كان لخسارة النظام التدريجية أجزاء واسعة من البلاد أثر سلبي على الليرة.

وأخيراً، فقد ظهر عامل هام جديد، وهو موجة الهجرة الواسعة إلى خارج سورية، والتي دفعت الكثير من السوريين إلى بيع ممتلكاتهم وتحويل قيمتها إلى الدولار، مما ساهم في زيادة الطلب على الدولار، وبالتالي ارتفاع قيمته.

منذ آذار/مارس 2011 ارتفعت قيمة الدولار سبعة أضعاف. لا شيء يمكن أن يوقف هذا التدهور الفظيع للعملة السورية، باستثناء نهاية الحرب.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

Advertisements

المركزي” السوري يلحق عملته”

349بما أن السلطات السورية تحاول إيجاد حلول لوقف تراجع الليرة السورية، فقد أعلن حاكم مصرف سورية المركزي أنه سيبدأ التدخل ‏في السوق اللبنانية للعملات الاجنبية. وفي هذا الصدد، قال أديب ميالة إن المصرف المركزي، وبهدف رفع قيمة الليرة السورية، سيبدأ ‏استخدام احتياطاته من العملات الاجنبية لشراء الليرة السورية المتداولة في السوق اللبنانية.‏

منذ حزيران/ يونيو الماضي، وعندما كان معدل الصرف في السوق السوداء قرابة 165 ليرة سورية أمام الدولار، تابعت قيمة الليرة السورية الهبوط ‏بسرعة. ففي شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، تجاوز الدولار مستوى 190 ليرة سورية، ثم بلغ 200 ليرة في تشرين الثاني/ نوفمبر، و210 ليرات في كانون الأول/ ديسمبر، ‏ومتجاوزاً الـ220 ليرة في ديسمبر عام 2015.

أما في الأيام القليلة الماضية، فقد جرى تداول الدولار فوق مستوى 230 ‏ليرة. ولمواجهة هذا التدهور، قام المصرف المركزي بضخ كميات متزايدة من الدولارات في السوق، كما رفعت قيمة الدولار الرسمية ‏فوق 200 ليرة بهدف تقليص الفارق بين السعر الرسمي للدولار وقيمته في السوق السوداء. كما أن المصرف المركزي ينوي ضخ ‏مبلغ 65 مليون دولار في السوق، حتى نهاية شباط/ فبراير. إلا أن أيّاً من هذه الاجراءات لم ‏تتمكن البتة من وقف تدهور الليرة السورية. ولهذا السبب، يقول المصرف المركزي الآن إنه يريد التدخل في سوق العملات الاجنبية ‏في لبنان.‏

‏تذكّرنا هذه التصريحات بالصلة الوثيقة بين العملتين السورية واللبنانية. فقد لجأ أفراد وشركات من سورية، وعلى مدى عقود ‏من الزمن، إلى استخدام المصارف اللبنانية للقيام بتحويلاتهم الدولية، ولإيداع مدخراتهم، وكذلك القيام بتحويل العملة الأجنبية. إن قرب لبنان ونظامه المصرفي الحر والمتطور، ساعد السوريين على التهرّب من العقبات‎ ‎القاسية المفروضة على نظامهم المصرفي ‏وعلى تحويلاتهم من العملات.‏‎ ‎وحتى بعد تحرير القطاع المصرفي السوري، استمر الكثير من السوريين في استخدام المصارف اللبنانية. ‏وكنتيجة لهذه الأسباب جميعها،‎ ‎بالإضافة إلى لجوء أكثر من مليون سوري إلى لبنان، يعتقد أنه يتم تداول كميات كبيرة من العملة ‏السورية في السوق اللبنانية.‏

ومع ذلك، يبقى هنالك فارق بين الإدلاء بتصريحات والقيام بالأفعال، كما يمكن أن تكون هناك شكوك حول الوسائل التي يمكن ‏للمصرف المركزي أن يستخدمها وكذلك مستوى تدخله.‏

وقال ميالة إن المصرف المركزي سيستخدم مؤسسات الصرافة الخاصة و”أدوات المصرف الخاصة” للتدخل. ولكن إذا أخذنا ‏بالاعتبار رفض غالبية المصارف اللبنانية، وكذلك مكاتب الصرافة، القيام بتحويلات رسمية مع القطاع المصرفي السوري بسبب ‏العقوبات الدولية، فإنه من المحتمل أن تواجه العملية عقبات جدية. يضاف الى ذلك، والى جانب غياب تقييمات واضحة عن حجم ‏العملة السورية المتوفرة في لبنان، وبالاخذ بالاعتبار الصعوبات التي يواجهها مصرف سورية المركزي حالياً في تلبية الطلب ‏على العملة الاجنبية، فإنه من المشكوك فيه أن تكون لديه القدرة على استهداف كتلة نقدية متداولة أكبر في السوق.‏

لا يبدو أنه من الممكن أن يترجم إعلان ميالة عملياً على أرض الواقع، فهو يهدف على الأرجح لرسم صورة تظهر قوة ‏المصرف المركزي. ولكن ما حصل في الأشهر الأخيرة يظهر العكس ويثبت حقيقة: عدم قدرة المصرف المركزي على وقف انهيار عملته.‏

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

سوريا بلا احتياطي

 أظهرت البيانات الصادرة أخيراً عن مصرف سورية المركزي أن ما في حوزة الحكومة السورية من احتياطي العملات الأجنبية قد انخفض بمقدار الثلث في نهاية العام 2011.

بمعنى آخر، بعد تسعة أشهر فقط من بدء الاحتجاجات، فقدت سوريا ثلث احتياطها الكامل من العملات الأجنبية.

وتظهر البيانات التي نشرها المصرف المركزي أن إجمالي النقد الأجنبي لديه أغلق  في نهاية العام 2011، بعد تسعة أشهر فقط من بدء الاحتجاجات،  عند ما يعادل 157 مليار ليرة سورية، من أصل 242 مليار ليرة سورية في نهاية 2010، أي بنسبة انخفاض بلغت 35 في المئة.

سعر الصرف الذي يعتمده المصرف المركزي لقياس احتياطياته هو 11.2 ليرة سورية للدولار الواحد وليس 47 ليرة سورية للدولار، وهو السعر التقريبي الأعلى للصرف الذي تم تداوله في السوق في ذلك الوقت. وهكذا، فقد انخفض احتياطي الدولار من 21.6 مليار دولار إلى ما يقارب 14.0 مليار دولار.

لا يقدم البنك المركزي أي بيانات تتعلق بحجم الاحتياطيات في نهاية العام 2012 ولا في هذا العام، لذلك من الصعب تقييم الحالة الآن. لكن حقيقة أن سوريا فقدت كثيراً من أموالها في العملات الأجنبية  في وقت مبكر من العام 2011، تشكّل مؤشراً إلى أن المخزون الحالي من احتياطيات النقد الأجنبي لديها منخفض جداً.

كما أن القرار الذي اتخذته سوريا بسحب قروض خارجية من حلفائها، من إيران بصورة رئيسية، يعتبر مؤشراً إلى وضع احتياطيات النقد الأجنبي لديها، لأن الحكومة لا تفتأ تتفاخر طيلة الوقت بأن ديونها الخارجية منخفضة.

ينظر بعض أطراف المعارضة إلى هذا الانخفاض في احتياطيات النقد الأجنبي على أنه علامة إيجابية، بمعنى أن هذا يضعف السلطات السورية، ويجعلها أكثر اعتماداً على حلفائها الأجانب، وبالتالي يجعلها أكثر عرضة لتقديم التنازلات وقبول التفاوض أو التخلي عن السلطة.

قد يكون هذا التحليل صحيحاً، لكن على المرء أن يفهم التأثيرات التي يتسبب بها انهيار احتياطيات النقد الأجنبي في سوريا على المدى البعيد. تراكمت هذه الاحتياطيات في الفترة القصيرة التي شهدت فيها سوريا طفرة نفطية، بلغ إنتاج النفط فيها ذروته بمقدار 600.000 برميل يومياً في العام 1996. وبفضل هذه الإيرادات العالية العائدة من تصدير النفط، تمكنت الحكومة السورية من أن تراكم مخزوناً كبيراً من الدولارات.

وفي حين كان بإمكان الحكومة السورية الاستفادة من هذه الإيرادات لإصلاح اقتصادها، واستثمارها في تطوير البنية التحتية ودفع عجلة التنمية نحو الأمام، إلا أنها قررت ألا تفعل شيئاً من ذلك. فقد امتلكت السلطات السورية شعوراً جديداً بالأمان، قررت بناء عليه وقف أي نوع من الإصلاح الذي كان من المحتمل أن يعطي المزيد من القوة الاقتصادية، وربما السياسية، للقطاع الخاص. وهكذا، كان عقد التسعينات في سوريا عقد ضياع على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

الامر الإيجابي الوحيد الذي تبقى هو هذه الاحتياطيات التي أعطت الاقتصاد شيئاً من الضمانة المستقبلية. لكن حتى هذه الاحتياطيات ضاعت في السنتين الأخيرتين.

وبالنظر إلى حجم الدمار الذي شهده البلد، سيكون محتماً على سوريا، في جميع الأحوال، أن تقترض مبالغ طائلة من المال، لكن ما لم يكن لديها احتياطيات من النقد الأجنبي، سيكون أمر إعادة إعمارها أكثر إيلاماً. فالمبالغ التي ستجد الحكومة نفسها مضطرة في المستقبل إلى اقتراضها ستكون أكبر واتكالها على البلدان الأخرى سيكون أكثر أهمية.