اقتصاد سورية بيد رجال أعمال النظام

349 (1)

قامت الحكومة السورية بإنشاء مؤسسة جديدة، أنيط بها مسؤولية تشجيع وتنظيم صناعة الحديد، ويبدو أنها ستكون أداة بيد كبار رجال الأعمال المرتبطين بالنظام لاستفادة من دمار سورية، وإعادة إعمارها.

ففي 13 كانون الأول/ ديسمبر، أصدر رئيس مجلس الوزراء السوري وائل الحلقي قراراً يحمل الرقم 3592، يقضي بإنشاء المجلس السوري للمعادن والصلب، وعين بموجبه مجلس إدارة من 17 عضواً. أثار هذا القرار الذي روجت الحكومة له كقرار مفيد للاقتصاد ومشجع للاستثمارات، مشكلتين: المشكلة الأولى، ترتبط بأهداف ومهمة المجلس. فالأدوار التي أنيطت بهذا المجلس متناقضة، لأن مهامه، وبحسب قرار رئيس مجلس الوزراء، تتضمن الدفاع عن مصالح الصناعة والشركات العاملة في هذا المجال. وفي الوقت نفسه، فإن تنظيم القطاع المنوط بالمجلس يعني الاخذ بالاعتبار مصالح عدد كبير من الأفراد والمؤسسات الذين قد تتضارب مصالحهم مع مصالح شركات قطاع المعادن والصلب.

ومن ناحية أخرى، كلف المجلس بمهام تتعلق بتنظيم أسعار بيع وشراء المعادن والصلب في السوق، حماية السوق، واتخاذ الإجراءات المتعلقة بمكافحة الإغراق. هذه المهام التي تستهدف مسائل تتعلق بمصالح المستهلكين وبقطاعات تجارية في السوق، هي عادة ما تكون من مسؤولية المؤسسات التابعة للحكومة، وليست مسؤولية هياكل مستقلة تدافع عن مصالح القطاع الخاص. وبالنتيجة، يبدو أن المجلس سيعطي الأولوية للقطاع الخاص في كافة هذه القضايا.

أما المشكلة الثانية، تكمن في تركيبة المجلس نفسه. فمن ضمن أعضائه الـ 17، هناك أربعة فقط يمثلون الحكومة، مقابل 13 عضواً يمثلون القطاع الخاص. ومن بين الأعضاء الـ 13، يوجد الكثير منهم، ممن يعتبرون من المقربين جداً من النظام السوري، مثل محمد حميشو، أيمن جابر، خالد مجذوب، ووهيب مرعي.

وإذا اعتبرنا أن الهدف الرئيسي لمجلس الإدارة، هو الدفاع عن مصالح صناعة المعادن السورية، فإنه من المفترض أن يكون أعضاؤه الممثلون للقطاع الخاص منتخبين من قبل رجال الأعمال العاملين في قطاع المعادن والصلب، وليسوا معينين من قبل الحكومة.

إلى جانب المشكلتين، فإن توقيت قرار تأسيس المجلس ملفت جداً. بالطبع، إذا انتهت الحرب خلال الأشهر القليلة القادمة، فإنه من المتوقع أن تستفيد صناعة المعادن والصلب بشكل كبير من عمليات إعادة الإعمار، لأن إعادة بناء المناطق المدمرة ستخلق طلباً هائلاً على مواد البناء بما فيها المعادن والحديد، وعندها سيكون المجلس بوضع ممتاز لتنظيم القطاع بصورة تخدم مصالح أعضائه وليس مصالح الاقتصاد.

نشر المقال في جريدة العربي الجديد

“خصوصية” طرطوس.. مؤشر التفكك السوري؟

"خصوصية" طرطوس.. مؤشر التفكك السوري؟

دعا رئيس غرفة تجارة وصناعة طرطوس وهيب مرعي، الحكومة أخيراً لإعلان محافظة طرطوس منطقة حرة. وفي مقابلة مع جريدة الوطن، قال مرعي إن هذه الخطوة ستوفر دخلاً وطنياً كبيراً لسوريا، وسيجعل من طرطوس مركزاً اقتصادياً مهماً في المنطقة، بشكل مماثل “للمدن الساحلية الأخرى”، ومشيراً إلى مدن كمدينة دبي. وأضاف مرعي أن “على الحكومة أن تسمح بتشييد أبنية شاهقة في المدينة، حيث الكثافة السكانية مرتفعة، وحيث الأراضي المتوفرة للبناء محدودة. وضرورة المحافظة على الأراضي الزراعية تبرر بناء أبراج سكنية”.

ومن المعروف أن الحكومة السورية تحظر، تقليدياً، إقامة أبنية عالية في المدن وذلك على الرغم من أنه سبق لمستثمرين في المجال العقاري أن حاولوا رفع هذه القيود. من المعروف أن مرعي مستثمر يتمتع بعلاقات جيدة مع المسؤولين السوريين. وينشط في قطاعات متنوعة بما فيها إنتاج الحديد، كما يمتلك أسهماً ومقاعد في مجالس إدارة العديد من البنوك وشركات التأمين، ومنها على سبيل المثال فرانسابنك سوريا (Fransabank)، بنك قطر الوطني (QNB) في سوريا، وشركة أدير سوريا (ADIR).

في الواقع، تعكس أقوال مرعي أفكار كثيرين من النخب السورية الذين ظهروا خلال فترة عقد من الانفتاح الإقتصادي الذي سبق الثورة. هؤلاء يفكرون بتوسيع القطاعات التي تعود عليهم بأعلى العوائد وبأقل المخاطر، كقطاع التجارة والمصارف والعقارات، وذلك على حساب قطاعات أخرى وعلى حساب شرائح واسعة من السكان. وقد عكست سياسات الحكومة الاقتصادية التي طبقت خلال العقد المذكور تحت شعار”اقتصاد السوق” مصالح هذه النخب.

مع ذلك، فان كلام مرعي يمكن أيضاً أن يعكس التغير في ميزان القوى بين المناطق السورية من ناحية، وبين مركز البلاد الذي تمثله الحكومة والعاصمة دمشق من ناحية أخرى. إن ضعف الدولة المركزية السورية، وازدياد تشظِي البلاد وتفتتها، كلها عوامل تقود أكثر فأكثر إلى قيام الشخصيات النافذة بالبحث عن استقلالية أكبر وعن تعامل تفضيلي أوضح لمدنها ومناطقها. وفي السياق، اعتبر مرعي أنه، “لتطوير هذه المدينة عمرانياً وزراعياً واقتصادياً، فهي تحتاج إلى مراعاة خصوصيتها من خلال عدم تطبيق التعليمات المركزية التي لا تراعي خصوصية هذه المدينة، كالتراخيص الصناعية”.

وفي حين يبدو هذا الاتجاه واضحاً، حتى الآن، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فإن المركزية تبقى مهمة في المناطق الخاضعة لسيطرته. وفي طرطوس، بشكل خاص، تبقى الدولة حاضرة بقوة، وخصوصاً أن القسم الأكبر من سكان المحافظة يعملون كموظفين في الدولة أو في أجهزة الأمن أو الجيش، الأمر الذي يعزز علاقة السكان القوية بالدولة.

بالطبع، غالباً ما تقف وراء المطالبة بـ”خصوصية” منطقة ما، والدفاع عن مصالحها في مواجهة الحكومة المركزية، مصالح طبقة خاصة من النخب في تلك المنطقة، والتي لا تريد أن تقف أي عوائق في وجه أنشطتها في مواجهة الانظمة التي تضعها الدولة.

سيكون من المهم في الأسابيع والأشهر القادمة أن نراقب كيف ستمضي عملية التفكك في سوريا. وإذا كانت كلمات مرعي تعكس اتجاهاً معيناً لدى المسؤولين في طرطوس أو في دمشق، فإن نشر هذه التعليقات في صحيفة يتردد أن ملكيتها تعود لرامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد، رجل الأعمال الأكثر ثراءً ونفوذاً في البلاد، يشير إلى ضرورة أخذها على محمل الجد.

نشر المقال في موقع المدن